بقلم: د. عدنان بوزان
مقدمة:
يمثل التعامل مع اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بوصفه حلاً نهائياً أو تسوية مستدامة في المسار الكوردي السوري مقاربة تفتقر إلى الدقة المنهجية، وتتجاهل طبيعة اللحظة السياسية التي أُنتج فيها هذا الاتفاق. فالمعاينة التحليلية للسياق الزمني والموضوعي الذي وُقع فيه تكشف أنه أقرب إلى صيغة مؤقتة لإدارة التوتر واحتواء تداعياته الآنية، لا إلى إطار تأسيسي لاستقرار طويل الأمد في روج آفا. إذ إن الاتفاق لم ينبثق عن توافقات استراتيجية راسخة بين الأطراف المعنية، بل جاء نتيجة توازنات قسرية فرضتها لحظة إقليمية ودولية شديدة السيولة.
لقد تشكل هذا الاتفاق تحت ضغط مركب تداخلت فيه عوامل محلية وإقليمية ودولية، أسهمت مجتمعة في فرض إيقاع سياسي محدد على مسار الأحداث. فعلى المستوى المحلي، لعبت حالة التعبئة الشعبية الكوردية وإعلان النفير العام دوراً في رفع منسوب الضغط، فيما شكل الدعم السياسي القادم من إقليم كوردستان العراق عامل إسناد إضافي، وإن بقي ضمن حدود التأثير غير الحاسم. أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد تزامن الاتفاق مع تصاعد القلق الإسرائيلي من احتمالات انفلات الساحة السورية في مرحلة إعادة تشكل التوازنات الإقليمية، وما قد يترتب على ذلك من مخاطر أمنية غير قابلة للاحتواء.
في هذا الإطار، يغدو اتفاق 29 كانون الثاني تعبيراً عن لحظة إدارة أزمة أكثر مما هو نتاج رؤية حل متكاملة، وهو ما يفسر هشاشته البنيوية وقابليته العالية للتآكل أو الانهيار مع أي تحول جوهري في موازين القوى. فالاتفاق، في جوهره، لا يعالج جذور الإشكال السياسي الكوردي، بقدر ما يؤجّل انفجاره، واضعاً مستقبل روج آفا في حالة تعليق دائم على تطورات لم تستقر بعد.
خطأ القراءة بعد سقوط النظام: من فائض القوة إلى تراجع الموقع
لا يمكن تفسير التراجع الذي أصاب الموقع السياسي والعسكري للفاعل الكوردي في سوريا بعد سقوط النظام السوري حصرياً بعوامل الضغط الخارجي أو بتغير مواقف القوى الدولية، بل يتطلب الأمر تفكيكاً نقدياً للكيفية التي جرى فيها تأويل لحظة السقوط ذاتها داخل القرار الكوردي. فقد ساد افتراض ضمني مفاده أن انهيار النظام يشكل انتقالاً تلقائياً من مرحلة الصراع إلى مرحلة التسوية، وأن موازين القوى التي سادت قبل السقوط ستبقى فاعلة أو قابلة للاستثمار بالوتيرة نفسها، وهو افتراض أثبت الواقع عدم دقته.
إن المرحلة الفاصلة بين اتفاق 10 آذار والهدنة المعلنة في 29 كانون الثاني تمثل من الناحية التحليلية مرحلة إعادة تشكل عميقة للبنية الإقليمية للصراع السوري، حيث لم تعد التحالفات قائمة على خطوط المواجهة السابقة، بل أُعيد إنتاجها وفق منطق المصالح المتحركة، والصفقات العابرة للملفات، وتبادل الأدوار بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. غير أن هذه التحولات لم تستوعب في الوقت المناسب ضمن المقاربة الكوردية، ما أدى إلى فجوة متزايدة بين الواقع المتغير وأدوات الفعل السياسي والعسكري المستخدمة.
تكمن المفارقة الأساسية في أن المرحلة التي سبقت سقوط النظام، على الرغم من طابعها العنيف وضيق هامشها الأمني، كانت تمنح روج آفا موقعاً تفاوضياً أكثر تقدماً، بوصفها فاعلاً لا يمكن تجاوزه في معادلة السيطرة الميدانية ومحاربة الإرهاب وضبط الجغرافيا. فقد كان فائض القوة آنذاك نابعاً من تلاقي ثلاثة عناصر: الحاجة الدولية إلى شريك محلي موثوق، وامتلاك الكورد لوزن عسكري منظم، وقدرتهم على إدارة الفراغ النسبي الذي فرضه تراجع الدولة المركزية.
