بقلم: د. عدنان بوزان
في المشهد الكوردي السوري الراهن مفارقة تستحق التوقف: لماذا يتحول تغيير لوحة أو صورة أو تمثال في ساحة عامة، أو رفع العلم السوري الجديد، لدى بعض الكورد إلى قضية تكاد تعامل بوصفها اعتداءً على الهوية والقضية؟ المشكلة في الحقيقة ليست في لوحة تزال ولا في تمثال يستبدل ولا في علم يرفع؛ فهذه رموز قابلة للتغيير مع تغير المراحل السياسية، أما القضية الكوردية فلا تختزل في رمز، ولا تحمى بتمثال، ولا تهزم بإزالة صورة، وإنما تصان بالحقوق الدستورية، والمؤسسات، والمشروع السياسي، والقدرة على التفاوض، ووحدة الموقف، وامتلاك رؤية واضحة لمستقبل الكورد داخل سوريا. وإذا كانت المناطق الكوردية جزءاً من الدولة السورية، فمن الطبيعي أن تحضر فيها رموز الدولة الرسمية، كما أن من حق الكورد، في المقابل أن يطالبوا بالاعتراف بهويتهم ولغتهم وثقافتهم وحقوقهم السياسية والقومية، وأن يرفضوا أي عودة إلى سياسات الإقصاء والتمييز والتعريب؛ لكن تحويل العلم أو التمثال إلى معركة وجودية يشتت النقاش عن القضية الأساسية ويجعلنا أسرى للرموز بدل أن نكون أصحاب مشروع.
ومن هنا، قبل أن نعاتب السلطة الجديدة في دمشق، علينا أن نمتلك الشجاعة لمساءلة قياداتنا وأحزابنا أولاً: ماذا فعلتم طوال السنوات الماضية؟ ماذا حققتم؟ ولماذا وصل الكورد إلى هذه المرحلة وهم أكثر انقساماً وأقل قدرة على إنتاج موقف سياسي موحد؟ كيف تحولت قضية شعب إلى تنافس بين أحزاب ومراكز نفوذ، وكيف أصبحت بعض المناصب والمواقع المؤقتة والامتيازات السياسية أهم من بناء استراتيجية كوردية مشتركة؟ وكيف أمكن أن تهدر تضحيات خيرة الشباب والشابات تحت شعارات كبيرة، ثم لا نجد أمامنا مشروعاً سياسياً يوازي حجم الدم الذي دفع؟ إن دماء الشهداء ليست ملكاً لحزب أو تنظيم أو قيادة، ولا يجوز تحويلها إلى غطاء سياسي يحمي القرارات من النقد؛ فالوفاء للشهيد لا يكون برفع صورته في المناسبات، وإنما بتحقيق المعنى الذي ضحى من أجله، وبمراجعة الخيارات التي أدت إلى موته، والسؤال بشجاعة عما إذا كانت تلك التضحيات قد انتهت إلى نتيجة توازي ثمنها.
أما شعار «أخوة الشعوب»، فلا خلاف على جوهره إذا كان يعني المساواة والشراكة والاعتراف المتبادل بين العرب والكورد والسريان والآشوريين وسائر مكونات سوريا؛ لكنه يصبح شعاراً فارغاً عندما يستخدم لتأجيل الحقوق أو تبرير الأخطاء أو مطالبة الكورد بالصمت كلما اصطدمت الشعارات بالواقع. الأخوة الحقيقية لا تعني أن يتنازل طرف عن حقوقه من أجل إرضاء طرف آخر، وإنما تعني أن يعيش الجميع متساوين في الحقوق والواجبات داخل دولة تحترم تعددها. ولهذا من حق الكورد أن يسألوا كل من رفع هذا الشعار طوال سنوات: ماذا بقي منه عندما أصبحت المصالح السياسية على المحك؟ وهل كانت «أخوة الشعوب» مشروع شراكة حقيقية أم غطاءً لتأجيل الأسئلة الكوردية الكبرى؟
والأمر نفسه ينطبق على تجربة الإدارة التي استمرت نحو خمسة عشر عاماً؛ فمن حق المجتمع أن يحافظ على ما تحقق فيها، وأن يناقش ما أنجزته، لكنه من حقه أيضاً أن يسأل عن إخفاقاتها وأخطاء قياداتها. لا توجد إدارة مقدسة ولا تجربة سياسية فوق النقد، ولا يجوز أن يتحول الدفاع عن المؤسسات إلى دفاع عن الأشخاص والأحزاب. فإذا كانت التجربة ناجحة، فلتعرض إنجازاتها بموضوعية، وإذا كانت قد أخفقت في ملفات أساسية، فيجب الاعتراف بذلك ومحاسبة المسؤولين عنها. إن تحويل كل نقد إلى مؤامرة على الكورد لا يحمي القضية، بل يضعفها؛ لأن الحركة السياسية التي تخاف من النقد تتحول إلى سلطة مغلقة، والسلطة التي لا تراجع نفسها تكرر أخطاءها.
