بقلم: د. عدنان بوزان
لم يعد السؤال السوري اليوم يتمحور حول الطرف الذي انتصر عسكرياً أو الجهة التي استطاعت فرض نفوذها على مساحة جغرافية أكبر، فهذه الأسئلة، على أهميتها، لم تعد كافية لفهم طبيعة التحولات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية. لقد انتقلت الأزمة السورية من كونها صراعاً على السلطة إلى أزمة في مفهوم السلطة ذاته، ومن نزاع حول الدولة إلى إعادة تشكيل لمعنى الدولة ووظائفها وحدود سيادتها. ولهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد: من يسيطر على الأرض؟ وإنما: من يحكم سوريا فعلياً؟ وكيف تنتج السلطة وتمارس وتدار داخل فضاء سياسي شديد التعقيد؟
لقد أفرزت سنوات الحرب الطويلة واقعاً سياسياً وإدارياً وأمنياً يختلف جذرياً عن النموذج التقليدي للدولة الوطنية المركزية. فلم تعد السلطة محصورة في مؤسسة واحدة، ولم يعد القرار السياسي يصدر من مركز واحد، كما لم تعد السيادة تمارس بصورة متجانسة على كامل الإقليم. وبدلاً من ذلك، تشكلت في سوريا منظومة معقدة من مراكز القوة، تتداخل فيها السلطات الرسمية مع السلطات الأمر الواقع، وتتقاطع فيها المصالح المحلية مع الأجندات الإقليمية والتوازنات الدولية، بحيث أصبحت بنية الحكم أكثر تركيباً من مجرد وجود حكومة مركزية أو إدارات محلية أو قوى عسكرية متنافسة.
إن الدولة السورية، بوصفها كياناً قانونياً معترفاً به دولياً، لم تنهر بالمعنى الكامل، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من احتكارها التاريخي لوظائف الدولة الأساسية. فقد تعرضت قدرتها على إدارة الأمن، واحتكار استخدام القوة، وتنظيم الاقتصاد، وإنتاج التشريع، وإدارة المجال العام، إلى تحولات عميقة فرضتها سنوات الصراع. وفي المقابل، برزت فواعل جديدة تمتلك أدوات تأثير ونفوذ لا تقل أهمية عن مؤسسات الدولة نفسها، سواء كانت قوى عسكرية، أو إدارات ذاتية، أو شبكات اقتصادية، أو قوى اجتماعية ومحلية، أو أطرافاً خارجية أصبحت جزءاً من معادلة الحكم وصناعة القرار.
ومن هنا، فإن تحليل المشهد السوري لم يعد ممكناً بالاعتماد على مفاهيم الدولة الكلاسيكية وحدها، التي تقوم على افتراض وحدة السلطة ووحدة القرار ووحدة السيادة. فالساحة السورية تقدم اليوم نموذجاً أكثر تعقيداً، تتعايش فيه أنماط متعددة من الشرعية؛ شرعية دستورية، وشرعية الأمر الواقع، وشرعية القوة العسكرية، وشرعية الاعتراف الدولي، وشرعية الإدارة المحلية، وكل واحدة منها تمتلك أدوات مختلفة للتأثير، وتتقاطع أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى.
وفي ضوء ذلك، يغدو سؤال «من يحكم من؟» سؤالاً يتجاوز البحث عن هوية الحاكم ليصبح بحثاً في طبيعة إنتاج السلطة نفسها، وفي الكيفية التي توزع بها الصلاحيات، وتدار بها الموارد، وتبنى بها الشرعيات، وتصاغ عبرها موازين القوة. كما يصبح سؤال «كيف يحكم؟» أكثر أهمية من سؤال «من يحكم؟»، لأن أنماط الحكم لم تعد تعتمد على المركزية التقليدية وحدها، بل أصبحت ترتكز على شبكة معقدة من التوافقات والضغوط والاعتمادات المتبادلة بين الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين.
