بقلم: د. عدنان بوزان
مقدمة:
تقاس شرعية الدول الحديثة، في الفقه الدستوري والقانون الدولي العام، بمدى التزامها الفعلي بحماية الحقوق المدنية والتربوية لمواطنيها على أساس المساواة وعدم التمييز. ولم يعد مفهوم الدولة، في السياق المعاصر، قائماً على احتكار السلطة أو فرض هوية أحادية، بل بات مشروطاً بمدى احترامها لمبادئ المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والاعتراف بالتعدد القومي واللغوي والثقافي بوصفه عنصر غنى لا تهديداً للوحدة السياسية.
غير أن تجربة الشعب الكوردي في دول الشرق الأوسط تكشف عن خللٍ بنيوي عميق في بنية الدولة الوطنية التي تشكلت عقب تفكك الإمبراطوريات وبروز الدول القومية الحديثة. فقد أُعيد تعريف الدولة، في كثير من هذه التجارب، على أسس قومية إقصائية، تحولت بموجبها القوانين والدساتير من أدوات لحماية الحقوق والحريات إلى آليات قانونية لإعادة إنتاج التمييز، وإنكار الوجود القومي، وتجريد فئات كاملة من المواطنين من حقوقهم المدنية والتربوية الأساسية.
لقد استخدمت النصوص القانونية، في الحالة الكوردية، ليس بوصفها ضمانات للعدالة، بل كوسائل لإضفاء المشروعية الشكلية على سياسات الإقصاء اللغوي والثقافي والسياسي. فتم تقييد استخدام اللغة الكوردية، وإقصاء التاريخ الكوردي من المناهج التعليمية، وتجريم أشكال التعبير السياسي السلمي، تحت ذرائع تتعلق بوحدة الدولة أو الأمن القومي، في تعارضٍ واضح مع المبادئ الدستورية العامة ومع الالتزامات الدولية التي تعهدت بها تلك الدول.
من هنا، فإن بحث الحقوق المدنية والتربية للشعب الكوردي لا يندرج ضمن الخطاب الثقافي أو العاطفي، ولا يمكن اختزاله في مطالب رمزية أو هوياتية، بل يشكل مسألة قانونية–سياسية بامتياز، تتصل اتصالاً مباشراً بجوهر مفهوم المواطنة، وبمبدأ سيادة القانون، وبمدى احترام الدول لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالحقوق المدنية، بما تتضمنه من مساواة أمام القانون وحرية التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، والحقوق التربوية، بما تشمله من حق التعليم دون تمييز والحق في اللغة والهوية الثقافية، هي حقوق أساسية غير قابلة للتصرف أو التعليق أو التقييد التعسفي.
كما أن حرمان الشعب الكوردي من هذه الحقوق لا يعد مجرد إخلال بالتزامات داخلية، بل يرقى إلى مستوى الانتهاك المنهجي لقواعد آمرة في القانون الدولي، ولا سيما تلك التي تحظر التمييز على أساس القومية أو اللغة، وتكفل حق الشعوب في الحفاظ على هويتها الثقافية وفي تقرير مصيرها ضمن الأطر القانونية المعترف بها دولياً. ويزداد هذا الانتهاك خطورة حين يتم تكريسه عبر تشريعات داخلية أو ممارسات إدارية تفرغ النصوص الدستورية من مضمونها، وتحول دون تمتع الكورد بمواطنة كاملة وفعالة.
وعليه، تنطلق هذه الدراسة من فرضية قانونية مفادها أن الإشكال في الحالة الكوردية لا يكمن في غياب النصوص الدولية أو المعايير القانونية، بل في الفجوة العميقة بين تلك المعايير وبين التطبيق العملي داخل الدول المعنية. وتسعى إلى تحليل الإطار القانوني الدولي الناظم للحقوق المدنية والتربوية، ومقارنته بالواقع التشريعي والسياسي الذي يعيشه الشعب الكوردي، للكشف عن أوجه التعارض، وتحديد المسؤوليات القانونية، وبيان الأسس القانونية التي تتيح المطالبة المشروعة بهذه الحقوق ضمن منظومة القانون الدولي.
أولاً: الإطار القانوني للحقوق المدنية
تعد الحقوق المدنية الركيزة الأساسية التي يقوم عليها البناء القانوني للدولة الحديثة، إذ تمثل الحد الأدنى من الضمانات التي تكفل للفرد والجماعة معاً التمتع بالحرية والمساواة والكرامة الإنسانية. وقد ارتبط تطور مفهوم الحقوق المدنية تاريخياً بتبلور فكرة الدولة القانونية، التي تخضع فيها السلطة لمبدأ سيادة القانون، ويقاس فيها مدى شرعية النظام السياسي بقدرته على حماية هذه الحقوق دون تمييز أو انتقاص.
وفي إطار القانون الدولي العام، لم تعد الحقوق المدنية شأناً داخلياً خاضعاً لإرادة الدولة المطلقة، بل تحولت إلى التزامات قانونية دولية تقيد السيادة الوطنية وتخضع لرقابة المجتمع الدولي. فقد أسست المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، منظومة قانونية متكاملة تلزم الدول باحترام الحقوق الأساسية للأفراد والشعوب، وتحظر أي شكل من أشكال التمييز القائم على القومية أو اللغة أو الأصل العرقي.
غير أن الإشكال الجوهري في الحالة الكوردية يتمثل في التناقض القائم بين هذا الإطار القانوني الدولي من جهة، والتشريعات والسياسات الوطنية المعمول بها في دول الشرق الأوسط من جهة أخرى. إذ غالباً ما جرى تفريغ مفهوم الحقوق المدنية من مضمونه الحقيقي عبر ربطه بهوية قومية واحدة، وتحويله إلى أداة اندماج قسري أو إقصاء قانوني، بما يتعارض مع مبدأ المواطنة المتساوية ومع جوهر الحقوق المدنية ذاتها.
وعليه، تهدف هذه المبحث إلى تحديد الإطار القانوني الناظم للحقوق المدنية في القانون الدولي، وبيان الأسس القانونية التي تحكم مبدأ المساواة وعدم التمييز، تمهيداً لتحليل مدى احترام هذه القواعد في ما يتعلق بالشعب الكوردي. كما يسعى إلى إبراز الطابع الإلزامي للحقوق المدنية، بوصفها حقوقاً غير قابلة للتعطيل أو التقييد التعسفي، وبيان المسؤولية القانونية المترتبة على الدول عند انتهاكها بصورة ممنهجة أو مؤسسية.
