بقلم: د. عدنان بوزان
سألني أحد الأصدقاء: ماذا استنتجتَ من اندماج «قسد» وحلها ضمن سلطة دمشق الجديدة؟ وهل يكفي لشعب كوردي عريق، يعيش على أرضه التاريخية في سوريا، أن يقال له إن حقه القومي يختزل في التعليم باللغة الكوردية، وعلى نفقته الخاصة؟
سأجيب بصراحة، وربما بقسوة، لأن المرحلة لم تعد تحتمل المجاملات.
رغم سنوات طويلة قضيتها في الحراك السياسي السوري والكوردي، ما زلت عاجزاً عن فهم المنطق الذي تتحرك به الأحزاب الكوردية القاصرة. ليس لأن السياسة علم غامض، بل لأن السياسة، حين تفقد الرؤية والهدف وأدوات الضغط، تتحول إلى إدارة للأزمات بدل صناعة للمستقبل.
في علم السياسة لا توجد شفقة من الخصم، ولا تبنى حقوق الشعوب على حسن النيات. السياسة هي موازين قوى ومصالح وأوراق تفاوض، وقدرة على تحويل القوة الموجودة على الأرض إلى مكاسب سياسية وقانونية ودستورية قابلة للحماية والاستمرار. فليس المهم أن تكون قضيتك عادلة فقط؛ المهم أن تمتلك القدرة على حماية عدالتها وتحويلها إلى واقع.
ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: ماذا حصل الشعب الكوردي في سوريا سياسياً ودستورياً وقانونياً مقابل الأوراق التي كانت تملكها القوى الكوردية؟
إذا كانت النتيجة أن يعترف باللغة الكوردية أو يسمح بتعليمها، ثم يترك الكوردي ليتحمل نفقات تعليم أبنائه بلغته، فهذه ليست معالجة للقضية القومية، بل اختزال لها في حق ثقافي محدود قابل للتراجع. فاللغة حق، والتعليم حق، لكنهما جزء من القضية لا كل القضية.
القضية الأوسع تتعلق بالاعتراف بالشعب الكوردي، وموقعه الدستوري، وحقوقه السياسية والثقافية والإدارية، ومشاركته في إدارة مناطقه، والضمانات القانونية التي تحمي هويته ولغته ووجوده. لا يمكن اختزال شعب كامل في مدرسة، ولا وطن في كتاب، ولا قضية قومية في درس لغة.
وهذا لا يعني أن الحل هو الحرب أو رفض التفاوض. السياسة الناضجة تعرف متى تفاوض، ومتى تتراجع تكتيكياً، ومتى تتمسك بموقفها، ومتى تستخدم القانون والتحالفات وموازين القوى. لكن المشكلة تبدأ عندما يحدث التنازل قبل الحصول على الضمانات، ثم يطلب من الناس اعتباره انتصاراً.
فالانتصار السياسي لا يقاس بالبيانات والمؤتمرات والصور القيادات، بل بسؤال بسيط وقاسٍ: ماذا كنت تملك؟ ماذا أعطيت؟ ماذا أخذت؟ وما الذي ضمنت ألا يسحب منك غداً؟
الشعوب لا تعيش على الوعود؛ تعيش على الحقوق والمؤسسات والضمانات.
لذلك لا أرى أن السؤال الحقيقي هو: هل نحن مع دمشق أم ضدها؟ هذا سؤال سطحي. السؤال الحقيقي هو: ما المشروع الكوردي في سوريا الجديدة؟ هل هو مجرد اعتراف ثقافي؟ أم لا مركزية؟ أم صيغة اتحادية؟ أم إدارة محلية واسعة الصلاحيات؟ وما أدوات تحقيق هذا المشروع؟ ومن يضمنه؟ وما البديل إذا رفض الطرف الآخر؟
هذه هي السياسة.
أما التخلي عن الأوراق أولاً، ثم البحث عن المكاسب لاحقاً، فهو مقامرة بمستقبل شعب. فالفراغ السياسي لا يبقى فارغاً؛ عندما تتخلى عن موقعك سيملؤه غيرك، وعندما تفقد ورقة تفاوضية لن يعيدها لك أحد لمجرد أنك اكتشفت لاحقاً قيمتها. وعندما تفقد القوة التي كنت تمتلكها على الأرض، يصبح الحصول على الاعتراف بالحقوق أكثر صعوبة.
لقد ارتكبت الحركة السياسية الكوردية أخطاء متكررة حين تعاملت مع بعض اللحظات السياسية وكأنها نهاية التاريخ. اتفاق يقدم بوصفه إنجازاً تاريخياً، ثم تمر السنوات فنكتشف أنه لم يتحول إلى نص دستوري ملزم، ولا مؤسسة راسخة، ولا ضمانة حقيقية، بل إلى هدنة مؤقتة تنتظر تغير موازين القوى.
ولهذا يجب أن تكون المحاسبة سياسية لا عاطفية.
والأخطر أن يتحول المشهد إلى مجرد تبديل للمواقع بدل تغيير للمعادلة: تتغير أسماء المؤسسات والقيادات والأطر، بينما يبقى جوهر المشكلة قائماً؛ شعب يطالب بحقوقه، وسلطة مركزية تحتفظ بمفاتيح القرار.
الشعوب ليست مختبراً لتجارب الأحزاب. لا يمكن أن يكون تاريخ شعب كامل خاضعاً لمنطق: نجرب هذا الطريق، فإن فشل نجرب طريقاً آخر. فالقيادات تتغير، والأحزاب تنقسم، والتحالفات تتبدل، لكن الشعب هو الذي يدفع ثمن الأخطاء لعقود.
ولهذا أخشى من شيء أكبر من نجاح اتفاق أو فشله: أخشى ضياع الأوراق قبل تحويلها إلى حقوق.
أنا لا أخشى الرعد والبرق بقدر ما أخشى ما يأتي بعدهما. فعادةً يأتي بعد الرعد والبرق المطر الغزير، وبعد المطر قد تأتي السيول؛ والسيول لا تسأل أحداً عن انتمائه الحزبي قبل أن تجرفه.
وقد تكون المشكلة في النهاية ليست قوة الخصم وحدها، بل عجز القوى الكوردية عن تحويل ما امتلكته من قوة وشرعية وتضحيات إلى مشروع سياسي متماسك.
القضية الكوردية في سوريا لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى عقل سياسي جديد؛ عقل يعرف أن التفاوض ليس استسلاماً، والمقاومة ليست انتحاراً، والتسوية ليست خيانة، والتشدد ليس بطولة، والواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الحقوق.
وتحتاج قبل كل شيء إلى قيادة تعرف الفرق بين التنازل التكتيكي والتنازل الاستراتيجي؛ فالأول قد ينقذ مشروعاً، أما الثاني فقد يدفنه.
وفي النهاية، لن يحكم التاريخ على هذه المرحلة بما قالته القيادات في بياناتها، بل بما بقي للشعب الكوردي بعد أن تهدأ العاصفة:
هل كانت هذه لحظة انتقال من القوة إلى السياسة، وتحويل الأوراق إلى حقوق؟ أم كانت لحظة أخرى ضاعت فيها الأوراق قبل أن تتحول إلى مكاسب تاريخية؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح بلا خوف، وبلا تقديس للأحزاب، وبلا مجاملة للقيادات.
فالأحزاب تتغير، والقيادات ترحل، والتحالفات تتبدل؛ أما الشعوب فتبقى، وهي التي تدفع ثمن أخطاء الجميع.