ومن هذا المنطلق، تحاول هذه الدراسة تجاوز القراءة التبسيطية التي تختزل الأزمة السورية في صراع بين السلطة والمعارضة أو بين الدولة والجماعات المسلحة، لتقدم قراءة بنيوية لطبيعة الحكم في سوريا اليوم، من خلال تحليل مراكز القوة، وأنماط السيادة، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقة بين المؤسسات الرسمية والسلطات الفعلية، ومدى تأثير العوامل الخارجية في إعادة تشكيل الدولة السورية. فالغاية ليست فقط الإجابة عن سؤال من يحكم سوريا، بل فهم البنية السياسية الجديدة التي تشكلت خلال سنوات الصراع، واستشراف ما إذا كانت البلاد تتجه نحو استعادة نموذج الدولة المركزية، أم نحو نموذج جديد يقوم على تعدد مراكز السلطة، وإعادة تعريف الدولة والسيادة والحكم في سوريا المستقبل.
أولاً: استمرار تفكك مركز السلطة وإعادة إنتاج الدولة الأحادية
لم يؤدِّ سقوط النظام البعثي إلى ولادة دولة سورية جديدة تقوم على العقد الاجتماعي والمواطنة المتساوية، كما كان يأمل كثير من السوريين، بل دخلت البلاد مرحلة انتقالية حملت معها إشكاليات جديدة تتعلق بطبيعة السلطة، وهوية الدولة، وآليات إدارة التنوع القومي والديني والمذهبي. وبدلاً من الانتقال نحو نظام سياسي تعددي يعترف بالواقع السوري المركب، اتجهت السلطة الجديدة، إلى إعادة إنتاج نموذج الدولة الأحادية، ولكن بمرجعية أيديولوجية مختلفة، انتقلت من القومية البعثية إلى الخطاب الإسلاموي الجهادي، مع استمرار المنطق المركزي في إدارة البلاد.
فبدلاً من بناء دولة تستوعب جميع المكونات السورية كشركاء متساوين في السلطة والثروة والقرار، استمر التعامل مع قطاعات واسعة من المجتمع من خلال منطق التخوين والتصنيف الأمني، حيث أُعيد إنتاج ثنائية «الموالي» و«المعادي» بصيغ جديدة، وأصبحت الاتهامات بالانفصال أو العمالة أو الارتباط بقوى خارجية أداةً سياسية لتبرير المواجهات العسكرية، تماماً كما كانت السلطة السابقة تستخدم اتهامات الإرهاب أو المساس بالوحدة الوطنية لتبرير سياساتها الأمنية.
وفي هذا السياق، شهد الساحل السوري مواجهات واسعة جرى تقديمها تحت عنوان ملاحقة «فلول النظام السابق»، إلا أن هذه العمليات، بحسب تقارير حقوقية وشهادات متعددة، رافقتها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، الأمر الذي عمق الانقسام المجتمعي، وأعاد إنتاج مشاعر الخوف والانتقام بدلاً من إطلاق مسار للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
ولم تقتصر هذه الأزمة على الساحل، بل امتدت إلى محافظة السويداء، حيث تصاعد التوتر بين السلطة الجديدة والقوى المحلية، في ظل خطاب سياسي اتهم بعض القوى بالسعي إلى تقسيم البلاد، بينما رأت أطراف محلية أن مطالبها تتعلق بالإدارة المحلية والحقوق السياسية والأمن المجتمعي. وقد أسهمت المواجهات المسلحة والانتهاكات التي رافقتها في تعميق الشرخ بين المركز والمجتمع المحلي، وأضعفت فرص بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها.
أما في المناطق الكوردية، فقد استمرت الأزمة بصورة أكثر تعقيداً. فمنذ الأحداث التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، وصولاً إلى التوترات المستمرة في شمال وشرق سوريا، ظل الخطاب الرسمي ينظر إلى القوى السياسية والعسكرية الكوردية من منظور أمني، مستخدماً أوصافاً من قبيل «الانفصاليين» أو «القنديليين»، بدلاً من التعامل مع القضية الكوردية باعتبارها قضية سياسية ووطنية تتعلق بالاعتراف الدستوري والحقوق القومية والإدارة الديمقراطية. ووفق منتقدي هذا النهج، فإن هذا الخطاب أعاق فرص الحوار السياسي، وأبقى العلاقة بين المركز والمناطق الكوردية محكومة بمنطق المواجهة أكثر من منطق التسوية.
