بقلم: د. عدنان بوزان
في قراءةٍ سياسيةٍ تحليليةٍ لاتفاقية التفاهم المعلنة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وسلطة دمشق المؤقتة، يمكن القول إن هذه الاتفاقية لم تثمر نتائج ملموسة منذ لحظة الإعلان عنها، لا على مستوى المضمون ولا على مستوى المالات. فهي ولدت مثقلة بالغموض والالتباس، ومحصورة بسياق ضاغط يجعلها أقرب إلى تفاهمٍ اضطراري مؤقت منها إلى اتفاقٍ سياسي مستقر وقابل للحياة.
أبرز ما يطبع هذه الاتفاقية هو اللغَط الواضح في بنودها، إذ صيغت النقاط بلغة عامة وفضفاضة، تفتقر إلى التحديد والدقة، ولا تتضمن آليات تنفيذ واضحة أو ضمانات قانونية وسياسية ملزمة. هذا الغموض فتح الباب أمام تفسيرات متناقضة من الطرفين، وأفقد الاتفاقية مضمونها العملي، وحولها إلى وثيقة قابلة للاستخدام السياسي أكثر من كونها إطاراً حقيقياً للحل.
سياسياً، جاءت الاتفاقية نتيجة ضغوط عسكرية متزايدة، ومحاولات مكشوفة لاحتواء الوضع الميداني لا لمعالجة جذور الأزمة. سلطة دمشق المؤقتة لا تزال تتعامل مع قسد بوصفها ملفاً أمنياً قابلاً للتصفية عند تبدل موازين القوى، لا كشريك سياسي يمتلك شرعية تمثيل شريحة واسعة من السوريين. ومن هنا، فإن الاتفاق لا يعكس إرادة متبادلة بقدر ما يعكس ميزان قوى مختلاً.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور الولايات المتحدة الأمريكية، التي يفترض أنها الحليف الأساسي للكورد. غير أن سلوكها السياسي في المرحلة الأخيرة يوحي بمحاولة الانسحاب التدريجي من الالتزامات تجاه حلفائها الكورد، ودفعهم نحو تفاهمات غير متكافئة مع دمشق، في إطار إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية. وعليه، يمكن قراءة هذه الاتفاقية كأحد مخرجات الضغط الأمريكي، لا كضمانة لحماية الكورد أو مكتسباتهم السياسية والعسكرية.
الأخطر في هذه الاتفاقية هو غياب أي ضمانات حقيقية لحماية الكورد السوريين. فالتجربة التاريخية مع سلطة دمشق، بما تحمله من سياسات إنكار وقمع وإقصاء، لا تسمح بالاطمئنان إلى وعود عامة غير مؤطرة دستورياً وقانونياً. بل إن المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن الاتفاق قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، تصل حد المجازر أو حملات القمع الواسعة، تحت ذرائع “بسط السيادة” و“استعادة سلطة الدولة”.
من هذا المنطلق، يمكن الجزم بأن هذه الاتفاقية، بصيغتها الراهنة، لن تصل إلى نتيجة مرضية للطرفين، وبالأخص للطرف الكوردي. فهي لا تعترف بالحقوق القومية والسياسية للكورد، ولا تؤسس لشراكة حقيقية في مستقبل سوريا، بل تبقي الكورد في موقع الطرف القابل للتضحية به عند أول صفقة إقليمية أو دولية.
إن الخطر لا يكمن فقط في فشل الاتفاقية، بل في ما قد يعقب هذا الفشل من انكشاف سياسي وعسكري، يضع الكورد السوريين أمام احتمالات دامية في ظل صمت دولي وتواطؤ إقليمي. لذلك، فإن التحذير من مجازر محتملة ليس خطاباً عاطفياً، بل قراءة واقعية لمسار سياسي هش، قائم على الإكراه لا على العدالة.
خلاصة القول، إن أي اتفاقٍ لا يقوم على الاعتراف الصريح بالحقوق، ولا يستند إلى ضمانات دستورية واضحة، ولا ينبثق عن إرادة سياسية متكافئة، سيبقى اتفاقاً مؤقتاً وعرضة للانهيار. وما لم يعاد تعريف العلاقة بين الكورد والدولة السورية على أساس الشراكة والديمقراطية والتعددية، فإن مثل هذه الاتفاقيات لن تكون سوى محطات عابرة في طريق أزمة أعمق، قد يدفع ثمنها الكورد السوريون وجوداً ودماً.