بقلم: د. عدنان بوزان
يمثل الانقسام الكوردي أحد أكثر الإشكاليات السياسية تعقيداً داخل التجربة السياسية الكوردية المعاصرة، ليس فقط لأنه انقسام تنظيمي أو حزبي، بل لأنه انعكاس لبنية تاريخية وسياسية واجتماعية متراكمة، تشكلت عبر عقود طويلة من التفاعل مع الدولة المركزية، ومع التحولات الإقليمية، ومع طبيعة الصراعات التي شهدتها المنطقة. ولا يمكن فهم هذا الانقسام بوصفه خلافاً عابراً بين قوى سياسية، بل باعتباره حالة تعكس تعدد المرجعيات السياسية وتباين الرؤى حول مفهوم الدولة والمشروع الوطني والهوية السياسية نفسها.
لقد ساهمت الظروف التاريخية التي مر بها الكورد في ترسيخ هذا التعدد في المراكز السياسية، إذ لم تتشكل في أي مرحلة دولة كوردية موحدة أو إطار سياسي جامع قادر على احتواء مختلف التوجهات ضمن مشروع واحد. وبدلاً من ذلك، نشأت حركات وأحزاب في سياقات مختلفة، لكل منها تجربته الخاصة وتحالفاته الإقليمية والدولية، ما أدى إلى تشكل مشهد سياسي متشظٍ إلى حد كبير، تتقاطع فيه الاعتبارات الأيديولوجية مع الحسابات الجغرافية والمصالح السياسية.
ومع مرور الزمن، لم يعد الانقسام مجرد اختلاف في الرؤية السياسية، بل تحول في كثير من الأحيان إلى بنية سياسية قائمة بذاتها، حيث أصبح لكل طرف أدواته الإدارية والأمنية والاقتصادية، ومجاله الجغرافي الذي يتحرك فيه. هذا الواقع جعل من الصعب بناء مركز سياسي موحد قادر على تمثيل الكورد بوصفهم جماعة سياسية واحدة ذات مشروع جامع، إذ إن كل طرف بات يرى نفسه ممثلاً لشرعية معينة تستند إلى تجربة أو إنجاز أو واقع ميداني محدد.
وفي ظل هذا التعدد، يبرز التحدي الأكبر في صياغة مشروع وطني كوردي جامع، قادر على تجاوز منطق الاصطفاف الحزبي الضيق نحو رؤية سياسية أوسع تتعامل مع القضية الكوردية بوصفها مشروعاً مجتمعياً لا مجرد تنافس على السلطة. فالمشروع الوطني، في جوهره، لا يقوم على إلغاء الاختلافات أو تجاهلها، بل على تنظيمها ضمن إطار مؤسساتي يتيح التعدد داخل وحدة سياسية مرنة وقادرة على الاستمرار.
غير أن بناء هذا المشروع يصطدم بعدة عقبات بنيوية، في مقدمتها غياب الثقة السياسية بين القوى المختلفة، واستمرار الحسابات الإقليمية التي تؤثر بشكل مباشر على توازنات الداخل، إضافة إلى تداخل البعد العسكري مع البعد السياسي في بعض المناطق، ما يجعل عملية الانتقال نحو مشروع مدني جامع أكثر تعقيداً وبطئاً.
كما أن طبيعة البيئة الإقليمية المحيطة تزيد من تعقيد المشهد، إذ إن القضية الكوردية لا تتحرك في فراغ، بل ضمن شبكة من العلاقات والتوازنات بين دول المنطقة، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى والإقليمية مع الواقع الداخلي الكوردي، ما يحد أحياناً من مساحة القرار المستقل ويؤثر على إمكانيات بناء مشروع موحد.
ومع ذلك، فإن استمرار هذا الانقسام لا يلغي حقيقة وجود حاجة موضوعية إلى صياغة رؤية سياسية أكثر شمولاً، قادرة على استيعاب التعدد الداخلي وتحويله من مصدر ضعف إلى عنصر قوة. فالتجارب السياسية الحديثة تثبت أن المجتمعات المتعددة لا تنجح عبر فرض وحدة شكلية، بل عبر بناء نظام سياسي مرن يعترف بالتنوع وينظمه ضمن إطار مؤسساتي واضح.
إن التحدي الحقيقي أمام الحالة الكوردية لا يتمثل فقط في تجاوز الانقسام، بل في إعادة تعريف مفهوم المشروع الوطني ذاته، بحيث لا يكون مشروعاً إقصائياً أو احتكارياً، بل إطاراً جامعاً يعكس تنوع التجربة السياسية والاجتماعية، ويحول الاختلاف من عامل تفكك إلى عنصر ديناميكي في بناء المستقبل السياسي.
وفي النهاية، يبقى الانقسام الكوردي سؤالاً مفتوحاً حول القدرة على الانتقال من واقع التعدد المتنازع إلى فضاء سياسي مشترك، قادر على إنتاج رؤية موحدة دون أن يلغي الخصوصيات، وعلى بناء مشروع وطني يعكس تطلعات مجتمع يعيش داخل تعقيدات جغرافية وسياسية وتاريخية متشابكة، ويبحث عن صيغة توازن بين الواقع والطموح.