بقلم: د. عدنان بوزان
لم يسقط السوريون نظام بشار الأسد كي يستبدلوا استبداده باستبداد جديد، أو كي تنتقل البلاد من حكم البعث إلى سلطة جهادية و إلى فوضى الجماعات المسلحة والتطرف الديني والصراعات القومية. لقد قامت الثورة السورية من أجل الحرية والكرامة والعدالة، لكن سقوط النظام السابق لم ينهِ المأساة، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة تتكشف فيها أزمة السلطة الجديدة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، وعجزها عن بناء دولة تحمي جميع السوريين، وتضع حداً لفوضى السلاح والولاءات الإقليمية. فالدولة لا تبنى بالشعارات الدينية، ولا تحكم بعقلية الغلبة، ولا بالعنصرية، ولا تفرض وحدتها على الشعوب بالقوة؛ بل تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام التعدد القومي والثقافي والسياسي. وإذا كانت دمشق عاجزة عن تحقيق هذه المبادئ، فإنها لا تؤسس للاستقرار، بل تدفع البلاد نحو أزمة أعمق قد تتحول إلى انهيار سياسي وأمني شامل.
إن ما يجري في سوريا لم يعد قابلاً للتبرير بحجة الفوضى الموروثة عن النظام السابق، ولا بإلقاء المسؤولية دائماً على المؤامرات الخارجية. فالسلطة التي تتولى الحكم تتحمل مسؤولية مباشرة عن حماية المدنيين، وضبط الجماعات المسلحة، ومنع التحريض القومي، ومحاسبة كل من يرتكب الانتهاكات، سواء أكان تابعاً لها أم متحالفاً معها. أما أن تترك البلاد رهينة السلاح، وأن تتحول الخلافات السياسية والقومية إلى مواجهات دامية، وأن يستخدم اسم العشائر العربية غطاءً لتحركات مسلحة وفوضى تهدد السكان، فذلك لا يمثل دفاعاً عن العشائر ولا عن العرب، بل إساءة إليهم وتوظيفاً لهوياتهم في صراعات السلطة والنفوذ. فالعشائر العربية ليست ميليشيات، والعرب ليسوا خصوماً للكورد، ولا يجوز اختطاف أسماء المكونات السورية وتحويلها إلى أدوات للتحريض والاقتتال. ومن يرفع راية العشيرة لتبرير الاعتداء على المدنيين أو تهديد السكان أو الاستيلاء على ممتلكاتهم، أو احراق ممتلكاتهم، لا يدافع عن كرامة العشيرة، بل يسيء إليها ويضعها في مواجهة شركاء الوطن.
وتبرز مدينة كري سبي (تل أبيض) مثالاً خطيراً على المخاوف المتعلقة بمستقبل الوجود الكوردي في سوريا. فالمسألة ليست مجرد اضطراب أمني عابر، ولا خلاف محلي يمكن اختزاله في احتقان بين مجموعات سكانية؛ إنها قضية تتصل بأمن السكان الأصليين، وحقهم في أرضهم، وعودة المهجرين، وحماية ممتلكاتهم وهويتهم من أي تغيير قسري. وأمام هذه الوقائع والمخاوف، يحق للسوريين أن يسألوا السلطة في دمشق عن مسؤوليتها، وعن موقفها من الجماعات المسلحة التي تنشر الفوضى، وعن حقيقة قدرتها على منع استغلال النزاعات العشائرية لتصفية الحسابات السياسية واستهداف الكورد. وإذا كانت الحكومة جادة في بناء الاستقرار، فعليها أن تتخذ إجراءات قانونية واضحة لحماية السكان الأصليين، والتحقيق في عمليات الاستيطان والتغيير الديموغرافي التي شهدتها المدينة منذ عام 1970، ومراجعة حالات الاستيلاء على الأراضي والمنازل والممتلكات، وإعادة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين، وضمان عودة المهجرين عودة آمنة وطوعية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في التهجير أو الاستيلاء أو الاعتداء. أما إصدار مرسوم رئاسي لمعالجة هذه القضية، فينبغي أن يكون مرسوماً يعيد الحقوق وفق القانون والأدلة، لا قراراً بالترحيل الجماعي على أساس الهوية أو الأصل؛ فالمطلوب إنهاء الظلم والتغيير الديموغرافي، لا إنتاج ظلم جديد بحق مدنيين لا تثبت مسؤوليتهم عن تلك السياسات. إن استعادة الحقوق لا تتحقق بخلق ضحايا جدد، بل بإزالة آثار الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وإعادة الاعتبار إلى السكان الذين حرموا من بيوتهم وأراضيهم.
