بقلم: د. عدنان بوزان
من أكثر الأسئلة حضوراً في الوعي الكوردي سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل في أعماقه قدراً هائلاً من الألم والتأمل: لماذا حصلت معظم شعوب العالم على دولها القومية، أو على أشكالٍ من الأقاليم أو الإدارات الذاتية التي تحفظ وجودها وهويتها، بينما ما يزال الكورد، رغم تعدادهم الكبير ووجودهم التاريخي على أرضهم، يعيشون حالةً من التشتت والانقسام وعدم الاستقرار السياسي؟
ليس المقصود من هذا السؤال البحث عن متهمٍ جاهز أو اختزال القضية بعاملٍ واحد، فالقضية الكوردية تعرضت عبر تاريخها الطويل لجملةٍ من العوامل الإقليمية والدولية المعقدة، كما اصطدمت بحروبٍ واتفاقياتٍ ومصالحَ سياسية حالت دون قيام دولة كوردستان. ومع ذلك، يبقى من الضروري أن يمتلك الكورد الشجاعة الكافية لمراجعة أخطائهم الداخلية، لأن الشعوب التي لا تمارس النقد الذاتي تبقى أسيرة أخطائها مهما كانت مظلوميتها كبيرة.
فالشعوب لا تتقدم بالاعتماد على العاطفة وحدها، ولا تبني مستقبلها بالحنين إلى الماضي فقط، بل تنتقل من الروابط التقليدية الضيقة إلى فضاء المواطنة والمؤسسات والقانون والفكر السياسي. وهنا يبرز السؤال المؤلم: هل يسير المجتمع الكوردي اليوم فعلاً نحو المدنية الحديثة، أم أنه يشهد في بعض جوانبه عودةً متزايدة إلى العصبيات القبلية والعشائرية التي تجاوزتها أممٌ كثيرة؟
إن ما يثير القلق ليس وجود العشيرة بحد ذاتها، فهي جزء من البنية الاجتماعية والتاريخية لكثير من المجتمعات، وإنما تحويلها إلى مرجعية سياسية وثقافية تتقدم على الكفاءة والعلم والمؤسسات. فعندما يصبح الانتماء العشائري أقوى من الانتماء الوطني، وعندما تقاس المواقف بالأسماء والولاءات الشخصية بدلاً من البرامج والأفكار، يبدأ المجتمع بالتراجع مهما امتلك من التضحيات والإمكانات.
لقد قدم الكورد خلال العقود الماضية تضحياتٍ جسيمة، ودفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن وجودهم وحقوقهم. لكن التضحيات، مهما عظمت، لا تصنع المستقبل ما لم تترجم إلى مشروعٍ سياسي حديث وإلى مؤسساتٍ قادرة على إدارة المجتمع وفق معايير الكفاءة والقانون. فالتاريخ لا يكافئ الضحايا تلقائياً، بل يكافئ الشعوب القادرة على تنظيم نفسها وبناء مؤسساتها وإنتاج نخبها الفكرية والسياسية.
ومن المفارقات أن كثيراً من المجتمعات التي كانت توصَف بالتقليدية بدأت تسعى إلى تعزيز دور الدولة والمؤسسات والتعليم والبحث العلمي، بينما ما تزال بعض الأوساط الكوردية تنظر إلى العصبية العشائرية بوصفها مصدر قوةٍ أو فخرٍ سياسي، وكأن العودة إلى أنماط الانتماء التقليدية يمكن أن تكون بديلاً عن بناء مجتمعٍ مدني حديث.
إن الخطر الحقيقي على القضية الكوردية لا يكمن فقط في سياسات الدول المحيطة أو في التوازنات الدولية، بل يكمن أيضاً في استمرار ثقافة الانقسام والتبعية الشخصية وتقديس الزعامات والعشائر على حساب الفكر والمؤسسات. فالأمم لا تبنى بالولاءات الضيقة، وإنما تبنى بالمواطنة والوعي والتنظيم والقانون.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الكورد على أنفسهم ليس فقط: لماذا لم نحصل على دولتنا؟ بل أيضاً: هل أنجزنا التحول الفكري والاجتماعي اللازم لبناء دولة حديثة عندما تتاح الفرصة؟ وهل نجحنا في الانتقال من منطق القبيلة إلى منطق المجتمع المدني، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للمؤسسات؟
إن ما يثير القلق اليوم ليس مجرد التعثر في مسار الانتقال إلى المدنية الحديثة، بل ظهور مؤشراتٍ تدل على تراجعٍ نحو أنماطٍ من التفكير والسلوك السياسي تقوم على العصبية والانفعال أكثر مما تقوم على العقل والنقد والبرامج. فبدلاً من أن يكون القانون والمواطنة والمصلحة العامة هي المرجعية العليا، تعود في الولاءات الحزبية والعشائرية والشخصية لتحتل موقع الصدارة في تشكيل المواقف والقرارات.
وإذا استمر هذا المسار، فإن المشكلة لن تكون مجرد تأخرٍ في بناء الدولة، بل تراجعاً في طبيعة الوعي السياسي والاجتماعي نفسه. فالمجتمع الذي يستبدل العقل بالعصبية، والفكرة بالشعار، والنقد بالتقديس، لا يعود إلى الماضي فحسب، بل يقترب من حالةٍ يصبح فيها الانفعال أقوى من التفكير، والولاء أقوى من الحقيقة، والغريزة أقوى من العقل. وعندها تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية، وتصبح السياسة ساحةً لتصفية الخصومات والولاءات، لا ميداناً للتنافس بين المشاريع والرؤى.
إن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: لماذا لم يمتلك الكورد دولتهم حتى الآن؟ بل أصبح: كيف يمكن لشعبٍ أن يبني دولةً حديثة وهو عاجز عن استكمال تحوله من البنى التقليدية إلى البنى المدنية، ومن سلطة الأشخاص إلى سلطة المؤسسات، ومن منطق العصبية إلى منطق المواطنة؟
إن نهضة الشعوب لا تتحقق بالتمسك بأوهام الماضي، ولا بالعودة إلى الانقسامات الأولية، بل ببناء الإنسان الحر، وتعزيز ثقافة النقد، وترسيخ قيم المعرفة والعقل والقانون. فالدولة ليست مجرد حدودٍ وعَلَم، بل هي قبل كل شيء نتاجُ وعيٍ مدني ومؤسساتٍ قوية ومجتمعٍ قادر على إدارة اختلافاته بعقلانية. ومن دون ذلك، يبقى حلم الدولة مؤجلاً، مهما عظمت التضحيات وكبرت التطلعات.