بقلم: د. عدنان بوزان
مقدمة:
منذ أن نشأت الدولة بوصفها تنظيماً سياسياً لإدارة شؤون الجماعة، ظل السؤال الجوهري معلقاً في قلب التجربة البشرية، يتخفى أحياناً خلف القوانين، ويطفو أحياناً أخرى في لحظات الأزمات والانهيارات:
لمن تقوم الدولة؟
هل تقوم لحماية الإنسان أم لإدارته؟
هل تبنى من أجله أم تشاد فوقه حتى يغدو مجرد عنصرٍ قابل للاستبدال داخل بنيانها الصلب؟
ليس هذا السؤال تمريناً فلسفياً مجرداً، بل هو المفتاح الذي يحدد طبيعة الحكم، ومعنى السلطة، وحدود الشرعية. فالدولة، مهما اختلفت أشكالها وأنظمتها، ليست كياناً محايداً أو بنية تقنية خالصة، بل هي دائماً تعبير عن تصور معين للإنسان: إما بوصفه غاية وذاتاً حرة، أو بوصفه وسيلة وموضوع إدارة.
إن تاريخ الحكم، في جوهره العميق، ليس سوى تاريخ العلاقة الملتبسة بين السلطة والإنسان. علاقة لم تحسم يوماً لصالح أحد الطرفين بصورة نهائية، بل ظلت تتأرجح بين الحماية والسيطرة، بين الرعاية والإخضاع، بين الاعتراف بالإنسان وإنكاره. وحين تقدم الدولة على الإنسان، تتحول السياسة من فعلٍ إنساني جامع إلى تقنية ضبط، ويتحول المواطن من ذاتٍ سياسية إلى موضوع حكم، ومن شريك في القرار إلى كيانٍ يدار ويراقب ويعاد تشكيله وفق منطق السلطة.
في هذا السياق، لا تعود الدولة إطاراً للعيش المشترك، بل تصبح جهازاً فوق المجتمع، منفصلاً عنه، يتعامل معه بوصفه مادة خاماً للضبط أو الخوف أو التعبئة. وتتحول القوانين من أدوات لحماية الحقوق إلى وسائل لتنظيم الطاعة، ويختزل مفهوم المواطنة في الولاء، لا في المشاركة، وفي الامتثال لا في الحرية.
أما حين يوضع الإنسان في مركز التفكير السياسي، فإن معنى الدولة ذاته يتغير جذرياً. فهي لا تعود غاية قائمة بذاتها، ولا كياناً متعالياً على المجتمع، بل تصبح وسيلة أخلاقية وتنظيمية غايتها حماية الكرامة الإنسانية، وضمان العدالة، وتنظيم الاختلاف داخل إطارٍ جامع. في هذا التصور، لا تقاس الدولة بقوة أجهزتها، بل بمدى احترامها للإنسان، ولا تختبر شرعيتها بقدرتها على القمع، بل بقدرتها على تقليص الألم الإنساني، وتوسيع فضاءات الحرية، وتحقيق المعنى السياسي للعدالة.
من هنا، لا تأتي فلسفة «الإنسان أولاً» بوصفها شعاراً إنسانياً ناعماً أو خطاباً أخلاقياً تجميلياً، بل بوصفها قطيعة معرفية وفلسفية مع نماذج حكم تاريخية قامت على تقديس السلطة، وتأليه الدولة، وتشييء الإنسان. إنها فلسفة ترفض منطق التضحية بالإنسان باسم الدولة، وتفكك السرديات التي شرعنت القمع باسم الأمن، والإقصاء باسم الوحدة، والاستبداد باسم الاستقرار.
فالإنسان، في هذا الإطار، ليس عنصراً تابعاً في بنية الحكم، ولا كياناً قابلاً للمقايضة السياسية، بل هو المعيار الذي تقاس به شرعية الدولة ومعنى السلطة. والدولة التي تفقد هذا المعيار، مهما امتلكت من أدوات السيطرة والقوة، إنما تبني وجودها على فراغٍ أخلاقي سرعان ما يتحول إلى أزمة بنيوية، تفضي إلى الانفصال بين الدولة والمجتمع، ثم إلى الانهيار أو العنف أو إعادة إنتاج المأساة.
