بقلم: د. عدنان بوزان
ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا لمن يشبههم.
إن أخطر ما تشهده سوريا اليوم ليس الخيام التي تنصب هنا وهناك، بل المعنى الذي تحمله تلك الخيام. فهي ليست مجرد تجمعات احتجاجية أو مظاهر غضب عابرة، بل إعلان سياسي عن عودة الشوفينية إلى المسرح السوري، بعد أن ظن السوريون أنهم دفنوها مع انهيار النظام السابق. إنها خيام لا تستظل بالوطن، بل تستظل بالكراهية، ولا تبحث عن شراكة، بل عن خصومة دائمة، ولا ترفع راية الدولة، بل راية الغلبة.
والمفارقة المؤلمة أن الثورة التي انطلقت لإسقاط دولة الحزب الواحد تجد نفسها اليوم أمام خطر إعادة إنتاج عقلية الحزب الواحد بصورة أخرى؛ فالوجوه قد تتغير، لكن الفكرة تبقى واحدة: احتكار الحقيقة، واحتكار الوطنية، واحتكار حق تعريف من هو السوري الكامل، ومن هو السوري الذي يجب أن يظل واقفاً على هامش الدولة، منتظراً اعترافها بوجوده.
لقد سقط النظام البعثي، لكن البعث، بوصفه طريقة في التفكير، لم يسقط بعد. فما قيمة إسقاط التمثال إذا بقيت العقلية التي صنعته؟ وما معنى الحديث عن مرحلة انتقالية إذا كانت تدار بالأدوات ذاتها التي أدارت عقوداً من الإقصاء والاحتكار؟ إن الاستبداد لا يعيش في القصور فقط، بل يعيش أيضاً في الذهنية التي ترى أن السلطة حق طبيعي لفئة دون غيرها، وأن التنوع عيبٌ ينبغي التخلص منه، لا حقيقةً ينبغي احترامها.
إن الدولة التي تخشى الاعتراف بتعددها ليست دولةً واثقةً من نفسها، بل دولة قلقة من حقيقتها. والدولة التي تعتبر المطالبة بالحقوق تهديداً لوحدتها إنما تعترف، من حيث لا تدري، بأن وحدتها هشة إلى درجة أنها تخاف من مجرد كلمة في الدستور أو مقعد على طاولة الحوار.
والأخطر من ذلك أن الخطاب الشوفيني لم يعد يختبئ خلف الشعارات، بل أصبح يمارس في وضح النهار، ويعاد إنتاجه سياسياً وإعلامياً واجتماعياً، وكأن البلاد لم تتعلم شيئاً من سنوات الدم. فبدلاً من أن تقام خيام للحوار الوطني، تقام خيام للتحريض. وبدلاً من أن ترفع رايات المصالحة، ترفع رايات التعبئة القومية. وبدلاً من البحث عن عقد اجتماعي جديد، يجري استدعاء أكثر الغرائز بدائيةً في التاريخ السياسي: غريزة الخوف من الآخر.
إن اللعب بورقة العصبيات القومية والعشائرية ليس تكتيكاً سياسياً ذكياً، بل هو انتحار وطني مؤجل. فكل سلطة تعتقد أنها تستطيع توظيف الكراهية لتحقيق مكاسب آنية ستكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أنها أطلقت قوةً لن تستطيع السيطرة عليها. فالكراهية لا تعترف بولاء دائم، والنار التي تشعل لإحراق بيت الجار سرعان ما تمتد إلى البيت الذي أشعلها.
أما القضية الكوردية، فلا تزال تعامل، بعد كل هذه التحولات، بعقلية الملف المؤجل، وكأن ملايين المواطنين مجرد تفصيل يمكن تجاوزه أو تأجيله أو الالتفاف عليه. وما يزيد المشهد مرارةً أن الاعتراف بالحقوق القومية ما زال يقدم، لدى البعض على أنه تنازل سياسي، لا استحقاق دستوري، مع أن الدول الحديثة لا تقاس بقدرتها على إخضاع مكوناتها، بل بقدرتها على احتضانها جميعاً في إطار قانوني عادل.
إن تجاهل التمثيل الحقيقي للمكونات الوطنية، أو محاولة استبداله بتمثيل شكلي وانتقائي، لا يصنع شراكة، بل يصنع واجهاتٍ هشةً سرعان ما تنهار أمام أول أزمة. فالشرعية لا تبنى بالاختيار الانتقائي، ولا تكتسب بتوزيع المناصب، وإنما تنبع من احترام الإرادة السياسية والاجتماعية للمجتمعات التي يفترض أن تكون شريكةً في صناعة مستقبل البلاد.
وليس من الحكمة أن تعتقد أي سلطة أنها تستطيع بناء دولة مستقرة فوق أرضٍ من الشكوك والمرارات والإقصاء. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الدول لا تنهار لأنها اعترفت بتنوعها، وإنما تنهار لأنها أنكرت هذا التنوع، وحاولت صهره بالقوة، أو تجاهله بالقوانين، أو تشويهه بالدعاية.
إن سوريا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخيام التي تقسم الناس إلى معسكرات متقابلة، بل تحتاج إلى خيمة واحدة اسمها الوطن؛ وطن لا يدار بعقلية المنتصر والمهزوم، ولا بمنطق الأكثرية التي تحتكر القرار، ولا بمنهج الولاءات الضيقة، بل بعقد سياسي جديد يقوم على المواطنة، والمساواة، والاعتراف الدستوري بالتعدد القومي والديني والثقافي، بوصفه مصدر قوة، لا ذريعةً للانقسام.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً لأنها سمحت للشوفينية، طوال عقود، بأن ترتدي ثوب الدولة. واليوم يبدو أن هناك من يحاول أن يمنحها ثوباً جديداً، مع تغيير الأسماء فقط. لكن تغيير الشعارات لا يغير الحقائق، وتبديل الرايات لا يعني ولادة وطن جديد. فالوطن لا يبنى على إقصاء شركائه، ولا على تخوين المختلفين، ولا على صناعة أعداء داخليين كلما عجزت السياسة عن إنتاج الحلول.
إن السؤال الحقيقي الذي يواجه السوريين اليوم ليس: من يحكم دمشق؟ بل: كيف تحكم سوريا؟ لأن الدولة التي تستبدل ديكتاتورية الأشخاص بديكتاتورية الهوية، أو تستبدل احتكار الحزب باحتكار الجماعة، لم تغادر الماضي، بل أعادت إنتاجه بوسائل جديدة.
خلاصة القول، لا يوجد طريق ثالث بين خيام الحرب وخيمة الوطن. فإما أن تنتصر الشوفينية، وعندئذٍ لن يبقى في سوريا سوى خرائط الخوف والانتقام والانقسام، وإما أن ينتصر مشروع الدولة الديمقراطية التعددية، التي يشعر فيها كل مواطن، أياً كانت قوميته أو دينه أو انتماؤه، بأن هذا الوطن كتب باسمه أيضاً، لا باسم فئة واحدة تدعي احتكار التاريخ والجغرافيا والوطنية.