بقلم: د. عدنان بوزان
في أغلب دول الشرق الأوسط، لا تكمن الأزمة في غياب الديمقراطية وحدها، بل في غياب المواطن بوصفه كياناً سياسياً حراً، يمتلك إرادته، وحقه في السؤال والاعتراض والمحاسبة. فالدولة التي يفترض أن تكون مؤسسة لخدمة المجتمع تتحول إلى سلطة فوقه، والحاكم الذي يفترض أن يكون موظفاً عاماً يتحول إلى مالك للدولة، بينما ينحدر المواطن تدريجياً من شريك في الوطن إلى تابع، ومن صاحب حق إلى مجرد رقم من قطيع في سجلات السلطة.
المأساة ليست في أن المنطقة عرفت أنظمة استبدادية وقمعية؛ فذلك واقع تاريخي وسياسي له أسبابه وبنيته. المأساة الأعمق أن بعض هذه الأنظمة نجحت في إنتاج مجتمع واسع من الخائفين والصامتين والمبررين، حتى لم يعد القمع يعتمد على أجهزة الدولة وحدها؛ فهناك من يدافع عنه، ومن يبرره، ومن يصمت عنه، ومن يراقب الآخرين خوفاً من أن يكون أول من يتكلم.
هنا تتشكل العلاقة المريضة بين السلطة والمواطن. فالسلطة المستبدة لا تريد مواطناً، بل تابعاً أو قطيعاً؛ لا تريد إنساناً يسأل: لماذا؟ بل إنساناً يجيب: نعم. لا تريد من يناقش القانون، بل من يخشاه حين يصبح القانون أداة في يدها. ولا تريد معارضة حقيقية، بل معارضة يمكن احتواؤها أو إخضاعها أو تشويهها. وأخطر ما تفعله الدكتاتورية ليس اعتقال المعارضين فحسب، بل إعادة تشكيل وعي الإنسان حتى يخاف من الحرية أكثر مما يخاف من الاستبداد.
والمواطن الذي يتنازل عن عقله وكرامته وإرادته، ويتحول إلى بوق للسلطة، لا يصبح تابعاً لأنه فقير أو جاهل بالضرورة، بل لأنه يتخلى طوعاً أو قسراً عن جوهر المواطنة. فالمواطن ليس من يحمل بطاقة هوية، وإنما من يدرك أن الدولة ملك للمجتمع، وأن الحاكم موظف مؤقت، وأن السلطة ليست مقدسة، بل قابلة للنقد والمساءلة والتغيير. أما من يقدس الحاكم، ويبرر فساده، ويدافع عن جرائمه، ويهاجم كل من يختلف معه، فإنه لا يمارس المواطنة بقدر ما يتحول إلى حارس اجتماعي للاستبداد.
والدكتاتورية لا تعيش بالقوة وحدها؛ إنها تحتاج إلى ثقافة تنتج الخوف، ومجتمع يتعايش معه، وأفراد يجدون للصمت أعذاراً أخلاقية وسياسية. فكل مستبد يحتاج إلى أجهزة أمن، لكنه يحتاج أيضاً إلى أصوات تقول: ليس الوقت مناسباً للكلام، والاعتراض خطر، والاستقرار أهم من الحرية، والفساد أهون من الفوضى. وهكذا يتحول الخوف من حالة نفسية إلى نظام اجتماعي، ومن وسيلة للقمع إلى أسلوب للحياة.
لكن نقد ثقافة الخضوع لا يعني مساواة الضحية بالجلاد. ثمة فرق أخلاقي وسياسي هائل بين من يمارس القمع ومن يخضع له، وبين من يصدر القرار ومن يخشى تبعاته. ولذلك فإن مسؤولية المجتمع لا تعني تبرئة السلطة، بل فهم الآلية التي تسمح للاستبداد بالاستمرار: سلطة تقمع، ومواطن يخاف، ومجتمع يبرر، ثم تستخدم السلطة هذا الخوف والتبرير لإنتاج مزيد من القمع.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى تغيير الحكام وحده، بل إلى تغيير مفهوم المواطن نفسه. فتبديل دكتاتور بآخر لا يصنع دولة حرة، وتغيير الوجوه داخل السلطة لا يغير شيئاً إذا بقيت العلاقة بين الدولة والمجتمع قائمة على الخضوع. المطلوب هو الانتقال من عقلية الرعية إلى عقلية المواطنة، ومن الطاعة إلى المشاركة، ومن تقديس السلطة إلى مراقبتها، ومن انتظار المنقذ إلى بناء مؤسسات لا تحتاج إلى منقذ.
الدولة الحديثة لا تبنى بقائد ينتظر التصفيق، بل بمواطن يستطيع أن يقول للحاكم: أخطأت. وبمؤسسة تستطيع أن تقول للوزير: أنت مسؤول. وبقانون يقف أمام الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، على مسافة واحدة. وحين يستطيع المواطن أن يختلف دون خوف، ويسأل دون أن يتهم بالخيانة، وينتقد دون أن يتحول إلى عدو للدولة، تبدأ الدولة بالخروج من منطق السلطة إلى منطق القانون والجمهورية.
أما قوافل الطاعة من القطيع، مهما كثر عددها، فلا تصنع وطناً حراً. ولعل أقسى انتصارات الاستبداد أن ينجح الحاكم في إقناع الإنسان بأن عبوديته فضيلة، وصمته حكمة، وخوفه وطنية، ودفاعه عن جلاده دفاع عن الوطن.
الوطن ليس الحاكم، والدولة ليست السلطة، والسلطة ليست الحقيقة. المواطن هو أصل الشرعية، والدولة وجدت لخدمته لا لإخضاعه. وحين يستعيد الإنسان هذه الحقيقة، يبدأ السقوط الحقيقي للدكتاتورية؛ لأن المستبد يستطيع أن يسجن الجسد، لكنه يعجز عن حكم مجتمع استعاد وعيه، وأدرك أن كرامته ليست منحة من الحاكم، وأن حريته ليست إذناً يمنح له، وأن الدولة ليست ملكاً لأحد.
المشكلة الكبرى في الشرق الأوسط ليست وجود الدكتاتوريين وحدهم، بل غياب المواطن الذي يجعل الدكتاتورية مستحيلة. فحين يصبح الإنسان مواطناً بالفعل، لا تابعاً ولا مريداً ولا عبداً للخوف، يصبح الحاكم موظفاً، والدولة مؤسسة، والقانون مرجعاً، والوطن ملكاً لأبنائه جميعاً.