إن هذه الدراسة تنطلق من افتراض مركزي مفاده أن أزمة الدولة الحديثة، ولا سيما في السياقات التي سادت فيها الأنماط السلطوية، ليست أزمة إدارية أو تقنية في الحكم، بل أزمة معنى قبل كل شيء: معنى السلطة، ومعنى الدولة، ومعنى الإنسان داخل البنية السياسية. ومن هنا، فإن الانتقال من «السلطة» إلى «المعنى» لا يشير إلى تحول لغوي أو أخلاقي فحسب، بل إلى إعادة تأسيس فلسفية لمفهوم الحكم ذاته.
وعليه، لا تسعى هذه الدراسة إلى تقديم نموذجٍ جاهز للدولة، ولا إلى ترويج تصورٍ مثالي منفصل عن الواقع، بل إلى مساءلة الأسس الفلسفية التي قام عليها الحكم، وإعادة طرح السؤال الأول الذي كثيراً ما جرى تجاهله أو قمعه:
ما قيمة الدولة إن لم تكن في خدمة الإنسان؟
وأي معنى للسلطة إن لم تقاس بمدى احترامها لكرامة من تحكمهم؟
من هذا السؤال تبدأ هذه الدراسة، لا بوصفه سؤالاً افتتاحياً فحسب، بل بوصفه خيطاً ناظماً لكل ما سيأتي بعدها: في تحليل السلطة، وفي نقد نماذج الحكم، وفي البحث عن إمكانية بناء دولة لا تبدأ بالهيمنة، بل بالإنسان، ولا تنتهي عند السيطرة، بل عند المعنى.
أولاً: الأساس الفلسفي — الإنسان بوصفه قيمة مطلقة
لا يمكن التفكير في الدولة، ولا في السلطة، ولا في الحكم، من دون الانطلاق من السؤال الأكثر جذرية في الفلسفة السياسية: ما موقع الإنسان في بنية المعنى السياسي؟
هل هو غاية بحد ذاته، أم وسيلة في مشروع يتجاوزه؟
هل تستمد قيمة الدولة من قدرتها على تنظيم المجتمع، أم من قدرتها على حماية الإنسان بوصفه كائناً حراً يمتلك كرامة غير قابلة للمساومة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مسألة أخلاقية مجردة، بل تشكل الأساس الفلسفي الذي تبنى عليه تصورات الحكم، وتحدد من خلاله شرعية السلطة وحدودها. فكل نظرية سياسية، مهما ادعت الحياد أو الواقعية، تنطوي في عمقها على تصور معين للإنسان: إما بوصفه قيمة مطلقة، أو بوصفه أداة ضمن منظومة غايات أعلى.
في التصورات السلطوية للحكم، يختزل الإنسان إلى وظيفة: جندي في معركة، عامل في آلة الإنتاج، تابع في الهرم السياسي، أو رقم في سجلات الإدارة. هذا الاختزال لا يحدث عرضاً، بل هو نتيجة مباشرة لرؤية فلسفية ترى الدولة غاية قائمة بذاتها، وتمنح السلطة حق استخدام الإنسان لتحقيق أهدافها. وهكذا، تشرعن التضحية بالإنسان باسم الأمن، وتبرر انتهاك كرامته باسم المصلحة العامة، ويعاد تعريفه بوصفه مورداً سياسياً قابلاً للاستهلاك.
في المقابل، يقوم الأساس الفلسفي لفكرة الإنسان بوصفه قيمة مطلقة على قطيعة جذرية مع هذا المنطق الأداتي. فالإنسان، في هذا التصور، لا يقاس نفعه بمدى خدمته للدولة، ولا تحدد قيمته بمدى طاعته للسلطة، بل تستمد كرامته من كونه كائناً عاقلاً، حراً، قادراً على الفعل والاختيار وتحمل المسؤولية. ومن ثم، لا يجوز التعامل معه بوصفه وسيلة لأي غاية سياسية، مهما بدت تلك الغاية نبيلة أو ضرورية.