وبذلك، فإن سقوط النظام السابق لم يؤدِّ إلى إنهاء حالة التفكك التي أصابت الجغرافيا السورية، وإنما انتقلت البلاد إلى مرحلة جديدة ما تزال تعاني من تعدد مراكز النفوذ، واستمرار الانقسامات المجتمعية، وغياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب مختلف المكونات السورية. فما تزال السلطة الفعلية موزعة بين قوى متعددة، وما تزال الثقة بين المركز والأطراف ضعيفة، وما تزال الحلول الأمنية تتقدم في كثير من الأحيان على الحلول السياسية، الأمر الذي يجعل وحدة سوريا الجغرافية لا تعني بالضرورة وحدة الدولة سياسياً أو مؤسساتياً.
ومن ثم، فإن الأزمة السورية في مرحلتها الراهنة لم تعد أزمة تغيير سلطة فحسب، بل أصبحت أزمة بنية دولة وهوية نظام سياسي. والسؤال لم يعد: من يحكم دمشق؟ بل: هل تستطيع أي سلطة، مهما كانت مرجعيتها الأيديولوجية، أن تحكم سوريا بعقلية الإقصاء واحتكار السلطة في مجتمع متعدد القوميات والأديان والطوائف؟ أم أن استقرار البلاد يقتضي الانتقال إلى نموذج ديمقراطي تعددي ولا مركزي يعترف بالتنوع بوصفه أساساً لبناء الدولة، لا تهديداً لوحدتها؟
ثانياً: من يحكم سوريا؟ تعدد مراكز القرار ومصادرة الإرادة الوطنية
لم يعد السؤال في سوريا اليوم يتعلق فقط بمن يمتلك السلطة داخل دمشق، وإنما بمن يمتلك القرار السياسي الحقيقي. فالحكم، في معناه الدستوري، لا يقتصر على إدارة المؤسسات أو إصدار القرارات الإدارية، بل يعني امتلاك الإرادة السيادية المستقلة القادرة على رسم السياسات الداخلية والخارجية للدولة. ومن هذه الزاوية، تبدو سوريا اليوم بعيدة عن نموذج الدولة ذات القرار الوطني المستقل.
فبعد سقوط النظام البعثي وصعود السلطة الجديدة، لم تنتقل البلاد إلى مرحلة استعادة السيادة الوطنية، بل استمرت حالة التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية، حتى أصبح القرار السياسي السوري، في كثير من الملفات، مرتبطاً بموازين القوى الإقليمية والدولية أكثر من ارتباطه بالإرادة الوطنية السورية. ولم تعد السلطة المركزية قادرة على اتخاذ قراراتها بمعزل عن حسابات الفاعلين الخارجيين، كما أن القوى المحلية الأخرى هي أيضاً مرتبطة بدرجات متفاوتة بتحالفات ودعم خارجي، الأمر الذي جعل سوريا ساحةً تتقاطع فيها مشاريع ومصالح متعددة.
وبذلك، لم يعد السوريون وحدهم هم الذين يحددون مستقبل دولتهم، بل أصبحت مراكز القرار موزعة بين السلطة القائمة، والقوى المحلية المختلفة، والفاعلين الإقليميين، والقوى الدولية المؤثرة في الملف السوري. وأصبحت القرارات المتعلقة بالأمن، والاقتصاد، والحدود، والعلاقات الخارجية، وحتى الترتيبات العسكرية والإدارية في بعض المناطق، تتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذه التوازنات.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن شرعية سياسية واحدة تحتكر السلطة كما هو الحال في الدول المستقرة، بل عن شرعيات متنافسة ومتداخلة، لكل منها مصادرها وأدواتها ومجالات نفوذها. فهناك سلطة رسمية تدير مؤسسات الدولة من دمشق وتسعى إلى تثبيت شرعيتها السياسية، وهناك إدارات وسلطات محلية تمتلك شرعية الأمر الواقع من خلال إدارتها اليومية للمجتمع، كما توجد قوى عسكرية وأمنية تؤثر في صناعة القرار بحكم امتلاكها القوة على الأرض، إلى جانب التأثير الحاسم للقوى الإقليمية والدولية التي أصبحت عنصراً بنيوياً في تشكيل القرار السوري.
