بقلم: د. عدنان بوزان
لم يعد من الممكن قراءة ما يجري في الشرق الأوسط بوصفه مجموعة من الحروب والأزمات المنفصلة؛ فغزة ليست ملفاً قائماً بذاته، ولبنان ليس منفصلاً عن سوريا، وسوريا لا يمكن فصلها عن العراق وإيران وتركيا، كما أن الحرب الإسرائيلية على إيران والصراع المتصاعد بين تركيا وإسرائيل حول مستقبل سوريا والمنطقة يتجاوزان حدود المواجهة الثنائية. نحن أمام مرحلة تتداخل فيها الجغرافيا بالحرب، والديموغرافيا بالأمن، والطاقة بالممرات، والحدود بالنفوذ، بحيث يبدو أن النظام الإقليمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى، ورسخته تسويات القرن العشرين، يقترب من مرحلة إعادة تشكيل عميقة. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الحروب الراهنة مجرد صراعات على السلطة أو الحدود، وإنما جزءاً من صراع أوسع على شكل الشرق الأوسط المقبل، وعلى الدول التي ستبقى موحدة، وتلك التي ستتحول إلى كيانات رخوة، وتلك التي ستتوزع فيها السيادة بين قوى إقليمية ودولية متعددة.
وفي قلب هذه التحولات تقف إسرائيل بوصفها قوة إقليمية تسعى إلى إعادة بناء مجالها الأمني والاستراتيجي على نحو يتجاوز حدودها المعترف بها. فإسرائيل التي كانت محاطة لعقود بدول عربية مركزية وجيوش نظامية، تجد نفسها اليوم أمام سوريا فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها المركزية، ولبنان مستنزف، وغزة مدمرة، وإيران في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والعراق يعيش تعدد مراكز القوة، وتركيا تتحرك لتثبيت نفوذها في سوريا والعراق في الوقت الذي يتزايد فيه الاحتكاك بينها وبين إسرائيل. ومن هنا لا يعود السؤال الأساسي: ماذا تفعل إسرائيل في غزة أو جنوب لبنان أو الجنوب السوري؟ بل يصبح السؤال الأوسع: أي شرق أوسط يمكن أن يخرج من مجموع هذه الحروب؟
في غزة، تجاوزت الحرب حدود المواجهة العسكرية لتصبح مرتبطة بمستقبل المكان والسكان والسلطة والحدود. وفي جنوب لبنان ارتبط الصراع بمستقبل البيئة الأمنية على الحدود وبالتوازن مع حزب الله والدور الإيراني. أما في سوريا، فقد انتقلت إسرائيل من واقع احتلال الجولان منذ عام 1967 إلى توسيع حضورها العسكري في منطقة الفصل ومحيط القنيطرة والجنوب السوري، مع تمركزات ومواقع في منطقة جبل الشيخ، الأمر الذي منحها عمقاً استراتيجياً جديداً في مواجهة سوريا ولبنان. وهنا تكمن أهمية الجغرافيا؛ فجبل الشيخ ليس مجرد مرتفع جبلي، وإنما نقطة استراتيجية تطل على مساحات واسعة من سوريا ولبنان وفلسطين، ومن يملك السيطرة أو التفوق العسكري في هذه المنطقة يمتلك قدرة أكبر على المراقبة والإنذار والضغط وفرض معادلات أمنية جديدة. ولذلك فإن تهديد دمشق لا يحتاج بالضرورة إلى دخول القوات الإسرائيلية إلى العاصمة؛ فحين تصبح العاصمة مكشوفة أمام التفوق الجوي والصاروخي الإسرائيلي، وتصبح المناطق المحيطة بها عرضة للضربات والضغط، تتحول الجغرافيا نفسها إلى وسيلة للسيطرة الاستراتيجية من دون احتلال مباشر. وهذه إحدى سمات الحروب الحديثة: ليس ضرورياً أن تحتل العاصمة حتى تجعل السلطة الموجودة فيها تعيد حساباتها على أساس القوة التي تستطيع الوصول إليها.