إن الاعتراف بالإنسان كقيمة مطلقة يفرض قيوداً أخلاقية صارمة على السلطة، ويعيد رسم حدود الدولة ووظيفتها. فالدولة، في هذا الإطار، لا تملك الإنسان، ولا تمنحه كرامته، بل تلزم باحترامها وحمايتها. وتصبح القوانين أدوات لصون الحرية لا لتقييدها، وتتحول السلطة من امتياز إلى مسؤولية، ومن حق في الإخضاع إلى واجب في الخدمة.
غير أن هذا التصور لا يختزل الإنسان في فردٍ معزول، بل يراه كائناً اجتماعياً تتشكل حريته داخل الجماعة، لا ضدها. فالإنسان بوصفه قيمة مطلقة لا يعني إنكار المجتمع أو الدولة، بل يعني إعادة تأسيسهما على قاعدة الاعتراف المتبادل، حيث تبنى العلاقة بين الفرد والسلطة على الحق والواجب، لا على الخوف والطاعة العمياء.
من هنا، فإن جعل الإنسان قيمة مطلقة لا يعد موقفاً أخلاقياً مثالياً، بل شرطاً فلسفياً لقيام دولة شرعية. فالدولة التي لا تنطلق من هذا المبدأ تفقد مبرر وجودها الأخلاقي، وتتحول، مهما بلغت درجة تنظيمها وقوتها، إلى بنية قسرية تعيش في صراع دائم مع المجتمع الذي تحكمه.
وعليه، يشكل هذا الأساس الفلسفي نقطة الانطلاق لكل بحث جاد في فلسفة الحكم وبناء الدولة؛ إذ بدونه، يغدو الحديث عن العدالة والشرعية والحقوق مجرد شعارات فارغة، وتتحول السياسة إلى ممارسة تقنية بلا معنى. أما حين يعاد الاعتبار للإنسان بوصفه قيمة مطلقة، فإن السياسة تستعيد بعدها الإنساني، وتغدو الدولة مجالاً لإنتاج المعنى، لا لإدارته قسراً.
- من الإنسان-الأداة إلى الإنسان-الغاية
لم يكن اختزال الإنسان إلى وظيفةٍ في جهاز الدولة مجرد انحرافٍ سياسي عابر، بل هو نتاج تاريخٍ طويلٍ من الفلسفات التي رأت في السلطة مركز الوجود السياسي، وفي الدولة كياناً أعلى من الفرد. في هذا الأفق، لا ينظر إلى الإنسان بوصفه ذاتاً أخلاقية مستقلة، بل باعتباره مورداً قابلاً للتوظيف:
جندياً يستدعى عند الحاجة، عاملاً يستهلك في دورة الإنتاج، رقماً يدار في الجداول الإحصائية، أو تابعاً يعاد تشكيل وعيه وفق متطلبات الهرم السلطوي.
هذا التحول من الإنسان-الذات إلى الإنسان-الأداة ليس تفصيلاً تقنياً في إدارة الحكم، بل هو قلبٌ جذري لمعنى السياسة ذاتها. فعندما تصبح الدولة غايةً في ذاتها، يغدو الإنسان وسيلةً لتثبيت بقائها، لا سبباً لوجودها. وحين تقدم “مصلحة الدولة” بوصفها مفهوماً مطلقاً، تتحول إلى ذريعة مفتوحة لانتهاك الجسد والحرية والكرامة، باسم الأمن، أو الاستقرار، أو الوحدة، أو حتى باسم التاريخ والمصير.
في المقابل، تنطلق فلسفة الإنسان أولاً من قطيعةٍ واضحة مع هذا الإرث السلطوي، لتؤسس لمبدأ جذري مفاده أن الإنسان ليس أداة في مشروع سياسي، بل هو الغاية التي يقاس بها مشروعية أي مشروع. هنا لا يعود الإنسان “مورداً سيادياً”، بل قيمةً مطلقة غير قابلة للاختزال أو المساومة. وهو ما يعني، فلسفياً، أن السياسة لا تملك الحق في تبرير المساس بالإنسان تحت أي ذريعة، لأن الإنسان ليس موضوعاً للسياسة، بل شرطها الأخلاقي الأول.
هذا التحول يغير جذرياً معايير الحكم. فالسياسة لا تقاس فقط بقدرتها على تحقيق الفعالية أو فرض النظام، بل بمدى احترامها لحدودها الأخلاقية. والسلطة لا تمنح شرعيتها من قدرتها على الضبط والقمع، بل من اعترافها بأن لها حدوداً لا يجوز تجاوزها، لأن ما يقع خارج هذه الحدود هو الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.