- مفهوم الحقوق المدنية في القانون الدولي
تعرف الحقوق المدنية في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان بأنها مجموعة الحقوق الأساسية الملازمة للفرد بوصفه إنساناً أولاً ومواطناً ثانياً، والتي تهدف إلى ضمان كرامته وحريته ومشاركته الفاعلة في الحياة العامة، دون تمييز على أساس القومية أو اللغة أو الأصل العرقي أو أي وضع آخر. وقد شكلت هذه الحقوق نتاجاً لتطور تاريخي طويل في الفكر القانوني والسياسي، انتقل فيه المجتمع الدولي من مفهوم السيادة المطلقة للدولة إلى الاعتراف بوجود حدود قانونية ملزمة لسلطة الدولة تجاه الأفراد والجماعات.
وتتمحور الحقوق المدنية، في جوهرها، حول مبدأ المساواة أمام القانون، الذي يعد حجر الأساس لأي نظام قانوني عادل. فالمساواة لا تعني المعاملة المتطابقة الشكلية فحسب، بل تقتضي إزالة جميع أشكال التمييز المباشر وغير المباشر التي تحول دون تمتع الأفراد بحقوقهم على قدم المساواة. وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في مادته السابعة، أن «الناس جميعاً سواء أمام القانون»، وأنّ لهم الحق في التمتع بحماية قانونية متكافئة دون أي تمييز.
كما تشمل الحقوق المدنية الحماية من التمييز بوصفها التزاماً إيجابياً يقع على عاتق الدول، لا يقتصر على الامتناع عن سنّ تشريعات تمييزية، بل يمتد ليشمل اتخاذ التدابير القانونية والإدارية اللازمة لضمان المساواة الفعلية. وقد نصت المادة الثانية من الإعلان العالمي، وكذلك المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على حظر التمييز القائم على العرق أو اللغة أو الأصل القومي، وهو ما يضفي على هذا المبدأ طابعاً قانونياً ملزماً لا يجوز التحلل منه تحت ذرائع السيادة أو الخصوصية الوطنية.
وتتضمن الحقوق المدنية أيضاً حرية التعبير والتنظيم والمشاركة في الحياة العامة، وهي حقوق مترابطة تشكل معاً الإطار القانوني لممارسة المواطنة الفعلية. فحرية التعبير، المكرسة في المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي والعهد الدولي، تمكن الفرد من التعبير عن هويته وآرائه السياسية والثقافية دون خوف من القمع أو التجريم. أما حرية التنظيم، فتعد شرطاً لازماً لممارسة العمل السياسي والمدني، ولضمان التعددية داخل المجتمع، وهو ما أكدته المادة الثانية والعشرون من العهد الدولي.
وتكتمل منظومة الحقوق المدنية بالحق في المشاركة في الحياة العامة، الذي يشمل الحق في تولي الوظائف العامة، والمشاركة في إدارة الشؤون العامة، سواء بصورة مباشرة أو عبر ممثلين منتخبين. وقد أكد العهد الدولي، في مادته الخامسة والعشرين، أنّ هذا الحق يجب أن يمارس دون أي قيود غير مبررة، وبما يكفل المساواة الكاملة بين المواطنين.
وبناءً على ما تقدم، فإن حرمان الشعب الكوردي من التمتع بهذه الحقوق، سواء عبر تشريعات تمييزية أو ممارسات إدارية أو سياسات قمعية ممنهجة، يشكل انتهاكاً صريحاً لمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما أن هذا الحرمان لا يمكن تبريره بالاعتبارات الأمنية أو بوحدة الدولة، إذ إنّ هذه المبررات تفقد مشروعيتها القانونية متى ما استخدمت لإدامة التمييز وإنكار الحقوق الأساسية المعترف بها دولياً.
وعليه، فإن مسألة الحقوق المدنية للشعب الكوردي لا تعد مسألة داخلية تخضع لتقدير الدول، بل تدخل ضمن نطاق الالتزامات الدولية الملزمة، التي يترتب على مخالفتها قيام المسؤولية القانونية الدولية، وحق المتضررين في المطالبة بالإنصاف وفق الآليات المعترف بها في منظومة حقوق الإنسان.
- الحق في الهوية والاعتراف القانوني
يعد الحق في الهوية والاعتراف القانوني أحد المرتكزات الجوهرية للحقوق المدنية في القانون الدولي المعاصر، إذ لا يمكن تصور تمتع أي جماعة بشرعية قانونية أو ممارسة فعلية لحقوقها دون الاعتراف بوجودها القانوني والسياسي. فالهوية القومية ليست معطى ثقافياً محضاً، بل عنصر قانوني مؤسس لمفهوم المواطنة المتساوية، ومكون أساسي من مكونات الشخصية القانونية للجماعات البشرية.
إن إنكار الوجود القومي للشعب الكوردي، أو اختزاله في توصيف ثقافي أو فولكلوري منزوع البعد السياسي والقانوني، يعد انتهاكاً مباشراً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان. فالتعامل مع الكورد بوصفهم “جماعة ثقافية” بلا حقوق سياسية جماعية يفرغ مفهوم الحقوق المدنية من مضمونه، ويحول المواطنة إلى حالة شكلية لا تنتج مساواة حقيقية أمام القانون.
وقد نصت المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية صراحة على أن «لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها»، ويشمل هذا الحق، في تفسيره القانوني المستقر، حرية الشعوب في تحديد وضعها السياسي والسعي لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا يجوز تقييد هذا الحق أو إنكاره بذريعة الحفاظ على وحدة الدولة، إذ إن وحدة الدولة، وفق القانون الدولي، يجب أن تقوم على الرضا والمشاركة لا على الإكراه القانوني أو الإنكار الهوياتي.
كما يرتبط الحق في الهوية بمبدأ الشخصية القانونية الجماعية للشعوب، وهو مبدأ أقره تطور القانون الدولي، ولا سيما في ما يتعلق بحقوق الشعوب الأصلية والجماعات القومية. فالشعوب لا تختزل في مجموع أفرادها، بل تعد كياناً قانونياً يتمتع بحقوق جماعية مستقلة، من بينها الحق في الاعتراف، والتمثيل، والحفاظ على الخصوصية الثقافية والسياسية. وإن إنكار هذه الشخصية القانونية للكورد يعني عملياً نفي أهليتهم القانونية الجماعية، وهو ما يشكل إخلالاً جسيماً بقواعد العدالة الدولية.
ويترتب على هذا المبدأ التزام قانوني واضح على عاتق الدول التي يعيش ضمنها الشعب الكوردي، يتمثل في الاعتراف القانوني الصريح بوجوده القومي، وضمان تمثيله السياسي، وتمكينه من ممارسة حقوقه الجماعية والفردية دون تمييز. فالاعتراف بالكورد لا يعد منّة سياسية أو تنازلاً سيادياً، بل هو التزام قانوني ناشئ عن الانضمام إلى المواثيق الدولية واحترام قواعد القانون الدولي الآمرة.