سوريا: الحلقة المركزية في الخريطة الجديدة
سوريا هي قلب المشرق، ولذلك فإن إعادة تشكيل سوريا تعني بالضرورة إعادة تشكيل جزء كبير من المنطقة المحيطة بها. فسقوط نظام بشار الأسد لم يؤد فقط إلى تغيير السلطة في دمشق، وإنما فتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لإعادة تعريف نفوذها ومصالحها داخل البلاد. وفي هذا السياق جاء الصعود السريع لأحمد الشرع، بعد انتقاله من قيادة هيئة تحرير الشام إلى رأس السلطة في دمشق، في لحظة إقليمية شديدة التحول. ولا يمكن فهم هذا الانتقال بمعزل عن انهيار التوازنات التي كانت تحكم سوريا طوال سنوات الحرب، وعن تراجع الدور الإيراني والروسي، وتغير المقاربة الأميركية، واتساع الدور التركي، وظهور إسرائيل كقوة أكثر مباشرة في الجنوب السوري.
وفي اللحظة نفسها وجد الكورد أنفسهم أمام تحول استراتيجي بالغ الأهمية. فقد كانت قوات سوريا الديمقراطية، طوال سنوات، الشريك العسكري الرئيسي للولايات المتحدة في مواجهة تنظيم داعش، وتمكنت من بناء نفوذ واسع في شمال وشرق سوريا. لكن موازين القوى تغيرت لاحقاً، وانتهت المواجهة بين دمشق وقسد إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والاندماج التدريجي في مؤسسات الدولة السورية. الاتفاق نص على إدماج تشكيلات من قسد في بنية عسكرية سورية، ونشر قوات تابعة لوزارة الداخلية في مدن كوردية، ودمج المؤسسات المدنية التي أنشأتها الإدارة الكوردية ضمن مؤسسات الدولة، مع الإبقاء على بعض ترتيبات الإدارة المشتركة. وقد وصف المبعوث الأميركي الاتفاق بأنه محطة تاريخية في مسار إعادة توحيد سوريا.
وهنا يصبح السؤال أكبر من قسد نفسها: لماذا انتقلت واشنطن من الاعتماد على القوة الكوردية بوصفها شريكاً رئيسياً في الحرب على داعش إلى دعم مسار دمجها في دمشق؟ إن الإجابة تكمن في إعادة ترتيب الأولويات الأميركية والإقليمية. فالحرب على داعش لم تعد هي القضية المركزية، بينما أصبحت وحدة سوريا، ومنع انهيارها الكامل، وإدارة التنافس التركي والإسرائيلي والإيراني، جزءاً من معادلة جديدة. وهكذا وجد الكورد أنفسهم مرة أخرى أمام معادلة سياسية تاريخية قاسية: القوى الدولية قد تمنح القضية مساحة واسعة عندما تحتاج إليها، لكنها تعيد ترتيب موقعها عندما تتغير مصالحها وموازين القوى. ولذلك فإن دمج قسد في الدولة السورية لا يعني بالضرورة نهاية القضية الكوردية، وإنما يعني انتقالها من مرحلة القوة العسكرية والإدارة الذاتية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بالدستور والحقوق والهوية والجغرافيا وشكل الدولة السورية المقبلة.
ومن هنا يبدأ الصراع التركي ـ الإسرائيلي على سوريا. فتركيا تريد تثبيت نفوذها السياسي والأمني والعسكري داخل سوريا، ومنع ظهور بنية كوردية عسكرية مستقلة على حدودها، بينما تنظر إسرائيل إلى التوسع التركي داخل الأراضي السورية باعتباره منافسة مباشرة على المجال الاستراتيجي الذي تسعى إلى بنائه في سوريا الجديدة. ولذلك فإن الخلاف بين أنقرة وتل أبيب لا ينبغي قراءته فقط باعتباره خلافاً على النفوذ، وإنما باعتباره صراعاً على شكل الدولة السورية المقبلة، وعلى مواقع القوة، وعلى الممرات والحدود وموازين القوى في المشرق.
ومع ذلك، فإن الصراع التركي ـ الإسرائيلي لا يعني بالضرورة غياب نقاط الالتقاء بين الطرفين. ففي نقطة جوهرية يمكن أن تتقاطع مصالحهما، وهي منع نشوء كيان كوردي مستقل ومتصل جغرافياً من العراق عبر شمال سوريا إلى البحر المتوسط. ولهذا تصبح مناطق مثل اللاذقية وجبل الأكراد ذات أهمية تتجاوز حدودها المحلية. فإذا تمكن الكورد من الوصول إلى البحر، فإن الجغرافيا السياسية للقضية الكوردية ستتغير بصورة جذرية، ولذلك يمكن أن يصبح قطع هذا الاتصال هدفاً استراتيجياً لتركيا، وربما جزءاً من تفاهمات مستقبلية مع إسرائيل، حتى لو بقي الطرفان مختلفين حول حجم النفوذ الذي ينبغي لكل منهما أن يمتلكه داخل سوريا. فالدول قد تتصارع على منطقة، لكنها قد تتفق في الوقت نفسه على منع قيام واقع جغرافي جديد يهدد مصالحها المشتركة.
