بقلم: د. عدنان بوزان
كلما عادت القضية الكوردية إلى واجهة الأحداث، عاد معها السؤال الذي لم يجد جواباً حاسماً منذ عقود: لماذا ما زالت قضية بهذا العمق التاريخي والسياسي والاجتماعي تبحث عن طريقها إلى حل عادل ومستقر؟ ولماذا ما زالت بعض السلطات تتعامل معها بعقلية أمنية، أو تحاول اختزالها في مشكلة داخلية يمكن احتواؤها بالقوة، في حين أثبتت الوقائع السياسية والتاريخية أن إنكار وجود القضية لا يؤدي إلى اختفائها، وأن تجاهل الحقوق لا يلغي أصحابها؟
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً ينبغي أن يوجه إلى الكورد أنفسهم أيضاً: هل تكمن المشكلة في رفض بعض السلطات الاعتراف بالحقوق الكوردية فحسب، أم أن جزءاً منها يكمن كذلك في عجز القوى التي تتحدث باسم الكورد عن بناء مشروع سياسي واضح ومستقل وقابل للحياة؟ وهل امتلكت هذه القوى دائماً ما يكفي من الشجاعة والنزاهة والرؤية لتحمل مسؤولية قضية بهذا الحجم؟
القضية الكوردية لم تعد بحاجة إلى مزيد من الخطابات التي تعيد إنتاج الألم، ولا إلى شعارات ترفع في المناسبات ثم تتراجع عند أول اختبار سياسي. إنها بحاجة، قبل كل شيء، إلى إرادة سياسية جريئة تدرك أن إنكار الواقع لا يصنع الاستقرار، وأن التعامل مع المطالب السياسية والاجتماعية للكورد باعتبارها مجرد ملف أمني قد يؤجل المشكلة، لكنه لا يعالج جذورها. كما تحتاج إلى سلطات تمتلك شجاعة الانتقال من منطق إنكار الآخر إلى منطق الاعتراف المتبادل، ومن إدارة الخلاف بالقوة إلى البحث عن تسويات سياسية وقانونية عادلة تحفظ الحقوق وتصون وحدة الدولة، بحيث تكون الوحدة نتيجة للعدالة والشراكة، لا ذريعة لإقصاء مكون من مكوناتها.
فالاعتراف بالحقوق الكوردية لا ينبغي أن يقدم بوصفه منحة من سلطة أو تنازلاً من أكثرية، وإنما بوصفه جزءاً من مبدأ المساواة في المواطنة وعدم التمييز وحماية الهوية والحقوق الثقافية واللغوية والسياسية، ضمن الأطر الدستورية والقانونية المعمول بها في كل دولة. وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن الحقوق الكوردية لا يعني افتراض نموذج سياسي واحد يصلح لجميع الدول والمجتمعات التي يعيش فيها الكورد. فطبيعة الحل تختلف باختلاف النظام الدستوري، والتاريخ السياسي، والبنية الاجتماعية، والواقع الجغرافي، وموازين القوى في كل دولة. وقد تتخذ الحلول أشكالاً متعددة، تبدأ من ضمان المساواة وعدم التمييز والحقوق الثقافية واللغوية، وقد تمتد إلى أشكال مختلفة من اللامركزية وتقاسم السلطة والحكم الذاتي، بحسب خصوصية كل حالة وإرادة أطرافها.
غير أن الحديث عن الطرف الآخر وحده لا يكفي. ثمة مسؤولية تقع على الكورد أنفسهم، وعلى القوى السياسية التي تدعي تمثيلهم، وهي مسؤولية لا يجوز الهروب منها تحت أي ذريعة. القضية لا تحتاج فقط إلى من يتحدث باسمها، بل إلى من يكون مستعداً لتحمل مسؤوليتها. فقد تتعدد الأحزاب والتنظيمات والقيادات، لكن تعدد الأسماء لا يعني بالضرورة وجود مشروع سياسي متماسك. وفي أحيان كثيرة، تصبح الحسابات الحزبية والمصالح الشخصية والولاءات الضيقة أقوى من المصلحة العامة، فتتحول القضية من مشروع للدفاع عن الحقوق والكرامة والوجود السياسي إلى وسيلة للنفوذ وتثبيت المصالح.
وهنا تكمن واحدة من أخطر مشكلات العمل السياسي الكوردي: عندما يتحول بعض السياسيين من خدم للقضية إلى مستفيدين منها. فالفساد لا يصبح أقل خطراً عندما يمارس باسم القضية، والتبعية لا تصبح وطنية عندما تغطى بالشعارات القومية، والخضوع لا يتحول إلى حكمة سياسية لمجرد تسميته واقعية. إن القضية الوطنية التي تستخدم للوصول إلى المال أو السلطة أو الامتيازات تفقد جزءاً من قوتها الأخلاقية والسياسية، والسياسي الذي يجعل مصلحته الشخصية معياراً لمواقفه يفقد، مع مرور الوقت، أهليته الأخلاقية والسياسية للحديث باسم الناس.
لكن الواقعية السياسية نفسها لا ينبغي أن تفهم على أنها استسلام أو تخل عن الحقوق. فالواقعية تعني أن تعرف القوى السياسية حقيقة موازين القوى، وأن تحدد أهدافها بوعي، وأن تبني تحالفاتها على أساس المصالح الواضحة، وأن تعرف متى تتفاوض ومتى ترفض، وأن تحول الإمكانات المحدودة إلى أوراق سياسية، بدلاً من تبديدها في الصراعات الداخلية أو الارتهان للرهانات الخارجية. فالسياسة الناجحة ليست في رفع سقف المطالب إلى أقصى حد، ولا في خفضه إلى مستوى التخلي عن الحقوق، وإنما في امتلاك القدرة على تحويل المطالب المشروعة إلى نتائج سياسية ودستورية ومؤسساتية قابلة للحماية والاستمرار.
