بقلم: د. عدنان بوزان
من الواضح أن ملفات الخيانة والإخفاق والصفقات التي جرت على حساب الشعب الكوردي في سوريا لن تغلق بجرة قلم، ولن تستطيع قسد وقياداتها دفنها خلف الشعارات والبيانات والخطابات عن «حماية الشعب» و«المكتسبات». فبعد عفرين، وبعد ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية، ودير حافر ومنبج وسد تشرين، يفتح اليوم ملف آخر لا يقل خطورة: ملف محمد الجاسم، المعروف بـ«أبو عمشة».
نتحدث عن قائد فصيل ارتبط اسمه واسم فصيله، وفق تقارير حقوقية، بانتهاكات جسيمة في المناطق الكوردية، من الاعتقال والتعذيب والنهب والاغتصاب والقتل على الهوية والاستيلاء على الممتلكات والتهجير، في سياق واسع من الانتهاكات التي تعرض لها الكورد، ولا سيما في عفرين. والسؤال الذي لا تستطيع قسد الهروب منه هو: كيف يقع شخص بهذا السجل في قبضتها، ثم يفرج عنه؟ بل كيف يتكرر الاعتقال ثم الإفراج؟
هنا لا يعود الأمر تفصيلاً عسكرياً صغيراً يمكن تجاوزه. هنا تبدأ الشبهة السياسية الكبرى. لأن من يحمل السلاح باسم الدفاع عن الشعب الكوردي لا يملك الحق في التعامل مع المتهمين بالانتهاكات بحق هذا الشعب وكأن دماء الضحايا مجرد ورقة قابلة للتفاوض. فإذا كان أبو عمشة عدواً حقيقياً للكورد، وإذا كان فصيله مسؤولاً، بحسب ما وثقته تقارير حقوقية، عن انتهاكات بحق السكان، فلماذا لم يحاسب عندما وقع في يد قسد؟ ولماذا خرج؟ ومن قرر ذلك؟ ولماذا؟ ومقابل ماذا؟
إن اعتقاله ثم الإفراج عنه يفرض على قسد أن تقدم جواباً واضحاً. هل كانت هناك صفقة؟ هل كانت هناك وساطة؟ هل كانت هناك عملية تبادل؟ هل كانت هناك تفاهمات أمنية أو سياسية لم يعرف بها الشعب الكوردي؟ هذه ليست أسئلة عابرة، بل أسئلة تمس جوهر الثقة بين الشعب والجهة التي تزعم أنها تحمل السلاح باسمه.
إلى مصطفى خليل عبدي، المعروف بمظلوم عبدي: لا يمكنك أن تكون قائداً عندما توزع الألقاب والانتصارات، ثم تختفي المسؤولية عندما تفتح ملفات الدم والإخفاق والخيانة. القيادة ليست صوراً مع المسؤولين الدوليين، ولا تصريحات سياسية، ولا شعارات عن حماية شمال وشرق سوريا. القيادة تعني أن تجيب: لماذا اعتقل أبو عمشة؟ ولماذا أُفرج عنه؟ ومن اتخذ القرار؟
إن الكورد تعبوا من أن يكونوا دائماً وقود الصفقات. تعقد الاتفاقات في الغرف المغلقة، ويتبادل المتصارعون المصالح، ثم يدفع الكورد الثمن: الكوردي يهجر، وبيته ينهب، وأرضه تصادر، ومدينته تتغير، وعائلته تشتت، ثم يطلب منه في النهاية أن يصمت باسم «المصلحة العامة».
وهنا تصبح القضية أخطر من أبو عمشة نفسه. القضية هي: هل كانت بعض القيادات التي رفعت شعار الدفاع عن الكورد تدير في الخفاء علاقات وصفقات لمصلحة مشاريع أخرى، بينما كان الشعب الكوردي هو الضحية؟ قولوا الحقيقة ولا تخجلوا من أحد لأن في الأصل لا يوجد الشعب بل هناك قطيع للتصفيق، إن عدم الإجابة عن هذه الأسئلة لا يبرئ أحداً، بل يزيد الشكوك ويجعل الحديث عن الخيانة السياسية أمراً مشروعاً في نظر الرأي العام.
نحن لا نحتاج إلى أصنام جديدة. لا نحتاج إلى قائد فوق السؤال، ولا إلى تنظيم فوق المحاسبة، ولا إلى جهة ترفع العلم الكوردي بيد، ثم تطلب من الكورد أن ينسوا دماءهم باليد الأخرى.
فإذا كانت قسد قد اعتقلت أبو عمشة وأفرجت عنه أكثر من مرة، فمن حق الشعب الكوردي أن يعرف الحقيقة كاملة. وإذا كان هناك اتفاق، فهذه كارثة سياسية وأخلاقية. وإذا لم يكن هناك اتفاق، فعلى قسد أن تشرح للرأي العام لماذا أفلت شخص ارتبط اسمه وفصيله بملفات انتهاكات خطيرة بحق الكورد من العقاب.
التاريخ لن يرحم أحداً، ولن يسأل عن الشعارات، بل سيسأل: من خان عفرين؟ مَن باع دماءهم، ومَن قبض ثمنها في الأشرفية والشيخ مقصود؟ من فشل في حماية الكورد؟ من عقد الصفقات؟ ومن جعل دماء الشعب الكوردي ثمناً للمصالح؟
قسد ليست أكبر من الشعب الكوردي، ومظلوم عبدي ليس أكبر من المحاسبة، وأبو عمشة ليس قضية تنسى بالإفراج والصمت.
لقد بدأ فتح الملفات، وهذه المرة لن يستطيع أحد أن يعتقل السؤال ثم يفرج عنه.
ملاحظة مهمة..
ما ورد هنا ليس سوى غيضٌ من فيضٍ من الملفات القذرة التي ارتبطت بالمتاجرة بدماء الكورد وقضيتهم. وما هذا الملف إلا بداية؛ إذ سنواصل فتح هذه الملفات تباعاً، ونكشف تفاصيلها وخلفياتها ومسؤولياتها كاملةً في المراحل اللاحقة، بعيداً عن التقديس السياسي والتبرير الحزبي، لأن ما جرى بحق الشعب الكوردي لا يمكن أن يدفن بالصمت، ولا أن يمحى بالشعارات.