أما إيران، فإن الحرب التي تخوضها مع الولايات المتحدة وإسرائيل لا يمكن اختزالها في الملف النووي وحده؛ فإيران بنت خلال عقود شبكة نفوذ تمتد من العراق إلى سوريا ولبنان، وأصبح هذا الامتداد أحد أهم عناصر قوتها الإقليمية. ولذلك فإن إضعاف إيران يعني، في الوقت نفسه، محاولة تفكيك الحلقة التي ربطت طهران ببغداد ودمشق وبيروت. ومنذ بدء الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في شباط/فبراير 2026، تعرضت البنية النووية والعسكرية والاقتصادية الإيرانية لضربات واسعة، واستمرت المواجهة لأشهر، فيما أصبحت مضائق وممرات الطاقة في الخليج جزءاً مباشراً من الحرب. وفي هذه القراءة، فإن الهدف الأوسع من الحرب لا يتعلق فقط بمنع إيران من امتلاك قدرة نووية، وإنما بإعادة صياغة موقعها الإقليمي وإنهاء قدرتها على الاحتفاظ بالجسر الممتد من طهران إلى البحر المتوسط. فإذا انقطع هذا الجسر أو تراجع، فإن العراق وسوريا ولبنان سيدخلون جميعاً في ميزان قوى جديد.
ومن هنا تظهر فكرة «ممر داوود» بوصفها تصوراً جيوسياسياً يمكن من خلاله قراءة العلاقة بين جنوب سوريا وشرقها والعراق. فالممر، في التصورات التي تتداوله، لا يمثل مجرد طريق جغرافي، وإنما شبكة نفوذ تمتد من الجولان والجنوب السوري عبر البادية والتنف وشرق سوريا باتجاه دير الزور والبوكمال والعراق. وإذا قرأنا الخريطة بهذه الطريقة، فإن الجولان والقنيطرة ودرعا والسويداء والتنف والبادية ودير الزور والبوكمال لا تعود مناطق منفصلة، بل تصبح حلقات في جغرافيا استراتيجية واحدة. ومن يملك القدرة على التحكم بهذه السلسلة يمتلك قدرة على التحكم في الطريق، والطريق في الشرق الأوسط قد يكون أحياناً أهم من الحدود نفسها؛ لأنه يحدد حركة القوات والطاقة والتجارة والنفوذ والاتصال بين المناطق.
وبعد سوريا يأتي العراق باعتباره الحلقة التي يمكن أن تربط الخريطة السورية بالخريطة الإيرانية والتركية والخليجية. فكركوك ليست مجرد مدينة نفطية، وإنما عقدة جغرافية واقتصادية وقومية، ولذلك فإن الصراع حولها يتجاوز النفط إلى مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل والقوى الإقليمية المحيطة. أما سنجار، فإن موقعها على الحدود السورية ـ العراقية، وتركيبتها الإيزيدية، وعلاقاتها المعقدة بين بغداد وأربيل وتركيا والقوى الموجودة في المنطقة، تجعلها بدورها جزءاً من الصراع الأوسع على الممرات والحدود والنفوذ. ومن هنا يمكن أن يبقى العراق دولة واحدة من الناحية القانونية، بينما تتوزع داخله مراكز القوة والنفوذ بصورة تجعل الدولة الاتحادية أكثر تعددية وأقل قدرة على احتكار القرار. فالتقسيم الحديث لا يحتاج دائماً إلى إعلان دول جديدة؛ قد يتحقق عبر توزيع السيادة الفعلية بين مناطق ومراكز نفوذ مختلفة.
وتكتسب دير الزور والبوكمال أهمية خاصة من موقعهما على الطريق بين سوريا والعراق. فإذا أصبح شرق سوريا مرتبطاً بصورة أعمق أمنياً واقتصادياً بالعراق، فإن الحدود التي رسمتها ترتيبات القرن العشرين ستفقد جزءاً من معناها العملي، حتى لو بقيت قائمة قانونياً. ومن هنا يمكن أن يظهر مجال سني متصل بين شرق سوريا وغرب العراق، في مقابل مجال شيعي يتمركز في جنوب العراق، بينما يبقى إقليم كوردستان في الشمال ضمن مجال جغرافي وسياسي واقتصادي شديد الحساسية تجاه تركيا وإيران وبغداد. وهكذا تصبح الخريطة العراقية والسورية مترابطة أكثر من أي وقت مضى، ويصبح مستقبل كل منهما جزءاً من مستقبل الآخر.