وبناءً عليه، فإن السياسات التي تقوم على إنكار الهوية الكوردية، أو تجريم التعبير عنها، أو حرمان الكورد من التمثيل السياسي المشروع، تشكل انتهاكاً مزدوجاً: انتهاكاً للحقوق المدنية الفردية، وانتهاكاً للحقوق الجماعية للشعوب. كما أن استمرار هذه السياسات يفتح المجال للمساءلة القانونية الدولية، ويقوض الأسس الدستورية التي يفترض أن تقوم عليها الدولة القانونية الحديثة.
- الحق في اللغة كلغة رسمية وتعليمية
يعد الحق في اللغة أحد المكونات الجوهرية للحقوق المدنية والحقوق الثقافية في القانون الدولي المعاصر، إذ تمثل اللغة الأداة الأساسية التي تعبر من خلالها الجماعات عن هويتها، وتنقل ذاكرتها التاريخية، وتمارس حقها في التعليم والمشاركة العامة. ولم يعد التعامل مع اللغة بوصفها مسألة ثقافية ثانوية مقبولاً في الفقه الدولي، بل أضحت اللغة عنصراً قانونياً ملازماً لمبدأ المساواة وعدم التمييز، وشرطاً لازماً لممارسة الحقوق المدنية على نحو فعّال.
وتحظر المواثيق الدولية بصورة صريحة أو ضمنية أي سياسة تهدف إلى محو لغة جماعة بشرية أو تهميشها في المجال العام، لما يترتب على ذلك من آثار تمييزية تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية. فقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ضرورة تمكين الأفراد والجماعات من استخدام لغتهم في التعبير والتعليم دون قيود تعسفية، باعتبار أن حرية التعبير لا يمكن أن تتحقق فعلياً إذا فرضت لغة واحدة على حساب لغات أخرى.
وتعد اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في التعليم لعام 1960 من أهم الصكوك الدولية التي كرست الحق في التعليم دون تمييز لغوي. إذ تنص الاتفاقية على أن أي تفرقة أو استبعاد أو تقييد قائم على اللغة يعد شكلاً من أشكال التمييز، إذا كان من شأنه أن يخل بتكافؤ الفرص في التعليم. كما تؤكد الاتفاقية على حق الجماعات في تلقي التعليم بلغتها الأم، لما لذلك من أثر مباشر في تحقيق العدالة التعليمية وضمان النمو المعرفي السليم للأفراد.
وفي هذا السياق، فإن منع التعليم باللغة الكوردية لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً محايداً، بل يشكل تمييزاً لغوياً صريحاً يتعارض مع الالتزامات الدولية للدول المعنية. فالطفل الذي يحرم من التعلم بلغته الأم يوضع في موقع غير متكافئ مقارنةً بغيره من المواطنين، ما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص ويؤدي إلى نتائج تعليمية واجتماعية غير عادلة. كما أن هذا المنع لا يقتصر أثره على العملية التعليمية فحسب، بل يمتد ليشمل تهميش اللغة الكوردية في المجال العام، بما يحمله ذلك من دلالات إقصائية تمس الهوية والكرامة.
ويترتب على ذلك أن حرمان الشعب الكوردي من حقه في التعليم بلغته الأم يعد انتهاكاً مزدوجاً، يجمع بين الإخلال بالحقوق الثقافية من جهة، والحقوق المدنية من جهة أخرى. فاللغة ليست وعاءً ثقافياً فقط، بل شرطاً لممارسة الحقوق المدنية، من حرية التعبير إلى المشاركة السياسية والإدارية. ومن ثم، فإن تهميش اللغة الكوردية أو استبعادها من النظام التعليمي الرسمي يقوض إمكانية تمتع الكورد بمواطنة متساوية وفعّالة.
وبناءً على ما تقدم، فإن الاعتراف باللغة الكوردية كلغة تعليم، وإدماجها في المنظومة القانونية والمؤسساتية للدولة، لا يعد مطلباً ثقافياً خاصاً، بل التزاماً قانونياً يفرضه احترام مبادئ عدم التمييز، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون، وفقاً لما استقر عليه القانون الدولي لحقوق الإنسان.
- المواطنة المتساوية وعدم التمييز
تعد المواطنة المتساوية حجر الأساس في الفقه الدستوري الحديث، إذ تقوم على مبدأ خضوع جميع المواطنين للقانون ذاته، وتمتعهم بالحقوق نفسها، والتزامهم بالواجبات ذاتها، دون أي تمييز قائم على القومية أو اللغة أو الأصل العرقي أو الديني. ولا تفهم المواطنة، في معناها القانوني، بوصفها رابطة شكلية بين الفرد والدولة، بل باعتبارها علاقة قانونية متكاملة تنشئ حقوقاً قابلة للمطالبة والحماية القضائية، وترتب في المقابل التزامات متساوية على جميع المواطنين.
ويرتبط مبدأ المواطنة المتساوية ارتباطاً وثيقاً بمبدأ عدم التمييز، الذي يعد من القواعد الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد كرسته المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بوصفه التزاماً قانونياً ملزماً للدول. ويقتضي هذا المبدأ امتناع الدولة عن سنّ تشريعات أو اعتماد سياسات تفضي إلى تمييز مباشر أو غير مباشر بين المواطنين، كما يفرض عليها اتخاذ تدابير إيجابية لضمان المساواة الفعلية، لا الشكلية فحسب.
غير أنّ التجربة الكوردية في دول الشرق الأوسط تكشف عن خلل بنيوي في مفهوم المواطنة ذاته، يتمثل في تعريف الدولة دستورياً على أساس قومي واحد، وجعل هذه الهوية القومية معياراً ضمنياً أو صريحاً للانتماء الكامل إلى الجماعة السياسية. ففي مثل هذا النموذج، تتحول المواطنة من رابطة قانونية جامعة إلى أداة إقصاء، وتصبح الهويات القومية غير المعترف بها قانونياً في موقع التابع أو الهامش، رغم حمل أفرادها جنسية الدولة وخضوعهم لالتزاماتها.
ويترتب على هذا التعريف الإقصائي للدولة آثار قانونية عميقة، إذ تقصى الهويات القومية الأخرى، ومنها الهوية الكوردية، من الحماية الدستورية الصريحة، أو تختزل في نطاق ثقافي محدود لا يرقى إلى مستوى الاعتراف القانوني الكامل. ويؤدي ذلك إلى إنتاج وضع قانوني غير متكافئ، يصبح فيه الكورد مواطنين بحكم الواقع الاجتماعي والديمغرافي، لا بحكم القانون الدستوري، وهو ما يفرغ مبدأ المواطنة من مضمونه الجوهري.