في المقابل، أدى الانتقال السريع وغير المحسوب إلى مرحلة ما بعد السقوط إلى استنزاف هذا الفائض من دون تحويله إلى مكتسبات سياسية مؤسسية. فبدل أن يجري تثبيت الموقع الكوردي ضمن ترتيبات انتقالية واضحة، جرى التعاطي مع الواقع الجديد بمنطق الاستمرارية، وكأن أدوات المرحلة السابقة ما تزال صالحة لإدارة مشهد مختلف جذرياً. وقد سمح هذا الخلل للاعبين إقليميين أكثر تنظيماً، وأقدر على استثمار الفراغ، بملء المساحات السياسية التي تراجعت عنها القوى الكوردية تدريجياً.
إضافة إلى ذلك، أسهم غياب قراءة دقيقة لتبدل أولويات القوى الدولية بعد سقوط النظام في تقليص هامش المناورة الكوردية. فالقوى التي كانت تنظر إلى الكورد بوصفهم عنصر استقرار أمني، بدأت تعيد تعريف مصالحها ضمن إطار أوسع يركز على منع التفكك الإقليمي، ولو على حساب مشاريع اللامركزية أو الحكم الذاتي. ومع هذا التحول، تراجع الوزن النسبي للفاعل الكوردي في سلم الأولويات الدولية، من شريك ميداني لا غنى عنه إلى ملف قابل للتأجيل أو المقايضة.
وعليه، يمكن القول إن التراجع الذي أصاب الملف الكوردي لم يكن نتيجة انقلاب مفاجئ في موازين القوى فحسب، بل حصيلة خطأ مركب في قراءة التحول التاريخي الذي مثله سقوط النظام السوري. ففائض القوة الذي راكمته روج آفا في مرحلة الصراع لم يترجم إلى موقع تفاوضي دائم، بل جرى استهلاكه في مرحلة انتقالية غير محسومة، ما أدى في النهاية إلى انكماش الدور وتراجع القدرة على التأثير مقارنة بما كان متاحاً في المرحلة السابقة.
تبلور محور إقليمي جديد: الاقتصاد بوصفه أداة إعادة رسم الخرائط
ترافقت التحولات السياسية التي أعقبت سقوط النظام السوري مع بروز محور إقليمي جديد، تشكل من تركيا وقطر والسعودية، وتمكن خلال فترة زمنية قصيرة من تثبيت حضوره بوصفه فاعلاً مؤثراً في إعادة ترتيب أولويات الإقليم. ويكتسب هذا المحور أهميته لا من طبيعته السياسية فحسب، بل من الأدوات التي استخدمها، وعلى رأسها الاقتصاد كوسيلة ضغط وتفاوض وإعادة تموضع في آن واحد.
لقد نجح هذا التكتل في تحقيق اختراقات نوعية في علاقته مع الولايات المتحدة عبر تفاهمات عابرة للملفات والساحات، ترجمت في صورة صفقات مالية واستثمارية ضخمة قدرت بتريليونات الدولارات. هذه الصفقات لم تكن منفصلة عن الحسابات الجيوسياسية، بل أسهمت في إعادة ترتيب سلم الأولويات داخل واشنطن، حيث جرى تقديم الاستقرار القابل للإدارة على حساب المشاريع السياسية المعقدة التي تتطلب التزامات طويلة الأمد، وفي مقدمتها نماذج الحكم اللامركزي.
في هذا السياق، لم يتحرك المحور الثلاثي بمنطق التحالف التقليدي القائم على التوافق الأيديولوجي أو الأمني، بل اعتمد مقاربة براغماتية تقوم على شراء الوقت وإعادة تعريف الملفات الساخنة، ولا سيما الملف الإيراني. فبدل الذهاب نحو مواجهة مفتوحة عالية الكلفة، جرى الدفع باتجاه ترتيبات مرحلية تتيح احتواء التوتر وتأجيل الصدام، بما يضمن للمحور هامش حركة أوسع لترتيب ساحات أخرى، من بينها سوريا والعراق.