وفي هذه الخريطة يحتل الكورد موقعاً بالغ الحساسية. فهم موجودون في العراق وسوريا وتركيا وإيران، وأي إعادة تشكيل للشرق الأوسط لا يمكن أن تتجاهل وجودهم. لكن المفارقة أن الكورد قد يكونون من أكثر الشعوب استفادة من انهيار النظام الإقليمي القديم، وفي الوقت نفسه من أكثر الشعوب تعرضاً لخطر أن يجري ترتيب هذا الانهيار ضدهم. ففي العراق توجد تجربة إقليم كوردستان، وفي سوريا ظهرت تجربة سياسية وعسكرية كوردية واسعة، بينما يعيش ملايين الكورد داخل تركيا وإيران. ولهذا فإن قيام كيان كوردي موحد ومتصل جغرافياً وقادر على الوصول إلى البحر المتوسط سيغير بصورة جذرية توازنات المنطقة، وهو ما يجعل القوى الإقليمية أكثر تمسكاً بمنع تحقق مثل هذا الاتصال. وإذا تعمق ارتباط إقليم كوردستان اقتصادياً وأمنياً بتركيا، وإذا تمكنت أنقرة من توسيع نفوذها باتجاه الساحل السوري وجبل الأكراد، فإن المساحة الجغرافية التي يمكن أن تربط كوردستان بالمتوسط ستضيق بصورة أكبر، وعندها يجد المشروع الكوردي نفسه أمام جغرافيا محاصرة بين الدول الأربع من دون منفذ بحري.
أما فلسطين، فلا يمكن فصل مستقبلها عن مستقبل الأردن والمنطقة كلها. فالحرب في غزة لم تعد مرتبطة فقط بمصير حركة حماس أو بالسيطرة العسكرية على القطاع، وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل السكان والحدود والسلطة الفلسطينية وبإمكانات إعادة تشكيل الجغرافيا الديموغرافية للمنطقة. وإذا تحولت مسألة نقل الفلسطينيين أو إعادة توزيعهم جغرافياً إلى جزء من ترتيبات مستقبلية، فإن الأردن سيجد نفسه حكماً داخل قلب هذه المعادلة. وهنا تتحول القضية الفلسطينية من صراع على أرض محددة إلى قضية تتعلق بإعادة تشكيل المجال البشري والسياسي الممتد من غزة إلى الضفة والأردن.
ومن هذه الزاوية يصبح مفهوم «إسرائيل الكبرى» أكثر تعقيداً من مجرد الحديث عن ضم أراضٍ جديدة. فقد لا تكون إسرائيل الكبرى بالضرورة خريطة تعلنها إسرائيل رسمياً بين ليلة وضحاها، وإنما قد تكون واقعاً استراتيجياً تصبح فيه إسرائيل القوة القادرة على التأثير في المجال الممتد حولها: غزة في الجنوب، ولبنان في الشمال، وسوريا في الشرق، وإيران في العمق الإقليمي، والممرات البرية والجوية والبحرية في المجال الأوسع. وعندما تصبح الدول المحيطة مضطرة إلى أخذ القوة الإسرائيلية في حساباتها قبل اتخاذ قراراتها الكبرى، فإن إسرائيل تكون قد وسعت مجالها الاستراتيجي حتى من دون أن توسع حدودها القانونية. وفي هذا المعنى، قد تكون إسرائيل الكبرى مشروع نفوذ بقدر ما تكون مشروع أرض.