كما أنّ هذا الإقصاء الدستوري غالباً ما ينعكس في التشريعات العادية والممارسات الإدارية، من خلال تقييد الوصول إلى الوظائف العامة، أو الحد من المشاركة السياسية، أو فرض سياسات لغوية وتعليمية تمييزية، بما يشكل تمييزاً غير مباشر يخالف جوهر مبدأ المساواة القانونية. وفي هذه الحالة، لا يكون التمييز نتيجة خرق عرضي للقانون، بل نتيجة بنية دستورية قائمة على عدم الاعتراف بالتعدد القومي.
وبناءً عليه، فإن تحقيق المواطنة المتساوية للكورد يقتضي إعادة النظر في الأسس الدستورية التي تعرف هوية الدولة، والانتقال من نموذج الدولة القومية الأحادية إلى نموذج الدولة الدستورية التعددية، التي تعترف بجميع مكوناتها على قدم المساواة. فالمواطنة، في معناها القانوني الصحيح، لا تكتمل إلا حين يكون جميع المواطنين متساوين أمام القانون، ليس فقط في النصوص، بل في الواقع التشريعي والمؤسساتي، ودون أن يطلب من أي جماعة التنازل عن هويتها القومية مقابل الاعتراف بها.
خلاصة :
أن الحقوق المدنية، في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان، تشكل منظومة قانونية متكاملة تهدف إلى ضمان المساواة، والكرامة الإنسانية، والمشاركة الفعلية في الحياة العامة، بوصفها شروطاً جوهرية لشرعية الدولة القانونية الحديثة. وقد بيّن التحليل أنّ هذه الحقوق لا تقتصر على الأفراد بمعزل عن انتماءاتهم القومية واللغوية، بل تمتد لتشمل الجماعات بوصفها وحدات قانونية تتمتع بحقوق جماعية معترف بها دولياً.
وأظهر المبحث أنّ الحق في الهوية والاعتراف القانوني، والحق في اللغة كلغة تعليم وتواصل رسمي، ومبدأ المواطنة المتساوية وعدم التمييز، ليست حقوقاً متفرقة أو مطالب سياسية ظرفية، بل التزامات قانونية ثابتة تستمد مشروعيتها من المواثيق الدولية الملزمة، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما تبيّن أنّ هذه الحقوق تشكل جزءاً من القواعد الأساسية التي لا يجوز للدول الانتقاص منها أو تعليقها تحت ذرائع السيادة أو الأمن القومي.
ومن خلال تطبيق هذه المبادئ على الحالة الكوردية، توصل المبحث إلى أن الإشكال الجوهري لا يكمن في غياب النصوص القانونية الدولية، بل في البنية الدستورية والتشريعية السائدة في عدد من دول المنطقة، والتي تقوم على تعريف أحادي لهوية الدولة، يقصي الهويات القومية الأخرى وينتج تمييزاً قانونياً مباشراً أو غير مباشر بحق الشعب الكوردي. ويؤدي هذا الخلل البنيوي إلى تحويل الكورد إلى مواطنين بحكم الواقع الاجتماعي والديمغرافي، لا بحكم الاعتراف القانوني والدستوري الكامل.
كما أفضى التحليل إلى أن السياسات التي تنكر الهوية الكوردية أو تهمّش اللغة الكوردية أو تحرم الكورد من المشاركة السياسية المتكافئة تعد انتهاكات صريحة لمبدأ عدم التمييز، وترتب مسؤولية قانونية داخلية ودولية على الدول المعنية. ولا يمكن تبرير هذه السياسات بالاعتبارات السيادية، إذ إنّ السيادة، في الفقه القانوني المعاصر، تمارس في إطار احترام حقوق الإنسان، لا على حسابها.
وبناءً على ذلك، يمكن استخلاص النتائج القانونية الآتية:
- إنّ الحقوق المدنية للشعب الكوردي حقوق قانونية ثابتة غير قابلة للتصرف أو الانتقاص، وليست مطالب سياسية تفاوضية.
- إنّ إنكار الهوية القومية للكورد أو تهميش لغتهم يشكل إخلالاً جسيماً بالالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.
- إنّ غياب المواطنة المتساوية يقوض شرعية الدولة الدستورية، ويفرغ مبدأ سيادة القانون من مضمونه.
- إنّ معالجة القضية الكوردية قانونياً تقتضي إصلاحاً دستورياً يعترف بالتعدد القومي، ويكفل المساواة الفعلية أمام القانون.
وعليه، يشكل هذا المبحث الأساس القانوني للانتقال إلى دراسة الحق في التربية والتعليم بوصفه امتداداً طبيعياً للحقوق المدنية، وشرطاً لازماً لترسيخ المواطنة المتساوية وبناء وعي قانوني قادر على حماية هذه الحقوق من الإفراغ أو الالتفاف.
ثانياً: التربية بوصفها حقاً دستورياً لا سياسة حكومية
تعد التربية من الحقوق الأساسية التي تحتل موقعاً مركزياً في البناء الدستوري للدول الحديثة، لما لها من دور حاسم في تكوين شخصية الفرد، وترسيخ قيم المواطنة، وضمان القدرة الفعلية على ممارسة باقي الحقوق والحريات. ولم يعد الحق في التربية ينظر إليه، في الفقه الدستوري المعاصر، بوصفه خدمة اجتماعية تقدمها الدولة وفق اعتبارات سياسية أو ظرفية، بل باعتباره حقاً دستورياً أصيلاً يفرض التزامات قانونية إيجابية وسلبية على الدولة في آنٍ معاً.
وقد كرست المواثيق الدولية هذا التحول المفاهيمي، إذ نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (26) على حق كل إنسان في التعليم، وربط هذا الحق بتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على التزام الدول بضمان التعليم على أساس المساواة وعدم التمييز، بما يجعله حقاً قانونياً واجب النفاذ، لا سياسة حكومية قابلة للتغيير بتغير التوجهات أو الأنظمة السياسية.
وفي الإطار الدستوري، يشكل الاعتراف بالحق في التربية معياراً جوهرياً لمدى التزام الدولة بمبدأ سيادة القانون. فحين يدرج هذا الحق في النص الدستوري، يصبح ملزماً للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على حد سواء، وتغدو أي سياسة تعليمية تقيده أو تفرغه من مضمونه عرضة للطعن الدستوري. أما حين يختزل التعليم في كونه أداة بيد السلطة التنفيذية، فإن ذلك يفتح الباب أمام توظيفه لأغراض أيديولوجية أو قومية، على حساب المساواة والتعدد والحقوق الأساسية.