ومن ثم، فإن الأزمة السورية لم تعد أزمة تنازع بين سلطات داخلية فحسب، وإنما أزمة سيادة وطنية أيضاً. فالسلطة السياسية لا تحتكر القرار بصورة كاملة، والفاعلون المحليون لا يتحركون بمعزل عن محيطهم الإقليمي والدولي، كما أن التوازنات الخارجية أصبحت جزءاً من بنية النظام السياسي القائم، لا مجرد عامل ضغط عليه.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: «من يحكم سوريا؟»، بل: «من يصنع القرار السوري؟». فالحكم لا يقاس بعدد المؤسسات التي تديرها السلطة، وإنما بقدرتها على امتلاك قرارها السيادي بحرية واستقلال. وما دامت الإرادة الوطنية موزعة بين مراكز نفوذ داخلية وخارجية، فإن سوريا ستظل تعيش أزمة دولة أكثر مما تعيش أزمة حكومة، وأزمة سيادة أكثر مما تعيش أزمة انتقال سياسي.
ثالثاً: الدولة بين الفكرة والممارسة... من الدولة الوطنية إلى سلطة الإقصاء
تكشف التجربة السورية، ولا سيما في مرحلة ما بعد سقوط النظام البعثي، عن مفارقة عميقة بين الدولة بوصفها فكرة سياسية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وبين الدولة كما مورست تاريخياً بوصفها أداة لاحتكار السلطة وإقصاء المخالفين. فالأزمة السورية لم تكن في جوهرها أزمة أشخاص أو حكومات، بل أزمة بنية دولة تأسست منذ عقود على المركزية المطلقة، وإنكار التعدد القومي والديني والمذهبي، وربط وحدة البلاد بوحدة السلطة، لا بوحدة المجتمع.
وكانت الآمال معقودة على أن يشكل سقوط النظام السابق فرصة لإعادة تأسيس الدولة السورية على عقد اجتماعي جديد يعترف بجميع مكوناتها، ويؤسس لدولة ديمقراطية تعددية تقوم على المواطنة المتساوية، واللامركزية، والفصل بين السلطات، واحترام الحقوق والحريات. إلا أن مسار المرحلة الجديدة، وفق هذه القراءة، اتجه نحو إعادة إنتاج المنطق ذاته الذي حكم الدولة السورية لعقود، مع اختلاف المرجعية الأيديولوجية فقط؛ فبدلاً من القومية البعثية، برز خطاب ذو مرجعية إسلاموية جهادية، بينما بقيت آليات الحكم قائمة على احتكار السلطة، ورفض الشراكة السياسية، والنظر إلى التعدد بوصفه تهديداً ينبغي إخضاعه لا حقيقة وطنية ينبغي إدارتها.
وقد انعكس هذا المنهج في طريقة التعامل مع عدد من المناطق والمكونات السورية، حيث غلبت المقاربة الأمنية والعسكرية على المقاربة السياسية، واستخدمت اتهامات مثل «فلول النظام»، و«الانفصاليين»، و«القنديليين»، وغيرها من التصنيفات السياسية والأمنية، بوصفها مبررات للمواجهات العسكرية بدل أن تكون القضايا المطروحة مدخلاً لحوار وطني شامل يعالج جذور الأزمة السورية.
وبذلك، لم تستطع الدولة، في صورتها الجديدة، أن تتحول إلى إطار جامع لجميع السوريين، بل بقيت موضع خلاف بين قطاعات واسعة من المجتمع، لأن الممارسة السياسية ما زالت، وفق هذا التحليل، تقوم على منطق الغلبة أكثر من منطق التوافق، وعلى فرض السلطة أكثر من بناء الشرعية، وعلى إخضاع الأطراف أكثر من إشراكها في صنع القرار.