وتكتسب التصريحات الصادرة عن شخصيات أمريكية مرتبطة بهذه التفاهمات دلالة خاصة في هذا الإطار، إذ تعكس تحولاً ملموساً في المزاج الاستراتيجي الأمريكي تجاه بنية الدولة في الشرق الأوسط. فالإشارات التي تقلل من قابلية المنطقة لاحتضان نماذج فيدرالية أو لامركزية لا يمكن فهمها بوصفها آراء فردية معزولة، بل كمؤشرات على اتجاه عام داخل دوائر القرار يفضل أنماط حكم مركزية أو شبه مركزية، تعد من وجهة النظر الأمريكية أقل تعقيداً وأسهل ضبطاً.
هذا التحول يضع المشروع الكوردي في موقع أكثر هشاشة، ليس بسبب ضعفه الذاتي، بل لأن البيئة الدولية التي سمحت سابقاً بتنامي نماذج الحكم الذاتي لم تعد بالقدر نفسه من الانفتاح. فمع تصاعد أولوية الاستقرار الاقتصادي والأمني، وتراجع الاستعداد لتحمل كلفة مشاريع سياسية طويلة الأمد، باتت القضية الكوردية تدرج ضمن الملفات القابلة للتأجيل أو المساومة، لا ضمن المشاريع التي تستدعي رعاية دولية مباشرة.
وعليه، فإن تبلور هذا المحور الإقليمي لا يمكن النظر إليه كتحالف ظرفي، بل كأحد العوامل البنيوية التي أعادت رسم خرائط النفوذ في المنطقة، مستخدماً الاقتصاد أداة مركزية لإعادة تعريف الصراعات، وتحديد الرابحين والخاسرين في مرحلة ما بعد إعادة التموضع الإقليمي.
سوريا والعراق واليمن: ساحات مترابطة لا أزمات منفصلة
لا يمكن مقاربة التحولات الجارية في سوريا بمعزل عن السياقين العراقي واليمني، إذ تكشف التطورات المتزامنة في هذه الساحات عن منطق إقليمي واحد يقوم على إدارة الأزمات بوصفها منظومة مترابطة، لا كملفات منفصلة. فالتفاعلات اللاحقة أظهرت بوضوح أن الإقليم يشهد مسعىً منظماً لإعادة توزيع الأدوار والنفوذ عبر ساحات متعددة، باستخدام أدوات محلية مختلفة، ولكن ضمن رؤية استراتيجية موحدة تهدف إلى إعادة ضبط موازين القوة بما يتلاءم مع المتغيرات الدولية.
في هذا الإطار، يبرز العراق بوصفه الساحة الأكثر هشاشة وقابلية لإعادة الهندسة السياسية والأمنية. فالمرحلة المقبلة تبدو مفتوحة على سيناريوهات بالغة الخطورة، تتراوح بين محاولات إعادة تشكيل التوازنات الداخلية عبر أدوات سياسية ودستورية، وبين احتمالات الانزلاق نحو صراع أهلي واسع النطاق في حال فشل هذه المحاولات أو تعارضها مع توازنات القوة القائمة. ويكمن الخطر الأساسي في أن هذه السيناريوهات لا تطرح باعتبارها نتائج عرضية للفوضى، بل كخيارات مدروسة ضمن صراع إقليمي أوسع.
تندرج في هذا السياق فرضيات توظيف العشائر السنية، أو تفجير تناقضات كامنة بين قوى أمنية وعسكرية محلية، كوسائل ضغط تهدف إلى إنهاك الدولة العراقية وإجبارها على الدخول في مسار تعديل دستوري قسري، أو حتى الانقلاب على النظام الفيدرالي القائم. ويقدم هذا المسار في الخطاب الإقليمي والدولي تحت عناوين فضفاضة مثل “تعزيز الاستقرار” أو “منع التفكك”، بينما يخدم في جوهره هدفاً مركزياً يتمثل في تفكيك أي نموذج فدرالي قابل للاستمرار في المنطقة.