وتكتسب مسألة التربية بعداً قانونياً خاصاً في المجتمعات المتعددة القوميات واللغات، حيث لا يقتصر التعليم على نقل المعرفة، بل يتحول إلى فضاء لإعادة إنتاج الهوية الجماعية أو نفيها. وفي هذا السياق، فإن إخضاع التربية لسياسات حكومية قائمة على هوية قومية أحادية يفضي إلى تمييز بنيوي ضد الجماعات غير المعترف بها، ويجعل من النظام التعليمي أداة للإقصاء بدلاً من كونه وسيلة للاندماج المتكافئ.
وبالنسبة للشعب الكوردي، تبرز التربية بوصفها أحد أبرز ميادين الصراع القانوني بين منطق الحق ومنطق السياسة. فقد أظهرت التجارب في عدد من دول المنطقة أنّ التعليم استخدم، في كثير من الأحيان، كوسيلة لفرض هوية رسمية واحدة، عبر المناهج، ولغة التدريس، والسياسات الإدارية، بما يتعارض مع المبادئ الدستورية للمساواة وعدم التمييز، ومع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وعليه، فإن دراسة التربية بوصفها حقاً دستورياً لا سياسة حكومية تقتضي تحليل الأسس القانونية الدولية والدستورية التي تلزم الدول بضمان تعليم عادل وشامل، يحترم التعدد القومي واللغوي، ويكفل لجميع المواطنين، بمن فيهم الشعب الكوردي، حقهم في تعليم يعزز هويتهم وكرامتهم، ويمكنهم من ممارسة مواطنتهم على قدم المساواة.
- الحق في التعليم في القانون الدولي
يعد الحق في التعليم أحد الحقوق الأساسية غير القابلة للتصرّف، وقد كرسه القانون الدولي لحقوق الإنسان بوصفه حجر الزاوية في بناء الإنسان والمجتمع والدولة. فقد نص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966) في مادته الثالثة عشرة على أن التعليم حق لكل فرد، وأن على الدول الأطراف ضمان ممارسته دون تمييز من أي نوع.
ولا يقتصر مفهوم هذا الحق على مجرد إتاحة التعليم شكلياً، بل يتضمن مجموعة من المعايير الجوهرية التي استقرت عليها الفقه الدولي وتقارير الهيئات الأممية، وأبرزها:
أ- الإتاحة (Availability):
أي توفير مؤسسات تعليمية كافية وممولة، وقادرة على استيعاب جميع فئات المجتمع دون إقصاء.
ب- إمكانية الوصول (Accessibility):
ويشمل ذلك عدم التمييز، وإتاحة التعليم فعلياً لجميع الأفراد، بما في ذلك الأقليات القومية واللغوية.
ج- القبول الثقافي (Acceptability):
أي أن تكون المناهج وطرائق التعليم منسجمة مع هوية المتعلمين الثقافية والقومية، وتحترم قيمهم ولغتهم وتاريخهم.
د- الملاءمة اللغوية (Adaptability):
وهو مبدأ أساسي يفرض على الدول تكييف النظام التعليمي بما يتناسب مع الواقع اللغوي للمجتمع، لا فرض لغة أحادية تقصي اللغات الأصلية.
وبناءً على هذه المعايير، فإن فرض مناهج تعليمية مركزية تهمّش اللغة الكوردية أو تقصي التاريخ والهوية الكوردية لا يمكن تبريره باعتباره خياراً سيادياً داخلياً، بل يعد إخلالاً مباشراً بالالتزامات الدولية المترتبة على الدول بموجب العهد الدولي.
كما أن هذا النوع من السياسات التعليمية ينتج آثاراً قانونية خطيرة، أبرزها:
- تحويل التعليم من حق دستوري إلى أداة صهر قومي.
- إحداث تمييز غير مباشر على أساس اللغة والانتماء القومي.
- انتهاك مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية بين المواطنين.
ومن ثم، فإن حرمان الطفل الكوردي من التعليم بلغته الأم، أو تشويه تاريخه وهويته داخل المناهج الرسمية، لا يشكل فقط انتهاكاً للحقوق الثقافية، بل يمتد ليطال الحقوق المدنية والسياسية، باعتبار أن التعليم هو المدخل الأساسي للمشاركة المتكافئة في الحياة العامة.
وعليه، فإن أي دولة تدعي احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان، لا يمكنها أن تفصل بين الحق في التعليم والحق في الهوية، ولا أن تتعامل مع التربية باعتبارها سياسة حكومية قابلة للتغيير وفق المزاج السياسي، بل باعتبارها التزاماً دستورياً ودولياً دائماً.
- التربية والهوية القانونية
لا تعد التربية، في المنظور الدستوري والحقوقي، أداة للاندماج القسري أو الصهر القومي، بل وسيلة أساسية لبناء مواطنٍ واعٍ بحقوقه، ومدركٍ لهويته القانونية والثقافية ضمن إطار دولة القانون. فالتعليم، بوصفه حقاً أصيلاً، يرتبط ارتباطاً مباشراً بحقوق أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الحق في الهوية، والحق في المعرفة، والحق في الانتماء الحر غير المفروض.
لقد أكد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك إعلان اليونسكو بشأن التنوع الثقافي، أن التربية يجب أن تحترم الهويات الثقافية للشعوب، وأن تعكس تاريخها وذاكرتها الجماعية، لا أن تمحوها أو تعيد تشكيلها وفق سردية رسمية أحادية.
إن تغييب التاريخ الكوردي من المناهج التعليمية الرسمية، أو اختزاله في سرديات مشوهة أو هامشية، لا يمكن اعتباره مسألة تربوية محايدة، بل يشكل من الناحية القانونية:
أ- تزويراً للذاكرة الجماعية:
إذ تنتزع من الأجيال الكوردية حقها في معرفة تاريخها الحقيقي، بما يحمله من وقائع، ومعاناة، ونضال، وإسهام في تكوين المنطقة والدولة.
ب- إنتاجاً ممنهجاً لوعي مشوّه:
حيث يربى الطفل الكوردي على إنكار ذاته أو الشعور بالدونية الثقافية، فيما يلقّن الطفل غير الكوردي رواية ناقصة أو إقصائية عن شركائه في الوطن.
ج- انتهاكاً للحق في المعرفة:
فالحق في التعليم لا يقتصر على التلقّي التقني للمعارف، بل يشمل حق الفرد في الاطلاع على تاريخه وهويته بوصفهما جزءاً من المعرفة الإنسانية المشروعة.
ومن منظور قانوني أدقّ، فإن هذا الإقصاء التربوي يعد خرقاً للحق في الهوية الثقافية، وهو حق معترف به ضمن منظومة الحقوق الجماعية، لا سيما بالنسبة للشعوب الأصلية والأقليات القومية. كما يتعارض مع مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية، الذي يلزم الدول بعدم الالتفاف على الحقوق عبر أدوات غير مباشرة كالمناهج التعليمية.