ولهذا تحتاج القضية الكوردية إلى أصحاب قضية حقيقيين، لا إلى أصحاب مصالح يرتدون ثوب القضية. تحتاج إلى نخب سياسية تمتلك النزاهة قبل النفوذ، والرؤية قبل الخطاب، والاستقلالية في القرار قبل كثرة الحلفاء، وتدرك أن بناء العلاقات مع الآخرين لا يعني الارتهان لهم. فالتحالفات السياسية ضرورة في عالم المصالح، لكنها تتحول إلى خطر عندما تصبح بديلاً عن القرار المستقل، أو عندما تتحول القضية إلى ورقة في صراعات لا تخدم مصالح الشعب الكوردي.
وفي المقابل، فإن تجاوز ذهنية إنكار الآخر لا يعني مطالبة الكورد بالتخلي عن هويتهم أو حقوقهم، كما أن المطالبة بالحقوق الكوردية لا ينبغي أن تعني إلغاء حقوق بقية المكونات. هذه هي القاعدة التي ينبغي أن تنطلق منها أي مقاربة سياسية جادة: لا يمكن بناء استقرار دائم على إنكار أحد الطرفين لوجود الآخر أو حقوقه. فالدولة الحديثة لا تبنى على فكرة أن مكوناً واحداً يمتلك الحق الحصري في تعريف الوطن، بينما يطلب من الآخرين الاكتفاء بالصمت أو القبول بدور ثانوي.
وفي هذا السياق، فإن الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي واللغوي لا يهدد الدولة بالضرورة، بل يمكن أن يكون أحد شروط استقرارها عندما يترجم إلى مواطنة متساوية، ومؤسسات عادلة، وضمانات دستورية وقانونية واضحة. أما تحويل الاختلاف إلى تهديد دائم، واستخدام الأدوات الأمنية لإدارة كل مطالبة سياسية أو ثقافية، فيؤدي في النهاية إلى إنتاج مزيد من عدم الثقة، ويجعل الدولة أسيرة الخوف من مواطنيها بدلاً من أن تكون إطاراً مشتركاً لحمايتهم وتنظيم اختلافاتهم.
لقد أثبت التاريخ أن امتلاك الحق وحده لا يكفي لتحقيقه. فالشعوب قد تمتلك قضية عادلة، لكنها تخسر فرصاً تاريخية بسبب الانقسام، وضعف التنظيم، وسوء إدارة الصراع، وغياب الرؤية الاستراتيجية، أو بسبب قيادات تجعل من الخلاف الداخلي وسيلة لإقصاء بعضها بعضاً. ولذلك فإن النقد الذاتي ليس طعناً في القضية الكوردية، بل هو أحد شروط حمايتها. والكوردي الذي ينتقد فساد بعض ممثلي قضيته أو خضوعهم لا ينتقد حقوق شعبه، وإنما يرفض أن تتحول هذه الحقوق إلى غطاء لممارسات تضر بها وتسيء إلى صورتها ومشروعها.
القضية الكوردية اليوم بحاجة إلى طرفين يمتلكان الشجاعة: سلطة تتجاوز عقلية الإنكار، وقوى كوردية تتجاوز عقلية الاتجار بالقضية. السلطة مطالبة بأن تدرك أن معالجة المسألة الكوردية لا تكون بإلغاء الهوية أو تضييق المجال السياسي، والقوى الكوردية مطالبة في المقابل بأن تدرك أن الدفاع عن الحقوق لا يمنح أي قيادة حصانة من النقد أو المساءلة أو المحاسبة.
فالحقوق لا تحمى بالفساد، ولا تبنى بالتبعية، ولا تتحول إلى واقع سياسي بمجرد رفع الشعارات. الحقوق تحتاج إلى مؤسسات، وتمثيل سياسي مسؤول، واستراتيجية طويلة الأمد، وقيادات مستقلة القرار، ومجتمع قادر على مساءلة من يتحدث باسمه. كما تحتاج إلى سلطة تفهم أن الاستقرار الحقيقي لا ينتج من إسكات المطالب، بل من معالجة أسبابها السياسية والاجتماعية والقانونية، ضمن إطار يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، ويصون السلم الأهلي، ويمنح جميع المكونات شعوراً حقيقياً بالشراكة والانتماء.
وربما تكون البداية الحقيقية للحل عندما يتوقف الجميع عن طرح السؤال: من سينتصر على الآخر؟ ويبدأون بطرح سؤال أكثر عقلانية وأبعد نظراً .. كيف يمكن بناء دولة لا يحتاج فيها أحد إلى إنكار الآخر كي يثبت وجوده، ولا يحتاج فيها أحد إلى التخلي عن هويته كي يحصل على حقوقه؟
عندها فقط يمكن أن تنتقل القضية الكوردية من دائرة الصراع المفتوح إلى أفق الحل السياسي، ومن مجرد ذاكرة للمظالم إلى مشروع للحقوق والمؤسسات والضمانات. فالقضايا التاريخية لا تحل بالأمنيات ولا بالشعارات، وإنما عندما تلتقي شجاعة السلطة مع نزاهة أصحاب القضية، والإرادة السياسية مع القانون، والاعتراف بالآخر مع المساواة، والواقعية السياسية مع التمسك بالحقوق.
هذه هي المعادلة التي تستحقها القضية الكوردية: سلطة لا تخاف من الاعتراف، وقيادة كوردية لا تساوم على كرامة شعبها، وسياسة لا تجعل من القضية سلعة، وقانون يحول الاعتراف من خطاب سياسي عابر إلى حقوق وضمانات قابلة للحماية والاستمرار.