وهنا تظهر مشكلة أعمق من مسألة اللوحات والتماثيل، وهي ثقافة تقديس الزعيم. فالتصفيق المستمر لزعيم، حتى بعد رحيله بعقود، لا يصنع مشروعاً سياسياً حديثاً، كما أن تحويل الأشخاص إلى رموز فوق النقد يقتل قدرة المجتمع على إنتاج البدائل. احترام التاريخ لا يعني تقديس الشخصيات، والاعتراف بما قدمه أي قائد لا يمنحه حصانة أبدية من السؤال والمراجعة. ومن ظل يصفق لعقود لزعيم أو حزب أو مشروع، ثم يطالب الآخرين اليوم بالديمقراطية والمساءلة، عليه أولاً أن يمارس هذه القيم داخل بيته السياسي؛ لأن الشعب الذي يخاف من نقد قياداته لن يستطيع أن يطالب السلطة التي تحكمه باحترام النقد.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للكورد السوريين في المرحلة الجديدة هو أن يتحول الغضب من أخطاء القيادات السابقة إلى غضب على السلطة الجديدة وحدها. نعم، من حق الكورد أن يطالبوا السلطة الجديدة بضمانات دستورية واضحة، وبالاعتراف بالهوية واللغة والثقافة الكوردية، وبالمشاركة السياسية العادلة، وبإدارة محلية حقيقية، وباحترام حقوق الإنسان، وبضمان عدم عودة سياسات الإقصاء والتمييز؛ لكن المطالبة بهذه الحقوق لا تعني إعفاء الأحزاب والقيادات الكوردية من مسؤوليتها التاريخية، ولا تعني منح أي تنظيم حصانة من المحاسبة. بل إن المرحلة الجديدة تحتاج إلى محاسبة الجميع: السلطة، والأحزاب، والقيادات، والمؤسسات، وكل من اتخذ قرارات مصيرية باسم الكورد.
المطلوب اليوم ليس انتقال الكورد من تبعية إلى تبعية أخرى، ولا أن يكونوا ضد دمشق لمجرد أنهم كورد، ولا معها لمجرد التخلص من مرحلة سابقة؛ المطلوب سياسة كوردية مستقلة وواقعية تعرف ماذا تريد، وكيف تفاوض، ومتى تشارك، ومتى تعارض، وما هي حدود التنازل، وما هي الحقوق التي لا يمكن التنازل عنها. فالسياسة ليست شعارات ولا صوراً ولا بيانات، وإنما قدرة على صناعة القرار وتحويل القوة الاجتماعية والتضحيات إلى مكاسب سياسية وقانونية مستدامة.
إن كان تغيير تمثال أو لوحة يستفزنا أكثر من ضياع القرار السياسي، فلدينا خلل في ترتيب الأولويات؛ وإن كان تبديل علم يؤلمنا أكثر من الانقسام الكوردي، فلدينا مشكلة أعمق؛ وإن كان اختفاء صورة سياسي يؤلمنا أكثر من انهيار مشروع سياسي كامل، فعلينا أن نعيد النظر في وعينا السياسي. القضية الكوردية أكبر من الأشخاص، وأعمق من الرموز، وأبقى من الأحزاب؛ لذلك فإن النقد الحقيقي لا يبدأ من دمشق، بل من داخل البيت الكوردي نفسه. الكورد لا يحتاجون إلى مزيد من التقديس، بل إلى النقد؛ ولا إلى مزيد من التصفيق، بل إلى السؤال؛ ولا إلى زعيم جديد، بل إلى مؤسسات؛ ولا إلى شعارات إضافية، بل إلى مشروع سياسي واضح.
إن المرحلة الجديدة تفرض على الكورد مراجعة شاملة لأحزابهم وقياداتهم وتحالفاتهم وخطابهم السياسي وتجربتهم الإدارية وعلاقتهم بدمشق وبقية المكونات السورية. والمعركة الحقيقية ليست على تمثال أزيل، أو لوحة استبدلت، أو علم رفع في ساحة؛ المعركة الحقيقية هي: هل يستطيع الكورد الانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى سياسة صناعة القرار؟ وهل يستطيعون أن يقولوا لقياداتهم قبل أن يقولوا للآخرين: أخطأتم، ونريد أن نعرف لماذا أخطأتم، ومن يتحمل المسؤولية، وماذا تعلمتم من الماضي؟ هذه ليست خيانة للقضية، ولا طعناً في الشهداء، ولا عداءً للكورد، بل ربما تكون أكثر المواقف إخلاصاً لهم. فمن يريد مستقبلاً سياسياً حقيقياً للكورد عليه أن يمتلك شجاعة مواجهة الماضي، وأن يقول بوضوح: قبل أن نسأل السلطة الجديدة: ماذا ستفعلون بالكورد؟ علينا أن نسأل قياداتنا أولاً: ماذا فعلتم بالكورد؟ فالأوطان لا تبنى بالتماثيل ولا تحمى بالصور ولا تنتصر بالشعارات، وإنما تبنى بالوعي، وتحميها المؤسسات، ويصنع مستقبلها شعب يمتلك شجاعة محاسبة نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالمحاسبة.