بقلم: د. عدنان بوزان
لم تعد الأزمة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) تقتصر على التحديات الخارجية أو على تصاعد المنافسة مع روسيا والصين، بل باتت تمتد إلى بنية الحلف نفسها. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأمريكي، عاد السؤال القديم ليفرض نفسه بقوة: هل ما تزال الولايات المتحدة تنظر إلى الناتو بوصفه تحالفاً استراتيجياً دائماً، أم أنه لم يعد، في نظرها، سوى أداة تفاوض تخضع لمزاج البيت الأبيض وحساباته الآنية؟
لقد أرست سياسات ترامب، سواء خلال ولايته الأولى أو عبر تصريحاته ومواقفه الراهنة، حالةً غير مسبوقة من انعدام الثقة داخل الحلف الأطلسي. فبدلاً من تعزيز التضامن بين ضفتي الأطلسي، وجه انتقادات حادة إلى الحلفاء الأوروبيين، وشكك في جدوى الالتزامات الدفاعية المشتركة، واعتبر أن أوروبا تستفيد من المظلة الأمنية الأمريكية من دون أن تتحمل نصيبها العادل من الأعباء. وهكذا تحولت الشراكة الأطلسية، في عهده، من علاقة استراتيجية مستقرة إلى علاقة تتأرجح بين الضغوط السياسية والمساومات الاقتصادية.
ولم يكن مستغرباً، في ظل هذا المناخ، أن تتصاعد التحليلات التي تتحدث عن احتمالات تراجع دور الناتو، أو حتى تعرضه لتصدعات قد تهدد تماسكه على المدى البعيد، ليس بسبب قوة خصومه فحسب، بل نتيجة الانقسامات التي أخذت تتسع في داخله.
واليوم، يعود ترامب ليضيف بُعداً جديداً إلى هذه الأزمة، بإعلانه عزمه المشاركة في اجتماع الناتو في أنقرة، في وقت لا يخفي فيه امتعاضه من مواقف عدد من الحلفاء الذين، من وجهة نظره، لم يقدموا الدعم الكافي للسياسات الأمريكية والإسرائيلية خلال المواجهة مع إيران. ومن هنا، لا يبدو حضوره محاولة لترميم العلاقات الأطلسية بقدر ما يبدو سعياً إلى إعادة خلط الأوراق وفرض معادلات سياسية جديدة داخل الحلف.
ومن الصعب الاعتقاد بأن هذا الاجتماع سيكون قادراً على استعادة الانسجام المفقود بين أعضائه؛ فالخلافات لم تعد تقتصر على تقاسم النفقات العسكرية، بل أصبحت تمس طبيعة القيادة الأمريكية للحلف، ومستقبل الأمن الأوروبي، وحدود استقلال القرار الأوروبي عن واشنطن.
غير أن ما يثير القلق بالنسبة إلى شعوب الشرق الأوسط ليس مستقبل الناتو في حد ذاته، بل طبيعة التفاهمات التي قد تنبثق عن هذه اللقاءات. فكلما تصاعدت الخلافات داخل التحالفات الكبرى، ازداد الميل إلى عقد الصفقات الثنائية والتفاهمات السياسية لإعادة توزيع النفوذ وتعويض الخسائر الاستراتيجية. وتجارب المنطقة خلال العقود الماضية تؤكد أن مثل هذه الصفقات غالباً ما تبرم على حساب الشعوب، لا على حساب القوى المتنافسة.
إن تباهي ترامب بمتانة علاقاته مع بعض القادة، أو حديثه المتكرر عن قدرته على إبرام «الصفقة الأفضل»، لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: ما الثمن الذي قد تدفعه شعوب المنطقة مقابل أي تفاهمات جديدة؟ فالتاريخ يعلمنا أن إعادة ترتيب التحالفات الدولية كثيراً ما ترافقها إعادة رسم لموازين القوى الإقليمية، بما يفتح الباب أمام تفاهمات تتجاوز إرادة الشعوب ومصالحها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس انتظار نتائج اجتماعات الناتو أو المراهنة على تبدل المزاج السياسي في واشنطن، بل التحوّط سياسياً واستراتيجياً من تداعيات أي تفاهمات قد تفضي إلى موجة جديدة من الصفقات الإقليمية، أو إلى إعادة إنتاج سياسات النفوذ التقليدية بأدوات مختلفة. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من المقايضات الدولية، بقدر ما يحتاج إلى منظومة إقليمية تقوم على احترام إرادة الشعوب، وصون حقها في التنمية والاستقرار، وتمكينها من تقرير مستقبلها بعيداً عن حسابات القوى الكبرى.
إن ما يجري داخل الناتو اليوم لا ينبغي النظر إليه بوصفه شأناً غربياً داخلياً فحسب، لأن ارتداداته تتجاوز حدود أوروبا لتصل سريعاً إلى الشرق الأوسط. ولذلك، فإن القراءة السياسية الرصينة تقتضي ألا ينصب الاهتمام على خلافات الحلفاء وحدها، بل على النتائج التي قد تترتب عليها بالنسبة إلى قضايا المنطقة ومستقبلها. فليس كل تقارب بين القوى الكبرى يفضي بالضرورة إلى السلام، كما أن كثيراً من التسويات الدولية كان، في محصلته النهائية، مقدمةً لأزمات أكثر تعقيداً.
إن الحكمة السياسية تقتضي التحوّط قبل وقوع الأحداث، لا الاكتفاء بقراءتها بعد أن تصبح أمراً واقعاً.