وفي هذا السياق، لا ينظر إلى إقليم كوردستان العراق باعتباره حالة عراقية داخلية فحسب، بل بوصفه نموذجاً سياسياً يراد احتواؤه أو إنهاؤه لما يحمله من دلالات تتجاوز الجغرافيا العراقية. فإضعاف أو تفكيك هذا النموذج يشكل، من منظور بعض القوى الإقليمية، خطوة ضرورية لإغلاق الباب أمام أي تجربة كوردية مشابهة في سوريا أو غيرها، انسجاماً مع المطلب التركي التاريخي الرافض لأي كيان كوردي مستقل القرار، حتى وإن جرى ذلك تحت غطاء إعادة ترسيخ الدولة المركزية.
أما اليمن، فعلى الرغم من اختلاف بنيته السياسية والاجتماعية، فإنه يشكل جزءاً من هذه المنظومة الإقليمية المترابطة، حيث تستخدم ساحته لإعادة ضبط توازنات القوى بين الفاعلين الإقليميين، وتوجيه رسائل غير مباشرة في ملفات أخرى، من بينها سوريا والعراق. فالتعامل مع اليمن بوصفه ساحة ضغط إضافية يعكس طبيعة الصراع الراهن، الذي لم يعد محكوماً بجغرافيا واحدة، بل بمنطق ساحات متداخلة يدار فيها الصراع بالتناوب لا بالتوازي.
وعليه، فإن فهم ما يجري في سوريا يقتضي إدراك هذا الترابط البنيوي بين الساحات الثلاث، حيث لا تحسم الأزمات داخل حدودها الوطنية، بل ضمن شبكة إقليمية أوسع تستخدم فيها الأدوات المحلية لتحقيق أهداف استراتيجية عابرة للدول. وفي هذا الإطار، يغدو المشروع الكوردي، في سوريا والعراق على السواء، أحد أكثر الملفات عرضة للضغط، ليس بسبب موقعه الداخلي فحسب، بل لكونه يتقاطع مع صراع إقليمي أوسع على شكل الدولة، وحدود اللامركزية، ومستقبل التعدد القومي في الشرق الأوسط.
إسرائيل بين الحذر وإعادة التموضع
لا يمكن فهم الموقف الإسرائيلي من التحولات الإقليمية المتسارعة بوصفه حالة انسحاب أو تراجع عن التأثير، بل ينبغي قراءته في إطار إعادة تموضع استراتيجية محسوبة تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيداتها. فإسرائيل، بوصفها فاعلاً أمنياً مركزياً في الإقليم، لا تتحرك عادة بمنطق ردّ الفعل السريع، بل تعتمد مقاربة تقوم على المراقبة الدقيقة، وإدارة المخاطر، وتأجيل التدخل المباشر إلى اللحظة التي تضمن فيها تحقيق أقصى قدر من المكاسب بأدنى كلفة ممكنة.
في هذا السياق، تتابع تل أبيب بقلق متزايد صعود الدور التركي في الساحة السورية، ليس فقط لما يحمله من تهديدات أمنية مباشرة، بل لما يمثله من اختلال محتمل في توازنات الردع التي استقرت نسبياً خلال السنوات الماضية. فتعاظم النفوذ التركي في الشمال السوري، مقروناً بتراجع الحضور الأمريكي المباشر، يفرض على إسرائيل إعادة تقييم استراتيجيتها تجاه الجبهة الشمالية، خاصة في ظل التداخل المتزايد بين الملفات السورية والإيرانية واللبنانية.
إلى جانب ذلك، تنظر إسرائيل بحذر إلى التحولات الجارية في اليمن، حيث تميل موازين القوى تدريجياً لصالح محور تقوده السعودية، بما يحمله ذلك من إعادة ترتيب للأدوار داخل معسكر الحلفاء التقليديين لتل أبيب في المنطقة. فهذه التحولات لا تُقرأ إسرائيلياً بمعزل عن تأثيرها على أمن الملاحة، وتوازنات البحر الأحمر، وخطوط التواصل غير المباشر مع الخليج، ما يجعل اليمن ساحة مراقبة استراتيجية، حتى وإن بدت بعيدة جغرافيًا عن الصراع المباشر.
