بقلم: د. عدنان بوزان
لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل الدول القائمة قد يعني، من حيث لا يقصد أصحابه، التعامل مع نتائج المشكلة بدلاً من مساءلة جذورها. المطلوب ليس تجاهل الواقع السياسي القائم، وإنما إعادة النظر في الأسس التي تشكلت عليها العلاقة بين الدولة والشعب، وفي حق الكورد في تقرير مستقبلهم السياسي ضمن قواعد القانون الدولي وموازين الواقع.
وسايكس–بيكو ليست وحدها التي صنعت الخريطة السياسية الحديثة للشرق الأوسط، ومن الخطأ التاريخي والقانوني تحميلها وحدها مسؤولية الوضع القائم. فقد كانت اتفاقية 1916 جزءاً من سلسلة من التطورات والاتفاقيات والترتيبات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ومن بينها معاهدة سيفر عام 1920، التي تضمنت أحكاماً تتصل بالمسألة الكوردية، ثم معاهدة لوزان عام 1923 التي أعادت ترتيب الإطار الدولي للمنطقة ولم تنشئ دولة كوردية مستقلة. لذلك، فإن سايكس–بيكو ينبغي أن تفهم سياسياً بوصفها رمزاً لمنظومة التقسيم وإعادة تشكيل المنطقة، لا بوصفها الوثيقة الوحيدة التي رسمت حدودها النهائية.
المشكلة أن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي الكوردي ظل يبدأ من سؤال محدود: ماذا يمكن أن نحصل عليه من الدول التي يعيش الكورد ضمن حدودها الحالية؟ بينما ينبغي أن يبدأ السؤال من مستوى أعمق: كيف تشكلت هذه الدول؟ وكيف أصبحت الحدود السياسية الحديثة هي الإطار الحاكم لشعوب ذات تاريخ ولغات وهويات وامتدادات جغرافية تتجاوز تلك الحدود؟ فالحقوق القومية ليست منحة تمنحها الدولة للأكثرية أو الأقلية متى شاءت، وإنما ترتبط بمبادئ المساواة وعدم التمييز والحقوق الثقافية واللغوية والمشاركة السياسية، وبحق الشعوب في تقرير مستقبلها وفقاً للقواعد والمبادئ التي يقرها القانون الدولي.
وعندما نقول إن على الكورد "هدم سايكس–بيكو"، فلا ينبغي أن يفهم ذلك بوصفه دعوة إلى إسقاط الحدود بالقوة أو إشعال حروب جديدة، وإنما بوصفه دعوة إلى تجاوز سايكس–بيكو كمنظومة ذهنية وسياسية. فالمطلوب هدم فكرة أن الحدود التي تشكلت في ظروف تاريخية معينة أصبحت قدراً أبدياً، وأن على الشعوب أن تتكيف معها مهما كانت طبيعة الظلم أو الإقصاء الذي نتج عنها. إن تغيير الواقع السياسي لا يبدأ بالضرورة بتغيير الحدود، بل قد يبدأ بتغيير طبيعة الدولة، وتوزيع السلطة، وضمان الحقوق، وبناء ترتيبات دستورية تعترف بالتعدد القومي والثقافي.
ومن هنا، لا ينبغي أن تتحول المطالبة بالحقوق القومية إلى سقف نهائي للقضية الكوردية. فالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية والسياسية قد تكون أهدافاً ضرورية ومراحل واقعية، لكنها ليست بالضرورة نهاية المشروع السياسي. الواقعية لا تعني التخلي عن الحقوق والطموحات التاريخية، كما أن الطموح القومي لا يعني تجاهل موازين القوى والقانون الدولي. السياسة الناضجة هي القدرة على الجمع بين المبدأ والواقع، وبين الهدف الاستراتيجي والوسيلة الممكنة.