أما سوريا، فإن استمرار هذه التحولات قد يقودها إلى مرحلة يصبح فيها التقسيم واقعاً سياسياً وأمنياً حتى لو بقيت الدولة موحدة قانونياً. جنوب سوري واقع تحت ضغط إسرائيلي متزايد، وشمال مرتبط بنفوذ تركي، وشرق يتصل بالعراق، وشمال شرق أُعيد دمجه تدريجياً في مؤسسات الدولة، وساحل يحتفظ بأهمية استثنائية في الصراع الإقليمي والدولي، بينما تبقى دمشق مركز الدولة الرسمي ولكن بقدرة متفاوتة على التحكم في الأطراف. ومن هنا قد يكون تقسيم سوريا في المستقبل ليس إعلان خمس دول مستقلة، وإنما قيام دولة واحدة بخمس خرائط نفوذ؛ دولة واحدة في القانون، لكنها متعددة في الأمن والسياسة والاقتصاد ومراكز القرار. وهذا هو الشكل الأكثر تعقيداً للتقسيم، لأنه يبقي الحدود الدولية قائمة، بينما يعيد توزيع السيادة الفعلية داخلها.
وعندما توضع هذه الحلقات كلها في خريطة واحدة، تظهر صورة الشرق الأوسط الجديد بصورة أكثر ترابطاً: إسرائيل تعيد بناء عمقها الأمني من غزة إلى لبنان ومن الجولان إلى الجنوب السوري؛ وإيران تواجه حرباً تهدد قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها الممتد إلى المتوسط؛ وتركيا تدخل في صراع متزايد مع إسرائيل على المجال السوري؛ وقسد تنتقل من قوة عسكرية ذات إدارة شبه مستقلة إلى مسار الاندماج في الدولة السورية؛ والكورد يجدون أنفسهم أمام مرحلة جديدة يصبح فيها مستقبل حقوقهم مرتبطاً بصورة أكبر بالدستور السوري وشكل الدولة؛ والعراق يتجه نحو مزيد من الفدرلة الواقعية وتعدد مراكز القوة؛ ودير الزور والبوكمال تتحولان إلى عقدة استراتيجية بين سوريا والعراق؛ وكركوك تبقى مفتاحاً للنفط والجغرافيا والهوية؛ وسنجار تظل نقطة حساسة في التوازن بين بغداد وأربيل وتركيا وسوريا؛ وفلسطين تدخل مرحلة شديدة الحساسية من إعادة تعريف مستقبل الأرض والسكان والسلطة؛ بينما يصبح الأردن جزءاً أساسياً من الحسابات الجيوسياسية الجديدة.
وبذلك لا يبدو الشرق الأوسط مقبلاً بالضرورة على تقسيم بسيط إلى دول جديدة، بل على نظام أكثر تعقيداً تتعدد فيه المناطق والجيوش والممرات ومراكز القرار. وقد تبقى أسماء الدول القديمة على الخريطة، بينما تتغير حدود النفوذ داخلها. قد تبقى سوريا سوريا، والعراق العراق، ولبنان لبنان، لكن السيادة الفعلية ومراكز القوة ستكون مختلفة. وهنا تصبح المسألة الأساسية ليست ما إذا كانت «إسرائيل الكبرى» ستظهر غداً على شكل حدود جديدة، وإنما ما إذا كانت إسرائيل تتحول تدريجياً من دولة محاطة بمنطقة مضطربة إلى القوة التي تسهم بصورة حاسمة في تحديد شكل هذه المنطقة المضطربة نفسها.
إن ما نشهده، وفق هذه القراءة، ليس نهاية حرب واحدة، وإنما بداية إعادة رسم للخريطة؛ خريطة تبدأ من غزة، وتمتد عبر جنوب لبنان، وتصعد إلى الجولان وجبل الشيخ والقنيطرة ودرعا والسويداء، ثم تتجه نحو البادية ودير الزور والبوكمال، وتعبر إلى العراق وكركوك وسنجار، فيما تتحرك تركيا من الشمال، وتتصارع القوى على الممرات والموارد والحدود، وتبقى إيران في قلب محاولة إعادة بناء توازن إقليمي جديد. وهكذا تدخل المنطقة مرحلة لا يجري فيها تقسيم الأرض وحدها، وإنما يعاد توزيع النفوذ والقرار والممرات والموارد والهويات. وإذا كانت اتفاقيات القرن العشرين قد رسمت حدود الدول، فإن الحروب الحالية قد تكون بصدد رسم شيء أكثر عمقاً: حدود القوة داخل الدول نفسها.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو من سيرسم سايكس ـ بيكو الجديدة، بل من سيمتلك القدرة على كتابة الخريطة التي ستأتي بعدها؛ لأن الخرائط الكبرى لا تتغير عندما تنتهي الحروب فقط، وإنما تبدأ بالتغير منذ اللحظة التي تصبح فيها الحدود القديمة عاجزة عن تفسير موازين القوة الجديدة.