ومن هنا، لم تعد الدولة السورية تُعرَّف فقط بوصفها مؤسسة تحتكر استخدام القوة أو تدير الإقليم، وإنما أصبحت موضع نزاع حول ماهيتها ووظيفتها. فهل الدولة هي سلطة مركزية تفرض إرادتها على مجتمع متعدد؟ أم أنها عقد سياسي يجمع القوميات والأديان والطوائف ضمن نظام ديمقراطي يضمن الشراكة المتساوية؟ وهل تتحقق وحدة البلاد عبر المركزية والإقصاء، أم عبر الاعتراف بالتعدد وتحويله إلى أساس للاستقرار السياسي؟
إن هذه الأسئلة تكشف أن الأزمة السورية الراهنة ليست مجرد أزمة حكم أو انتقال سلطة، بل أزمة في تعريف الدولة نفسها. فما دامت الدولة تمارس بوصفها سلطة لفئة أو أيديولوجيا، لا بوصفها إطاراً جامعاً لجميع المواطنين، فإنها ستبقى عاجزة عن إنتاج شرعية وطنية مستقرة، وسيظل الصراع يدور حول من يحتكر السلطة، بدل أن ينتقل إلى كيفية بناء دولة يتشارك السوريون جميعاً في إدارتها وصناعة مستقبلها.
رابعاً: إشكالية إعادة بناء السلطة وإعادة دمج الجغرافيا السياسية السورية
تواجه سوريا في مرحلتها الراهنة إشكالية مركزية لا تتعلق فقط بإعادة توحيد المؤسسات أو ترميم البنية الإدارية للدولة، بل تتعلق بإعادة تعريف شكل السلطة ذاته داخل جغرافيا سياسية ما تزال متعددة المراكز ومجزأة الوظائف. فمسألة “إعادة الإدماج” لا يمكن التعامل معها بوصفها عملية تقنية أو إدارية تهدف إلى توحيد الهياكل الحكومية، بل هي في جوهرها عملية سياسية بنيوية تمس طبيعة الدولة المستقبلية وحدود سيادتها وآليات إنتاج شرعيتها.
وفي ظل استمرار حالة التعدد الفعلي لمستويات الحكم، وتداخل السلطات المركزية مع السلطات المحلية، وبقاء تأثير الفاعلين الإقليميين والدوليين جزءاً من بنية القرار السياسي، يصبح سؤال إعادة بناء السلطة سؤالاً مفتوحاً حول النموذج السياسي الممكن لسوريا، أكثر مما هو مجرد مشروع لإعادة إنتاج نموذج سابق بصيغة معدلة.
هل يفهم “الاندماج” بوصفه إعادة مركزية السلطة تحت إدارة مركز سياسي واحد أكثر صلابة وقدرة على الضبط والسيطرة؟
أم أنه يتجه نحو الاعتراف الدستوري بتعدد مستويات الحكم، بما يسمح بتوزيع الصلاحيات ضمن إطار لامركزي يراعي الخصوصيات المحلية ويخفف من منطق الاحتكار المركزي؟
أم أن المسار الواقعي سيفرض صيغة هجينة ومعقدة، تتداخل فيها المركزية مع أشكال من اللامركزية السياسية والإدارية، بما يعيد تعريف مفهوم الدولة نفسه بوصفه شبكة من السلطات المتداخلة بدل كيان سيادي أحادي البنية؟
إن غياب حسم نظري وسياسي لهذه الإشكاليات يجعل أي خطاب حول “وحدة الدولة السورية” أقرب إلى مشروع قيد التشكل منه إلى واقع سياسي مستقر. فالوحدة، في السياق السوري، لم تعد مسألة جغرافيا أو حدود، بل مسألة نمط حكم، وتوزيع سلطة، وإعادة إنتاج شرعية قادرة على استيعاب التعدد القائم بدل إعادة إنتاج أزمته.
وبذلك، فإن مستقبل الدولة السورية يتوقف على الإجابة عن سؤال جوهري يتجاوز البنية الإدارية إلى البنية السياسية العميقة: هل تستطيع سوريا إنتاج نموذج حكم يعترف بالتعدد بوصفه قاعدة تأسيسية، أم أنها ستبقى أسيرة محاولة إعادة إنتاج المركز الواحد بصياغات مختلفة، مع استمرار التوتر بين المركز والأطراف؟
خامساً: السلطة كعملية متحركة لا كيان ثابت
في الحالة السورية الراهنة، لم تعد السلطة قابلة للفهم بوصفها كياناً سياسياً ثابتاً ومركزياً يمكن تحديده ضمن مؤسسة واحدة أو جهة حكم واحدة، بل تحولت إلى عملية ديناميكية مستمرة لإنتاج النفوذ وإعادة توزيعه داخل فضاء سياسي شديد التداخل والتعقيد. فالحكم لم يعد يمارس من مركز واحد بصورة عمودية، وإنما عبر شبكات متعددة المستويات، تتقاطع فيها البنى الرسمية مع الفواعل المحلية، والاعتبارات الأمنية مع التوازنات السياسية، والتأثيرات الداخلية مع التدخلات الإقليمية والدولية.