والكورد، رغم انقسام جغرافيتهم السياسية بين عدة دول، ليسوا مجرد جماعات منفصلة بلا رابط تاريخي. إن وجودهم القومي والثقافي واللغوي والجغرافي حقيقة تاريخية، لكن تحويل هذه الحقيقة إلى مشروع سياسي ناجح يحتاج إلى رؤية تتجاوز الشعارات. وهنا يجب التمييز بين الوحدة القومية والدولة الواحدة. فالوحدة القومية يمكن بناؤها عبر التعاون السياسي والثقافي والاقتصادي والعلمي بين أجزاء كوردستان، من دون أن يعني ذلك بالضرورة توحيد الأنظمة السياسية أو المؤسسات في مرحلة واحدة. أما الدولة الكوردية، فهي مسألة تاريخية وسياسية وقانونية معقدة تتطلب ظروفاً داخلية وإقليمية ودولية لا يمكن اختزالها في شعار.
إن أكبر تهديد للقضية الكوردية ليس الحدود الخارجية وحدها، بل تحول تلك الحدود إلى حدود داخل الوعي السياسي الكوردي. فعندما تصبح الانقسامات الحزبية والمناطقية أقوى من المصالح القومية، وعندما يستخدم طرف كوردي دولة إقليمية لمواجهة طرف كوردي آخر، وعندما تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات تستنزف المجتمع، فإن النظام الذي فرض الانقسام لا يحتاج إلى الدفاع عن نفسه؛ لأن الانقسام يصبح جزءاً من آليات بقائه.
لذلك، فإن هدم سايكس–بيكو يبدأ من الداخل: من بناء وعي سياسي كوردي مشترك، وتأسيس استراتيجية بعيدة المدى، وتطوير المؤسسات، وتوحيد الخطاب في القضايا القومية الأساسية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي والإعلامي والعلمي بين الكورد، وبناء مراكز بحثية وقانونية قادرة على دراسة القضية بلغة حديثة يفهمها المجتمع الدولي. فالقضايا القومية لا تنتصر بالشعارات وحدها، وإنما بالمعرفة والمؤسسات والاقتصاد والدبلوماسية والقدرة على إنتاج القرار المستقل.
ولا ينبغي للكورد أن يكرروا خطأ الارتهان إلى القوى الخارجية. فقد أثبت التاريخ أن القوى الدولية والإقليمية تتعامل مع القضايا القومية وفق مصالحها، وقد تدعم قضية في مرحلة ثم تتراجع عنها عندما تتغير أولوياتها. ولذلك فإن التعويل على الخارج من دون بناء قوة داخلية يجعل القضية ورقة تفاوضية في أيدي الآخرين. الحليف الحقيقي ليس من يعد الكورد بما يريدون، وإنما ما يمتلكه الكورد أنفسهم من وحدة سياسية ومؤسسات وقدرة على التفاوض.
كما ينبغي التخلص من وهم أن عدالة القضية وحدها تكفي لإنشاء دولة أو تغيير نظام إقليمي. الاعتراف الدولي لا يبنى على العدالة الأخلاقية وحدها، بل يتأثر بالشرعية السياسية، والقدرة المؤسساتية، والاستقرار، والمصالح الدولية والإقليمية، وميزان القوى. ولذلك يجب أن يتحول السؤال من: "من سيمنحنا الدولة؟" إلى سؤال أكثر جدية: "ماذا فعلنا نحن لبناء الشروط السياسية والمؤسساتية التي تجعل حقنا قابلاً للتحقق والدفاع عنه؟"
ومن هنا، فإن بناء المشروع الكوردي لا ينبغي أن يكون مشروعاً لإقصاء الآخرين أو إعادة إنتاج الظلم بصورة معكوسة. فإذا كان الكورد قد عانوا من الإنكار والقمع ومحاولات الصهر القومي، فإن المشروع الذي يطمحون إليه ينبغي أن يقوم على الديمقراطية والتعددية والمواطنة والمساواة وحقوق الإنسان. فالقضية الكوردية تصبح أكثر قوة عندما تقدم نفسها جزءاً من مشروع لإعادة بناء الشرق الأوسط على أساس الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي، لا مجرد مشروع لاستبدال هيمنة بهيمنة أخرى.