غير أن هذا الحذر الإسرائيلي لا يعني الخروج من المشهد أو فقدان القدرة على التأثير، بل يعكس اعتماد استراتيجية الصبر الاستراتيجي وإدارة الصراع طويل النفس. فإسرائيل تدرك أن المرحلة الراهنة تتسم بسيولة عالية في التحالفات، وأن أي تدخل متسرّع قد يقيد خياراتها المستقبلية. من هنا، يفهم تريّثها بوصفه استثماراً في الزمن السياسي، لا تخليًا عن الدور.
وتكتسب اللقاءات التي جمعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهاية عام 2025 دلالة خاصة في هذا الإطار، إذ أسهمت في إعادة فتح ملفات كانت مؤجّلة، وفي إعادة تنسيق الرؤى حول أولويات الأمن الإقليمي. وقد شكّلت هذه اللقاءات مؤشراً على أن إسرائيل ما زالت عنصراً فاعلاً في معادلة صنع القرار الأمريكي، حتى وإن بدا حضورها أقل صخباً في بعض الساحات.
وعليه، فإن السلوك الإسرائيلي في هذه المرحلة يمكن فهمه بوصفه محاولة لإعادة ترتيب الأولويات، وضبط إيقاع التدخل، وانتظار لحظة تبلور التوازنات الجديدة قبل الانتقال إلى مرحلة أكثر فاعلية. وفي هذا السياق، يبقى الملف الكوردي، رغم غيابه النسبي عن الخطاب العلني، أحد العناصر التي تدرج ضمن الحسابات الإسرائيلية طويلة الأمد، لا سيما في ما يتصل بمسألة التوازن الإقليمي ومنع هيمنة طرف واحد على المشهد السوري.
واشنطن: تعدد مراكز القرار وفرصة إعادة إدراج الملف الكوردي
على خلاف ما تفترضه كثير من القراءات التبسيطية، لا تمثل الولايات المتحدة فاعلاً سياسياً أحادي الإرادة، بل منظومة معقدة من مراكز القرار المتداخلة، تتوزع بين البيت الأبيض، والكونغرس بغرفتيه، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، إلى جانب مراكز التفكير واللوبيات المؤثرة. ويشكل هذا التعدد البنيوي أحد العوامل الأساسية التي تحد من قدرة أي محور إقليمي على فرض رؤيته الكاملة أو تمرير ترتيباته دون اعتراض أو مراجعة داخلية، لا سيما في الملفات الحساسة المرتبطة بأمن إسرائيل أو بالتوازنات الدولية مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا.
في هذا السياق، ورغم محاولات بعض الفاعلين الإقليميين الاستفادة من قنوات تنفيذية داخل الإدارة الأمريكية، ظل الكونغرس يحتفظ بهامش تأثير فعلي، سواء عبر أدوات التشريع، أو الرقابة، أو التأثير في صياغة الخطاب السياسي العام. ويبرز هذا الدور بصورة أوضح في القضايا التي تمس البنية الاستراتيجية للشرق الأوسط، حيث يميل الكونغرس إلى تبنّي مقاربات أكثر حذرًا تجاه التحولات السريعة أو الصفقات العابرة التي قد تخل بتوازنات طويلة الأمد.
ضمن هذا الهامش، عاد الملف الكوردي ليظهر مجدداً في بعض دوائر صنع القرار الأمريكي، ليس بوصفه أولوية مركزية، بل كملف لم يغلق بعد، ويمكن إعادة تفعيله في لحظات إعادة التوازن. وقد أسهمت شخصيات نافذة داخل الكونغرس، وفي مقدمتها السيناتور ليندسي غراهام، في إعادة إدراج هذا الملف ضمن النقاشات المرتبطة بأمن المنطقة واستقرارها، مستندة إلى شبكة علاقات سياسية ولوبيات فاعلة، ولا سيما تلك المرتبطة بالاعتبارات الإسرائيلية.
هذا الحراك داخل الكونغرس أوجد ما يمكن وصفه بـ”فراغ تنفيذي نسبي”، لم تعد فيه الإدارة الأمريكية قادرة أو راغبة في إدارة الملف الكوردي بصورة مباشرة، لكنها في الوقت نفسه لم تفوضه بالكامل إلى المحور الإقليمي الصاعد. وفي هذا الفراغ، برز الدور الأوروبي، وخصوصاً الفرنسي، كقناة بديلة لإدارة هذا الملف، سواء عبر التواصل السياسي المباشر مع القيادات الكوردية، أو من خلال لعب دور الوسيط المقبول دولياً في مرحلة تتسم بحساسية عالية.