وعليه، فإن التربية التي تنكر الهوية القومية لشريحة من المواطنين، لا تنتج مواطنة متساوية، بل تكرس مواطنة منقوصة، وتعيد إنتاج التمييز بصيغ قانونية مستترة. فالدولة التي تحتكر السردية التاريخية، وتقصي التعدد، تفرغ مفهوم المواطنة من مضمونه، وتحول التعليم من حق دستوري إلى أداة هيمنة سياسية.
وبذلك، فإن احترام الهوية الكوردية داخل النظام التربوي ليس مطلباً ثقافياً أو سياسياً فحسب، بل استحقاق قانوني ودستوري لا يستقيم مفهوم الدولة الحديثة من دونه.
- التربية على المواطنة وحقوق الإنسان
تعد التربية على المواطنة وحقوق الإنسان أحد الأعمدة الجوهرية في بناء الدولة القانونية الحديثة، إذ لا تقتصر وظيفة التعليم على نقل المعرفة، بل تمتد إلى تشكيل الوعي القانوني والسياسي للفرد، وتمكينه من فهم حقوقه وواجباته ضمن إطار سيادة القانون. ومن هذا المنطلق، فإن التربية السليمة، في بعدها القانوني، يجب أن تقوم على أسس واضحة، أبرزها:
- احترام التعدد القومي والثقافي بوصفه واقعاً قانونياً واجتماعياً لا يجوز إنكاره أو اختزاله؛
- نشر ثقافة حقوق الإنسان باعتبارها منظومة قيمية وقانونية عالمية ملزمة؛
- ترسيخ مبدأ سيادة القانون بحيث يخضع له الحاكم والمحكوم على حدّ سواء.
وقد أكدت المواثيق الدولية، ولا سيما إعلان الأمم المتحدة بشأن التثقيف في مجال حقوق الإنسان والتدريب عليها (2011)، أن التعليم يجب أن ينمي احترام الكرامة الإنسانية، والمساواة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأن يعد الأفراد للمشاركة الواعية والمسؤولة في الحياة العامة.
في المقابل، فإن الأنظمة التعليمية التي تبنى على:
- الطاعة العمياء بدل التفكير النقدي.
- تمجيد السلطة بدل مساءلتها قانونياً.
- تخوين المطالب القومية بدل الاعتراف بها كحقوق مشروعة.
تنتج، من الناحية القانونية، مواطناً منقوص الوعي، وتكرس ثقافة الخضوع بدل ثقافة الحقوق. كما تحول المدرسة من فضاء للتنشئة المدنية إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة السياسية، بما يتعارض مع جوهر التعليم كحق مستقل ومحايد.
وبالنسبة للشعب الكوردي، فإن إقصاء حقوقه القومية من المناهج، أو تصوير مطالبه في إطار أمني أو انفصالي، يشكل تشويهاً متعمداً لمفهوم المواطنة، ويقوض مبدأ المشاركة المتساوية في الشأن العام. فالمطالبة بالحقوق اللغوية والثقافية والسياسية لا تعد خروجاً على الدولة، بل ممارسة مشروعة لحقوق مدنية مكفولة دولياً.
وعليه، فإن التربية على المواطنة وحقوق الإنسان لا يمكن أن تستقيم في ظل خطاب تعليمي يقصي التعدد ويجرم الاختلاف. فالمواطنة الحقيقية لا تبنى على الإنكار، بل على الاعتراف، ولا ترسخ بالخوف، بل بالحقوق، ولا تحمى بالشعارات، بل بسيادة القانون واحترام كرامة جميع المكونات دون استثناء.
خلاصة:
أن التربية ليست سياسة حكومية ظرفية، بل حق دستوري والتزام قانوني دولي لا تملك الدولة سلطة تقييده أو توجيهه أيديولوجياً بما يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان. فالقانون الدولي، كما الدساتير الحديثة، ينظر إلى التعليم بوصفه ركيزة أساسية لبناء المواطنة المتساوية، وضمان الكرامة الإنسانية، وصون التعدد القومي والثقافي داخل الدولة الواحدة.
وقد بيّن المبحث أن الحق في التعليم لا ينفصل عن الحق في اللغة، والهوية، والمعرفة التاريخية، وأن أي نظام تعليمي يقصي لغة الشعب الكوردي أو يهمش تاريخه وثقافته يشكل انتهاكاً مركّباً يجمع بين خرق الحقوق التربوية والحقوق المدنية معاً. كما ثبت قانونياً أن فرض مناهج أحادية، لا تراعي الخصوصية القومية والثقافية، يعد إخلالاً بمبدأ المقبولية الثقافية والملاءمة اللغوية المنصوص عليهما في المواثيق الدولية.
ومن خلال تحليل العلاقة بين التربية والهوية القانونية، توصل المبحث إلى أن طمس الذاكرة الجماعية الكوردية داخل المؤسسات التعليمية لا يمثل خللاً معرفياً فحسب، بل ينتج أثراً قانونياً خطيراً يتمثل في إعادة إنتاج مواطنة منقوصة، قائمة على الإنكار بدل الاعتراف، وعلى التبعية بدل المشاركة. وهو ما يتعارض مع جوهر الدولة الدستورية التي تقوم على الاعتراف بالتعدد لا محوه.
أما في محور التربية على المواطنة وحقوق الإنسان، فقد أثبت المبحث أنّ التعليم الذي يكرس الطاعة العمياء، ويمجد السلطة، ويخون المطالب القومية، يناقض التزامات الدولة في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان، ويحول المدرسة إلى أداة ضبط سياسي لا فضاء تنشئة مدنية. وبذلك، فإن تغييب الحقوق الكوردية من الخطاب التربوي يعد خرقاً مباشراً لمبدأ سيادة القانون، ولمفهوم المواطنة المتساوية.
وعليه، يمكن تلخيص النتائج القانونية للمبحث بما يلي:
- إنّ إنكار الحق في التعليم باللغة الكوردية يشكل انتهاكاً للحقوق التربوية والثقافية، ويقع ضمن نطاق التمييز المحظور دولياً.
- إنّ إقصاء التاريخ والهوية الكوردية من المناهج الرسمية يعد مساساً بالحق في المعرفة والهوية الثقافية، ويرتب مسؤولية قانونية على الدولة.
- إنّ التربية التي لا تقوم على احترام التعدد القومي وحقوق الإنسان تنتج مواطنة شكلية، لا تستوفي المعايير الدستورية للمواطنة المتساوية.
- إنّ استخدام التعليم كأداة للهيمنة السياسية يخالف التزامات الدولة الدولية، ويقوض شرعية النظام القانوني ذاته.