وتتغير أدوات ممارسة السلطة تبعاً لاختلاف الجغرافيا السياسية داخل البلاد، حيث تختلف أنماط الحكم وآليات الضبط الإداري والأمني من منطقة إلى أخرى، وفقاً لتوازنات القوة المحلية وطبيعة الفاعلين المسيطرين على الأرض. كما تتبدل آليات إنتاج القرار السياسي والإداري تبعاً للتحولات الأمنية والعسكرية، التي ما تزال تمثل عنصراً حاسماً في تشكيل المجال العام وتحديد حدود الفعل السياسي.
وفي هذا السياق، لم يعد من الممكن فهم السلطة بوصفها بنية مغلقة أو جهازاً سيادياً أحادي الاتجاه، بل بوصفها شبكة علاقات متحركة تتشكل باستمرار من التفاعل بين مستويات متعددة: المحلي بما يحمله من سلطات أمر واقع وإدارات مدنية، والإقليمي بما يقدمه من دعم أو ضغط أو تأثير مباشر، والدولي بما يفرضه من أطر تفاوضية وتوازنات سياسية واقتصادية تعيد صياغة مسارات القرار السوري.
ومن هنا، تفرض الحالة السورية مقاربة تحليلية مختلفة تتجاوز السؤال التقليدي: «من يحكم؟»، لصالح سؤال أكثر تركيباً ودقة: «كيف تمارس السلطة؟»، ومن خلال أي شبكات من الفاعلين والمؤسسات والتوازنات يتم إنتاج القرار السياسي وإعادة توزيعه؟ ففهم السلطة في سوريا اليوم لا يمكن أن ينفصل عن فهم بنيتها الشبكية المتعددة، ولا عن إدراك طبيعتها المتغيرة التي تجعلها أقرب إلى عملية مستمرة من التفاوض والصراع وإعادة التشكل، بدل أن تكون نظاماً مستقراً ونهائياً للحكم.
في الختام، يتضح أن الإشكالية السورية لا تتمثل فقط في تعدد الفاعلين الذين يتنازعون ممارسة السلطة أو في تشظي مراكز القرار، بل في أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبقدرتها على أن تُعرَّف بوصفها إطاراً جامعاً ومستقراً لتنظيم المجتمع وإنتاج الشرعية السياسية.
فما يجري في سوريا اليوم لا يمكن فهمه بوصفه مجرد انتقال غير مكتمل من نظام سياسي إلى آخر، بل بوصفه لحظة إعادة تشكل لمفهوم الدولة ذاته، حيث ما تزال حدودها ووظائفها ومصادر شرعيتها موضع نزاع مفتوح، وما تزال العلاقة بين المركز والأطراف، وبين المجتمع والسلطة، وبين الداخل والخارج، غير محسومة على مستوى بنيوي مستقر.
ولهذا، فإن سوريا لا تقف فقط عند مفترق سياسي يتعلق بمن يحكم ومن يعارض، بل عند مفترق أعمق وأخطر يتعلق بسؤال الدولة نفسه: ما هي الدولة السورية اليوم؟ هل هي كيان سيادي موحد قادر على احتكار القرار؟ أم هي بنية متحركة تتوزع فيها السلطة بين مستويات متعددة من الفاعلين؟ أم أنها ما تزال في مرحلة إعادة تعريف مفتوحة، لم تستقر بعد على نموذجها النهائي؟
ومن هنا، يصبح السؤال الذي يلخص هذه الدراسة أكثر دقة وعمقاً من أي وقت مضى:
سوريا في مفترق الدولة: من يحكم من؟ وكيف؟