ولهذا يمكن أن تكون اللامركزية السياسية، والفدرالية، والحكم الذاتي، وضمان الحقوق اللغوية والثقافية، والمشاركة السياسية، وتقاسم السلطة، وغيرها من الصيغ الدستورية، أدوات ضمن استراتيجية متعددة المراحل. ولا توجد وصفة واحدة تصلح للأجزاء الكوردية جميعها؛ فلكل جزء ظروفه الدستورية والسياسية والإقليمية المختلفة. لكن اختلاف الوسائل لا ينبغي أن يتحول إلى اختلاف في الاعتراف بالوجود القومي والحقوق الأساسية.
إن تجاوز سايكس–بيكو لا يعني إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، ولا يعني أن الكورد قادرون بمجرد الإرادة على إعادة رسم خريطة المنطقة. التاريخ لا يعود، لكن الأنظمة السياسية تتغير، والحدود ليست كلها أبدية، والنظم الدستورية يمكن إعادة بنائها، والعلاقات بين الشعوب والدول قابلة لإعادة التفاوض. ولذلك فإن القضية ليست في استعادة خريطة الماضي، بل في صناعة مستقبل لا يبقى فيه الكورد أسرى لخريطة صاغتها تحولات القرن العشرين.
وعليه، فإن الأولوية أمام الحركة السياسية الكوردية ليست أن تبدأ دائماً من طلب الاعتراف، بل من بناء شروط الاستحقاق السياسي: توحيد الرؤية، إنهاء الانقسامات المدمرة، حماية اللغة والثقافة، تطوير الاقتصاد والتعليم، بناء المؤسسات، إعداد الكفاءات القانونية والدبلوماسية، وتطوير خطاب قومي ديمقراطي قادر على مخاطبة الداخل والخارج في آن واحد.
سايكس–بيكو لم تعد اتفاقية سرية قائمة بذاتها منذ أكثر من قرن، لكن آثار النظام الإقليمي الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الأولى ما تزال حاضرة. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع وثيقة تاريخية، بل مع إرث سياسي ما زال يؤثر في حاضر المنطقة. وهدم هذا الإرث لا يبدأ بتغيير الخريطة، وإنما بتغيير العقل السياسي الذي يعتبرها قدراً نهائياً.
إن القضية الكوردية تحتاج، قبل المطالبة بأي حق قومي، إلى أن تسأل نفسها: هل نمتلك رؤية واحدة؟ هل نمتلك مؤسسات قادرة على حمل هذه الرؤية؟ هل نمتلك اقتصاداً وقوة تفاوضية؟ هل نستطيع تحويل التنوع الحزبي إلى تنافس سياسي بدلاً من تحويله إلى صراع داخلي؟ وهل نستطيع أن نقدم للعالم مشروعاً ديمقراطياً وقانونياً واضحاً لمستقبل الكورد؟
إذا كانت الإجابة لا تزال ناقصة، فإن البداية يجب أن تكون من هنا. فهدم سايكس–بيكو الحقيقي لا يكون بالصراخ ضد الحدود، وإنما بتحطيم آثارها في الوعي، وبناء الوحدة السياسية والمعرفية والمؤسساتية، ثم تحويل هذه الوحدة إلى قوة تفاوضية وقانونية قادرة على إعادة تعريف موقع الكورد في الشرق الأوسط.
فالحدود تستطيع أن تقسم الأرض، لكنها لا تستطيع أن تلغي شعباً، ولا أن تمحو لغة، ولا أن تنهي ذاكرة تاريخية. وما لم يتحول الوجود الكوردي من حقيقة اجتماعية وتاريخية إلى مشروع سياسي منظم، فإن المطالبة بالحقوق ستظل تدور داخل الإطار الذي صاغه الآخرون. أما عندما يمتلك الكورد مشروعاً موحداً، ومؤسسات قوية، ورؤية قانونية وسياسية واضحة، فإن تجاوز إرث سايكس–بيكو يصبح انتقالاً من رد الفعل إلى صناعة المستقبل.
إن المعركة الأولى، إذن، ليست مع الخريطة، بل مع العقل الذي جعل الخريطة قدراً؛ وليست البداية بإعلان دولة، بل ببناء شعب ومؤسسات ومشروع قادر على أن يجعل الدولة، أو أي صيغة سياسية تحقق الحقوق القومية، احتمالاً تاريخياً وسياسياً قابلاً للتحقق. وهنا تحديداً تبدأ السياسة الكوردية الحقيقية.