وتعكس التحركات الفرنسية الأخيرة، سواء من خلال الزيارات إلى هولير أو اللقاءات مع قيادات روج آفا، إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن القضية الكوردية لم تصل إلى مرحلة الحسم، بل جرى تأجيلها في إطار ترتيبات مؤقتة فرضتها أولويات أخرى. ففرنسا، التي تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية الاستقرار طويل الأمد ومكافحة الفوضى العابرة للحدود، ترى في استمرار تهميش الملف الكوردي عامل عدم استقرار مؤجل، لا مشكلة منتهية.
وعليه، فإن تعدد مراكز القرار داخل واشنطن، على الرغم مما يخلقه من ارتباك في السياسة الأمريكية أحياناً، يفتح في المقابل نافذة محدودة ولكن مهمة أمام الفاعلين الكورد لإعادة طرح قضيتهم ضمن سياق دولي أوسع، شرط امتلاك خطاب سياسي متماسك، وقدرة على التحرك الدبلوماسي المنظم، والاستفادة من التباينات داخل النظام الدولي بدل الارتهان لمحور واحد أو قراءة أحادية للمشهد الأمريكي.
المعضلة الكوردية الداخلية: بين النقد الذاتي وضرورة التحول
لا يمكن مقاربة التحديات التي واجهها الملف الكوردي في مرحلة ما بعد اتفاق 29 كانون الثاني/يناير بمعزل عن البنية الداخلية للحركة السياسية الكوردية ذاتها. فإلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية، برزت الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة للتجربة السياسية والعسكرية السابقة، مراجعة تتجاوز منطق التبرير والدفاع، وتتجه نحو نقد ذاتي جذرّي يعيد تعريف الأولويات والأدوات معاً.
إن النقاش الدائر داخل الساحة الكوردية اليوم يشكل فرصة نادرة، إذا ما جرى التقاطه بجدية، للانتقال من ردود الفعل العاطفية والشعارات التعبوية إلى عملية تقييم عقلانية تستند إلى الوقائع لا إلى النوايا. فالأزمات الكبرى، في التجارب السياسية المقارنة، غالباً ما كانت لحظات تأسيس لتحولات نوعية، لا مجرد محطات انكسار.
في هذا الإطار، تبرز ضرورة إعادة بناء شبكة العلاقات الإقليمية والدولية على أساس منطق المصالح المتبادلة، لا على خطاب رمزي أو أخلاقي لا يجد صدى فعلياً لدى مراكز القرار. فقد أثبتت التجربة أن الرهان على التعاطف الدولي أو على سرديات ثورية مجردة لا يكفي لتأمين حماية سياسية أو ضمانات استراتيجية في بيئة إقليمية شديدة البراغماتية.
بالتوازي مع ذلك، تبرز الحاجة إلى إحياء الوعي القومي الكوردي على مستوى عموم كوردستان، لا بوصفه خطاباً تعبوياً ضيقاً، بل كإطار جامع يعيد ربط التجارب الكوردية المختلفة ضمن رؤية مشتركة للمصير والحقوق. فالتجزئة الجغرافية والسياسية، حين تدار دون وعي قومي جامع، تتحول من واقع مفروض إلى عامل إضعاف ذاتي.
كما لا يمكن تجاوز المعضلة الكوردية دون معالجة التشرذم الحزبي المزمن، الذي استنزف الطاقات وأضعف الموقف التفاوضي، سواء داخلياً أو خارجياً. والمطلوب هنا ليس صيغ تنسيق شكلية أو جبهات ظرفية، بل اندماجات سياسية حقيقية تقوم على برامج واضحة، وآليات اتخاذ قرار مشتركة، وتمثيل شرعي يعكس الوزن الحقيقي للقوى المختلفة.