وبناءً على ذلك، يؤكد هذا المبحث أنّ تحقيق العدالة التربوية للشعب الكوردي ليس مسألة إصلاح إداري أو تنازل سياسي، بل استحقاق قانوني ودستوري لا يمكن للدولة الحديثة الادعاء بالشرعية من دونه. فالتربية العادلة هي المدخل الطبيعي لبناء مواطنة حقيقية، ودولة قانون قائمة على الاعتراف، لا على الإقصاء.
ثالثاً: المسؤولية القانونية للدول والسلطات القائمة
إن استمرار انتهاك الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكوردي لا يمكن توصيفه، من منظور قانوني جاد، بوصفه مجرد إخفاق إداري عابر، أو نتيجة لقصور تقني في السياسات العامة، أو حتى كأثر جانبي لظروف سياسية استثنائية. بل إن هذا الاستمرار يكشف عن نمط بنيوي من الانتهاك المنظم، يشكل في جوهره فعلاً غير مشروع دستورياً ودولياً، ويرتب مسؤوليات قانونية مباشرة ومتراكمة على عاتق الدول والسلطات القائمة، سواء بصفتها التشريعية أو التنفيذية أو القضائية.
فالدولة الحديثة، في المفهوم الدستوري المعاصر، لا تقاس شرعيتها بمجرد احتكارها للقوة أو سيطرتها على الإقليم، بل بمدى التزامها بحماية الحقوق الأساسية لجميع مواطنيها دون تمييز. ومن هذا المنطلق، فإن إنكار الحقوق المدنية والتربوية لشعبٍ أصيل كالشعب الكوردي يعد مساساً بجوهر العقد الاجتماعي ذاته، ويفرغ مفهوم المواطنة من محتواه القانوني، ليستبدل به نموذج من الانتماء المشروط القائم على الامتثال القومي أو الثقافي للهوية الرسمية للدولة.
وعلى الصعيد القانوني، فإن التزامات الدولة تجاه الحقوق لا تقتصر على واجب الامتناع عن انتهاكها، بل تمتد إلى التزامات إيجابية تفرض عليها اتخاذ تدابير تشريعية، وإدارية، وتربوية فعّالة، تكفل التمتع الفعلي بهذه الحقوق. وهذا ما استقر عليه فقه القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي ميز بوضوح بين الالتزام السلبي (عدم الانتهاك) والالتزام الإيجابي (الحماية، والتمكين، والضمان). وعليه، فإن الصمت التشريعي، أو التقاعس التنفيذي، أو القبول الضمني بسياسات تمييزية، يعد في حد ذاته صورة من صور الانتهاك القانوني.
كما أن انضمام الدول التي يعيش ضمنها الشعب الكوردي إلى المواثيق الدولية الأساسية، ولا سيما العهدين الدوليين، لم يكن فعلاً سياسياً رمزياً، بل ترتبت عليه التزامات قانونية ملزِمة، تندرج ضمن مبدأ حسن النية في تنفيذ المعاهدات. وبالتالي، فإن أي ممارسة تهدف إلى تهميش اللغة الكوردية، أو إقصاء التاريخ الكوردي من المناهج، أو تجريم المطالبة بالحقوق القومية، تشكل إخلالاً صريحاً بهذه الالتزامات، ولا يمكن تبريرها بالسيادة الوطنية أو الخصوصية الثقافية، لأن حقوق الإنسان تعد قيوداً مشروعة على سيادة الدولة، لا استثناءً منها.
الأخطر من ذلك، أن الطابع المستمر والممنهج لهذه الانتهاكات ينقلها من مستوى الخرق الفردي إلى مستوى السياسة العامة غير المشروعة، وهو ما يرتب مسؤولية دولية مشددة، ويسقط أي ادعاء بحسن النية أو الخطأ غير المقصود. فحين تتحول التربية إلى أداة إنكار، والقانون إلى وسيلة إقصاء، تصبح الدولة شريكاً مباشراً في إنتاج التمييز، لا مجرد متقاعس عن منعه.
وعليه، فإن المسؤولية القانونية للدول والسلطات القائمة لا تنبع فقط من نصوص القوانين والمواثيق، بل من طبيعة الدولة نفسها بوصفها كياناً ملزماً أخلاقياً وقانونياً بحماية التعدد، وضمان الكرامة، وصون الحقوق الجماعية والفردية على حد سواء. وأي إخلال بهذه الوظيفة لا يهدد حقوق الشعب الكوردي فحسب، بل يضرب في العمق مشروعية النظام القانوني، ويضع الدولة في حالة تناقض دائم مع الأسس التي تدعي قيامها عليها.
- المسؤولية الدستورية الداخلية
تقوم المسؤولية الدستورية على مبدأ أن السلطة ليست مصدر الحقوق، بل ضامنة لها. وعليه، فإن أي تشريع أو ممارسة تنفيذية تنكر الحقوق المدنية أو التربوية للكورد تعد مخالفة صريحة لمبدأ سمو الدستور، ولمبدأ المساواة أمام القانون.
ويترتب على ذلك قانونياً:
- عدم دستورية القوانين التي تقصي اللغة الكوردية من التعليم أو الحياة العامة؛
- بطلان السياسات التربوية التي تميز بين المواطنين على أساس قومي أو لغوي؛
- حق المتضرّرين في الطعن أمام الهيئات القضائية الدستورية أو الإدارية، حيثما وجدت.
إن تجاهل هذه المسؤولية يحول الدستور إلى نص شكلي، ويفرغ مفهوم الدولة القانونية من مضمونه، ويكرس واقعاً من التمييز المقنّن.
- المسؤولية الدولية وفق القانون الدولي
على الصعيد الدولي، تتحمل الدول التي تنتهك حقوق الشعب الكوردي مسؤولية قانونية بموجب قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما العهدين الدوليين، واتفاقيات مناهضة التمييز، ومبادئ حماية الأقليات والشعوب الأصلية.
وتتمثل هذه المسؤولية في:
- خرق الالتزامات التعاقدية الناتجة عن التصديق على المواثيق الدولية؛
- الإخلال بمبدأ عدم التمييز بوصفه قاعدة آمرة في القانون الدولي؛
- تعريض الدولة للمساءلة أمام آليات الرصد الدولية، كالمقررين الخاصين، واللجان التعاهدية، ومجلس حقوق الإنسان.
كما أن الطابع الممنهج والمستمر لهذه الانتهاكات قد يرقى، من الناحية القانونية، إلى سياسة تمييز بنيوي، وهو ما يضاعف المسؤولية الدولية ولا يسقطها بالتقادم.
- الحقوق القانونية المترتبة للشعب الكوردي
في مقابل هذه الانتهاكات، يكتسب الشعب الكوردي، بوصفه جماعة قومية ذات حقوق معترف بها دولياً، جملة من الحقوق القانونية المشروعة، أبرزها:
أ- حق المطالبة بالإصلاح الدستوري:
بما يضمن الاعتراف الصريح بالهوية الكوردية، واللغة الكوردية، والمواطنة المتساوية، وإنهاء الصياغات الدستورية الإقصائية.
