بقلم: د. عدنان بوزان
"بدايةً، أعتذر من بعض المثقفين وأصحاب الكلمة الحرة الذين قد يكونون قد وجدوا أنفسهم، ظلماً، ضمن وصف «معشر الحمير»؛ فالمقصود ليس أصحاب الفكر والكلمة الحرة، وإنما أولئك الذين اختاروا الجهل والتفاهة طريقاً."
أحياناً أسأل نفسي، بعد كل هذه السنوات من النضال ومقاومة الجهل من خلال كتاباتي: ماذا استفدت من العلم؟ ماذا أفادتني الثقافة؟ ماذا فعلت بي الكتب التي عشت بينها، والقوانين التي درستها، والفلسفة التي أرهقت عقلي، والتاريخ الذي فتشت في طبقاته، والأدب الذي منحته من عمري أكثر مما منحته لنفسي؟
كنت رجل قانون، ومؤسس حزب سياسي، ومعتقلاً سياسياً في عهد الأبوين الأسد المجرمين؛ عشت السياسة من داخلها، ودفعت ثمن مواقفي سجناً وألماً وتعذيباً وتهديداً ومطاردة ومنفي عن وطني. كنت يساري الفكر، قوميّ العمق، وولدت في عائلة كان للثقافة والسياسة فيها حضورها، وكأنني جئت إلى الدنيا وبين يدي كتاب، وفي رأسي سؤال، وفي قلبي قضية.
ثم ماذا؟
أنا صاحب أكثر من مائة مؤلف ، من القانون إلى الفلسفة، ومن التاريخ إلى الأدب والشعر والقصة والرواية. وأنا صاحب مئات الدراسات والأبحاث، وآلاف المقالات والنصوص. قضيت عمراً كاملاً أقرأ وأكتب وأبحث وأفكر، لا لأجمع الألقاب أو المال أو الثراء، ولا لأملأ رفوفاً بالكتب، بل لأنني كنت أؤمن بأن المعرفة تستطيع أن ترفع الإنسان فوق جهله، وأن الكتاب يمكن أن يكون أكثر قيمة من المال، وأن الفكرة يمكن أن تعيش أطول من صاحبها.
لكنني اليوم، وأنا أنظر حولي، أجد نفسي أمام سؤال أكثر قسوة من كل الأسئلة التي كتبت عنها:
ما قيمة كل هذا العلم إذا كان المجتمع الذي أعيش فيه لا يميز بين الكتاب والتفاهة، ولا بين الفكر والجهل، ولا بين صاحب المعرفة وصاحب الصراخ؟ ماذا أفعل بمئة كتاب في بيئة لا تقرأ كتاباً؟ وماذا أفعل بمئات الدراسات في مجتمع قد يستهلك مئات الساعات في الكلام عن أجساد النساء، ثم لا يمنح دقيقة واحدة لفكرة أو معرفة أو سؤال؟
أي لعنة هذه التي تجعل الإنسان يقضي عمره في البحث عن معنى، ثم يجد نفسه محاطاً بمن لا يرى في الحياة إلا سطحها؟
لقد تعلمت القانون، فوجدت من لا يعرف معنى العدالة. ودرست السياسة، فوجدت من لا يعرف الفرق بين الموقف والمصلحة. وقرأت الفلسفة، فوجدت من يخاف من السؤال. وكتبت التاريخ، فوجدت من لا يعرف أن الأمم التي تنسى تاريخها تعيد أخطاءها. وكتبت الأدب والشعر، فوجدت من يقيس قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يعرف، وبما يثيره من ضجيج، لا بما ينتجه من فكر.
فهل كان العلم خطأ؟
هل كانت الكتب خطأ؟
هل كان كل هذا العمر الذي أنفقته في المعرفة مجرد وهم طويل؟
ربما ليست المشكلة في العلم، بل في المكان الذي وضع فيه العلم. فالمعرفة لا تستطيع أن تفعل شيئاً في رأس أغلق بابه، والكتاب لا يستطيع أن يوقظ من قرر أن يعيش نائماً، والفكرة لا تجد طريقها إلى عقل جعل من الجهل عقيدة، ومن التفاهة ثقافة.
لهذا، نعم، في لحظات الغضب أشعر بأنني أريد أن ألعن كل هذا العلم، وكل هذه الكتب، وكل هذه السنوات التي قضيتها في القراءة والبحث والكتابة. أشعر أنني أريد أن أقول: اللعنة على المعرفة إذا كان ثمنها أن تعرف أكثر مما ينبغي في عالم لا يريد أن يعرف شيئاً.
لكنني أعرف، في أعماقي، أنني لا ألعن العلم حقاً. بل أنا ألعن زمناً لا يعرف قيمة العلم. وألعن بيئة تجعل الجاهل أكثر حضوراً من العارف، والصاخب أكثر شهرة من الكاتب، والتافه أكثر تأثيراً من صاحب الفكرة. وألعن أولئك الذين جعلوا من الجهل معياراً، ومن التفاهة بطولة، ومن العقل تهمة.
أما العلم، فسأتركه حيث كان دائماً: شاهداً عليّ، وشاهداً على هذا الزمن.
فربما لا يكون السؤال في النهاية: ماذا استفدت أنا من كل هذا العلم؟
بل: ماذا سيبقى من كل هؤلاء الذين لم يفهموا العلم، حين يذهب الضجيج كله، ويبقى الكتاب وحده؟
حينها فقط قد يعرف البعض أن الحمير تستطيع أن تعيش بلا كتب، لكن الكتب هي التي تشهد، بعد رحيل الجميع، من كان إنساناً، ومن اختار أن يعيش حماراً.