إلى جانب ذلك، يفرض الواقع الدولي الراهن ضرورة التخلي عن الأوهام الأيديولوجية التي لم تنجح في بناء تحالفات مستدامة، ولم تجد قبولاً لدى القوى المؤثرة في النظام الدولي. فالإصرار على نماذج خطابية معزولة عن السياق العالمي لا يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة السياسية، مهما كانت دوافعها الأخلاقية أو الثورية.
وأخيراً، تبرز مسألة إعادة ضبط العلاقة بين القيادة العسكرية والشرعية السياسية بوصفها إحدى القضايا الأكثر حساسية. فالتجارب التاريخية تظهر أن اختلال هذه العلاقة – سواء عبر عسكرة القرار السياسي أو تهميش التمثيل المدني – يؤدي في النهاية إلى تآكل الشرعية وإضعاف القدرة على المناورة. وعليه، فإن بناء مرجعية سياسية كوردية جامعة، تتمتع بشرعية تمثيلية واضحة، وتخضع لها الأدوات العسكرية ضمن إطار وطني جامع، يشكل شرطاً أساسياً لأي مشروع سياسي قابل للاستمرار.
في المحصلة، لا يكمن التحدي الحقيقي أمام الحركة الكوردية اليوم في حجم الضغوط الخارجية فحسب، بل في قدرتها على تحويل لحظة الإرباك الحالية إلى نقطة انطلاق لتحول بنيوي عميق، يعيد تعريف الذات، ويصحح المسار، ويؤسس لمرحلة أكثر واقعية وفاعلية في التعامل مع الإقليم والعالم.
خلاصة:
في المحصلة، لا تعبر المرحلة الراهنة عن هزيمة تاريخية نهائية للكورد، كما لا يمكن قراءتها بوصفها انتصاراً مؤجلاً ينتظر ظرفاً أفضل، بل هي لحظة انتقالية مركبة تتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم الاستقرار. فالتوازنات الإقليمية والدولية لم تبلغ بعد نقطة الترسخ، والخرائط السياسية في سوريا والعراق ما تزال قيد التشكل، لا قيد الحسم، وهو ما يجعل مصير القضية الكوردية مرهوناً مباشرة بمآلات الصراعات الكبرى الدائرة في الإقليم، لا بإرادة الفاعلين المحليين وحدهم.
غير أن خطورة هذه المرحلة لا تكمن فقط في الضغوط الخارجية، بل في احتمال الخطأ في القراءة. فالرهان على اتفاقات مؤقتة، أو على ضمانات إقليمية متبدلة، أو على حماية ظرفية من قوة دولية، أثبت تاريخياً أنه رهان هش، سرعان ما ينهار مع أول تبدل في موازين المصالح. وعليه، فإن الاستمرار في إدارة القضية الكوردية بعقلية ردّ الفعل، أو بمنطق “تفادي الخسائر”، لا يؤدي إلا إلى تكريس التهميش السياسي وإفراغ أي مكسب سابق من مضمونه الاستراتيجي.
إن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من سياسة التكيف إلى سياسة الفعل:
فعل يقوم على قراءة دقيقة للحظة الدولية، وإعادة تموضع عقلاني يوازن بين الواقعية السياسية والحفاظ على الحد الأدنى من الحقوق القومية، وبناء مشروع سياسي كوردي واضح المعالم، قابل للتسويق دولياً، ومنسجم داخلياً. مشروع لا يختزل في البعد العسكري، ولا يرتهن بالكامل للتحالفات الخارجية، بل يستند إلى شرعية سياسية جامعة، وإلى وحدة قرار، وإلى خطاب يتقاطع مع منطق النظام الدولي لا مع أوهامه الأيديولوجية.
إن فشل الكورد في بلورة هذا التحول سيعني، في المدى المتوسط، القبول الضمني بخرائط ترسم من دونهم، وربما ضدهم. أما نجاحهم في ذلك، فلن يضمن بالضرورة تحقيق الطموحات القصوى، لكنه على الأقل سيمنع الإقصاء الكامل، ويثبت الوجود الكوردي كفاعل سياسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
وعليه، فإن هذه المرحلة ليست لحظة انتظار، بل لحظة اختبار تاريخي:
إما إعادة إنتاج الذات السياسية الكوردية بما ينسجم مع معادلات القوة الجديدة، أو التحول إلى ملف مؤجّل آخر في أرشيف الصراعات المنسية.