ب- حق اللجوء إلى الآليات الدولية:
من خلال تقديم الشكاوى، والتقارير الموازية، والتواصل مع الهيئات الأممية المختصة، باعتبار أن استنفاد سبل الانتصاف الداخلية يصبح غير لازم في حال انعدام الفعالية أو الاستقلال.
ج- حق النضال السلمي المشروع لاستعادة الحقوق:
وهو حق ثابت في القانون الدولي، ما دام يمارس ضمن إطار سلمي، ويستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، ويهدف إلى إنهاء التمييز وتحقيق العدالة والمساواة.
خلاصة:
إن إنكار الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكوردي لا يقوض فقط حقوق فئة من المواطنين، بل يهدم الأسس القانونية للدولة ذاتها. فالدولة التي ترفض الاعتراف بتعددها، وتجرم المطالبة بالحقوق، تفقد شرعيتها الدستورية والأخلاقية، وتفتح الباب أمام أزمات قانونية وسياسية مستدامة.
وعليه، فإن الاعتراف بالحقوق الكوردية، وضمانها تشريعياً وتربوياً، لا يمثل تهديداً لوحدة الدولة، بل شرطاً جوهرياً لاستقرارها، ولمشروعية نظامها القانوني، ولمستقبل العيش المشترك القائم على العدالة وسيادة القانون.
خاتمة:
تظهر هذه الدراسة، في مجمل مباحثها، أن الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكوردي لا يمكن اختزالها في إطار مطالب سياسية ظرفية، أو قراءتها بوصفها نتاجاً لموازين قوى متغيرة، أو ربطها بإرادة السلطات القائمة صعوداً وهبوطاً. فهي، في جوهرها، حقوق قانونية ثابتة، تستند إلى مبادئ دستورية راسخة، وإلى منظومة متكاملة من القواعد الآمرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا تسقط بالتقادم، ولا تعطل بذريعة السيادة، ولا تقيد بذريعة الأمن أو الوحدة الوطنية.
لقد بيّن البحث أنّ إنكار الحقوق المدنية، من مساواة قانونية، واعتراف بالهوية، وحرية التعبير والتنظيم، لا يشكل فقط انتهاكاً لحقوق فئة من المواطنين، بل يعبر عن خلل بنيوي في مفهوم الدولة ذاتها. فالدولة التي تميز بين مواطنيها على أساس قومي أو لغوي، أو تخضع الحقوق لمعادلات الولاء السياسي، تفرغ مبدأ المواطنة من مضمونه، وتحول الدستور إلى نص انتقائي، فاقد لروحه الإلزامية.
كما أثبتت الدراسة أن التربية ليست مجالاً تقنياً محايداً، ولا أداة بيد السلطة لإعادة إنتاج سرديتها الرسمية، بل حق دستوري مستقل، وركيزة أساسية في بناء الإنسان الحر والواعي. فالدولة التي تنكر لغة شعبٍ ما في مدارسها، أو تقصي تاريخه من مناهجها، أو تشوه هويته في خطابها التعليمي، لا تقوم بوظيفة تربوية، بل تمارس فعلاً قانونياً غير مشروع، يرقى إلى مستوى التمييز المنهجي، وينتج وعياً قسرياً قائماً على الإنكار بدل الاعتراف.
ومن خلال تحليل الإطار القانوني الدولي، تبيّن أن السياسات التي مورست – ولا تزال – بحق الشعب الكوردي في مجال التعليم والحقوق المدنية، تخالف التزامات دولية صريحة، وتتناقض مع مبادئ عدم التمييز، والمساواة، والحق في الهوية، والحق في تقرير المصير بمعناه القانوني الحديث. وهو ما يرتب مسؤولية مزدوجة: مسؤولية دستورية داخلية، ومسؤولية دولية لا يمكن التنصل منها بحجج سياسية أو تاريخية.
وعليه، فإن أي مقاربة جادة وعادلة للقضية الكوردية لا يمكن أن تنطلق من حلول أمنية، ولا من تسويات مؤقتة، ولا من اعترافات رمزية منزوعة الأثر القانوني، بل يجب أن تبدأ من إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والشعب الكوردي على قاعدة القانون. وهذه القاعدة تقوم، بالضرورة، على:
- الاعتراف القانوني الصريح بالهوية الكوردية بوصفها مكوناً أصيلاً من مكونات الدولة؛
- ضمان الحقوق المدنية الكاملة دون تمييز، باعتبارها جوهر المواطنة لا امتيازاً ممنوحاً؛
- تكريس التربية بوصفها حقاً دستورياً غير قابل للمساومة، قائماً على التعدد، واحترام اللغة، وحفظ الذاكرة الجماعية.
إن الدولة التي تسعى إلى الاستقرار الحقيقي، لا يمكنها أن تبنيه على الإنكار أو الإقصاء أو الصمت القسري، بل على العدالة القانونية، والاعتراف المتبادل، وسيادة القانون. فالقضية الكوردية، في بعدها العميق، ليست اختباراً للشعب الكوردي وحده، بل اختباراً لمدى حداثة الدولة، وشرعية نظامها القانوني، وقدرتها على التحول من دولة الهيمنة إلى دولة الحقوق.
وبذلك، فإن إنصاف الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكوردي لا يعد تهديداً لوحدة الدول، بل شرطاً أساسياً لاستدامتها، ولا يضعف الدولة، بل يعيد تأسيسها على أسس قانونية صلبة، يكون فيها القانون أداة حماية، لا وسيلة إقصاء، وتكون التربية فضاءً للحرية، لا ساحة لإعادة إنتاج الظلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- Kymlicka, Will. Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford: Oxford University Press, 1995.
- Cassese, Antonio. Self-Determination of Peoples: A Legal Reappraisal. Cambridge: Cambridge University Press, 1995.
- Dworkin, Ronald. Taking Rights Seriously. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1977.
- Thornberry, Patrick. International Law and the Rights of Minorities. Oxford: Oxford University Press, 1991.
- Capotorti, Francesco. Study on the Rights of Persons Belonging to Ethnic, Religious and Linguistic Minorities. United Nations, 1979.
- Crawford, James. The Creation of States in International Law. Oxford: Oxford University Press, 2006.
- McDowall, David. A Modern History of the Kurds. London: I.B. Tauris, 2004.
- Bozarslan, Hamit. La Question Kurde. Paris: Presses de Sciences Po, 2013.
- Freire, Paulo. Pedagogy of the Oppressed. New York: Continuum, 1970.
- UN Committee on Economic, Social and Cultural Rights. General Comment No. 13: The Right to Education. UN Doc. E/C.12/1999/10.