أما الدور التركي، فلا يمكن تجاهله عند تحليل ما يجري في الشمال السوري. فمن حق أي دولة أن تبحث عن أمنها، لكن ليس من حقها أن تجعل مخاوفها الأمنية ذريعة للتدخل المفتوح في شؤون جيرانها، أو أن يتحول نفوذها العسكري والسياسي إلى عامل يهدد الوجود الكوردي وحقوق السكان. وإذا كانت دمشق تريد إثبات استقلال قرارها الوطني، فعليها أن تبرهن أن مستقبل سوريا لا يصاغ وفق مصالح أنقرة، وأن أراضي السوريين وحقوقهم ليست أوراقاً في صفقات إقليمية. كما أن أي دعم خارجي لجماعات مسلحة ترتكب انتهاكات ينبغي أن يخضع للتحقيق والمساءلة استناداً إلى الأدلة، بدلاً من ترك المدنيين يدفعون ثمن التفاهمات السياسية والعسكرية.
إن استحضار مأساة الأرمن هنا ليس دعوة إلى العداء بين الشعوب، بل تحذير من خطورة الصمت حين تتعرض جماعة قومية للتهديد أو التهجير أو التحريض. فالتاريخ يعلمنا أن الكوارث الكبرى لا تبدأ دائماً بإعلان صريح عن نية الإبادة، بل قد تسبقها شيطنة جماعة، وإنكار حقوقها، وتطبيع الاعتداء عليها، ثم تركها وحيدة أمام القوة. ولا يجوز التساهل مع أي مؤشرات على استهداف الكورد بسبب هويتهم القومية، كما لا يجوز إصدار أحكام نهائية على طبيعة الأحداث قبل توثيقها والتحقيق فيها. المطلوب واضح: حماية المدنيين، ووقف التحريض، ومنع التهجير القسري، والتحقيق المستقل في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها.
أما غدر الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، وسائر القوى الدولية، فقد آن الأوان لأن تتوقف عن التعامل مع سوريا باعتبارها رقعة شطرنج تحرك عليها الشعوب وفق مصالح الدول. لقد قاتلت القوات الكوردية تنظيم داعش وقدمت تضحيات كبيرة في تلك المواجهة، وليس من المقبول أخلاقياً أن تترك المجتمعات التي تحملت عبء الحرب أمام مخاطر جديدة كلما تغيرت الحسابات الدولية. لكن حقوق الكورد ليست منحة أمريكية، ولا تتوقف على إرادة ترامب أو غيره؛ إنها حقوق أصيلة لا تسقط بتبدل التحالفات. وعلى المجتمع الدولي أن يمارس ضغطاً جدياً لحماية المدنيين، وأن يدعم التحقيق المستقل في الانتهاكات، وألا يسمح بازدواجية المعايير التي تدين الجرائم عندما يرتكبها الخصوم وتتجاهلها عندما يرتكبها الحلفاء.
إن السلطة الجديدة في دمشق أمام اختبار لا يمكنها الهروب منه: إما أن تثبت أنها سلطة دولة، فتضع جميع الجماعات المسلحة تحت القانون، وتحمي العرب والكورد وسائر المكونات السورية، وتضمن الحقوق والحريات، وتفتح الباب أمام شراكة وطنية حقيقية؛ وإما أن تستمر في إدارة البلاد بمنطق الغلبة، فتتسع الفوضى وتتآكل شرعيتها وتدفع سوريا نحو مواجهة جديدة. إن أخطر ما يهدد دمشق ليس مطالبة الكورد بحقوقهم، ولا رفض السوريين للاستبداد، بل عجزها عن بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون أمام القانون، وأن أمنهم لا يتوقف على رضا الحاكم أو حماية جماعة مسلحة.
لقد سقط نظام الأسد، لكن سقوط الاستبداد لا يكتمل بتغيير الحاكم وحده. وإذا كانت السلطة الجديدة تعتقد أن بإمكانها إخضاع السوريين باسم الدين أو الوحدة أو الأمن، فإنها لم تتعلم شيئاً من تاريخ البلاد. فسوريا ليست ملكاً لدمشق، ولا للكورد ضيوفاً في وطنهم، ولا للعرب حق احتكار الدولة، ولا لأي جماعة أن تجعل سلاحها أعلى من القانون. إن الوطن الذي يبنى على الإقصاء لا يستقر، والوحدة التي تفرض بالقوة لا تدوم، والسلطة التي تتسامح مع الفوضى أو تعجز عن وقفها تصبح جزءاً من المشكلة، لا حلاً لها.
إن دمشق اليوم أمام خيار تاريخي: أن تبني دولة لجميع السوريين، أو أن تواصل السير في طريق الفوضى والانقسام. وإذا كانت جادة في استقرار الوطن، فعليها أن تبدأ بحماية السكان الأصليين في كري سبي، واستعادة الحقوق والممتلكات، وإنهاء التهجير القسري، ومحاسبة المرتزقة وكل من يهدد المدنيين، ووقف توظيف العشائر والقوميات في صراعات السلطة. أما استمرار هذا النهج، فلن يصنع دولة قوية، بل سيعمق أزمة الشرعية ويدفع البلاد نحو انهيار قد يدفع ثمنه السوريون جميعاً.