من هنا، يصبح الإنسان معيار الدولة، لا العكس. وتغدو الدولة إطاراً تنظيمياً لخدمة الكرامة الإنسانية، لا جهازاً لإدارتها أو السيطرة عليها. وفي هذا المعنى، لا تعود العدالة مفهوماً قانونياً مجرداً، بل تصبح التعبير العملي عن الاعتراف بالإنسان كقيمة مطلقة، لا تقاس بمنفعتها، ولا تختزل بدورها، ولا تعلق حقوقها على شروط الولاء أو الطاعة.
بهذا الأساس الفلسفي، تخرج فكرة الحكم من منطق السيطرة إلى منطق المعنى، وتتحول الدولة من بنية سلطة إلى مشروع أخلاقي، يكون فيه الإنسان ليس فقط محور السياسة، بل سبب وجودها وحدودها النهائية.
- الكرامة الإنسانية كشرط وجودي للدولة
لا تفهم الكرامة الإنسانية، في فلسفة الحكم، بوصفها منحةً قانونية أو امتيازاً سياسياً تمنحه الدولة لمواطنيها متى شاءت وتسحبه متى شاءت، بل بوصفها حقيقةً أنطولوجية تسبق الدولة ذاتها. فالإنسان لا يكتسب كرامته من انتمائه السياسي، ولا من اعتراف السلطة به، بل من كونه إنساناً. ومن هنا، فإن أي دولة لا تنطلق من هذا الاعتراف الجذري إنما تقوم على فراغٍ أخلاقي، مهما بدت متماسكة في بنيتها القانونية أو قوية في أجهزتها القسرية.
الدولة، بهذا المعنى، ليست مصدر الكرامة، بل حارستها. وحين تنقلب من حارسٍ إلى منتهِك، تفقد مبرر وجودها الفلسفي قبل أن تفقد شرعيتها السياسية. فالدولة التي لا تعترف بأن الكرامة الإنسانية تسبقها، وتعلو عليها، وتحد من سلطتها، تتحول من إطارٍ منظم للحياة المشتركة إلى بنية قهر تعيد إنتاج العنف تحت مسميات مختلفة: القانون، السيادة، الأمن، أو حتى “المصلحة العامة”.
إن أي نظام حكم يسمح بالإذلال الممنهج، أو يشرعن التعذيب بوصفه أداةً أمنية، أو يبرر الإقصاء السياسي والاجتماعي تحت ذرائع أيديولوجية أو هوياتية، أو يقبل بتفاوتٍ اقتصادي واجتماعي مهين يحط من قيمة الإنسان، لا يكون مجرد نظامٍ فاسد أو مستبد، بل يكون نظاماً يعمل ضد الأساس الوجودي للدولة ذاتها. فهو يهدم الشرط الأخلاقي الذي يجعل الطاعة ممكنة دون خوف، والامتثال ممكناً دون قسر، والانتماء ممكناً دون إذلال.
فالكرامة ليست قيمة أخلاقية مكملة للحكم، بل هي البنية التحتية غير المرئية لأي سلطة قابلة للاستمرار. ومن دونها، لا يعود العقد بين الحاكم والمحكوم عقداً سياسياً، بل علاقة قوة عارية. وعند هذه النقطة، يتحول القانون إلى أداة ضبط لا أداة عدالة، وتغدو المؤسسات واجهاتٍ شكلية لهيمنة لا تعترف بالإنسان إلا بقدر ما يطيع.
في هذا السياق، لا تقاس شرعية الدولة بانتخاباتٍ شكلية، ولا بتاريخٍ ثوري، ولا بشرعية دينية مدعاة، بل بمدى قدرتها على حماية الكرامة الإنسانية بوصفها حداً لا يجوز تجاوزه. فحين تنتهك الكرامة، لا تنهار حقوق الأفراد فقط، بل يتصدع المعنى الذي تقوم عليه الدولة نفسها. إذ لا يمكن لدولةٍ أن تطلب الولاء من مواطنٍ مهان، ولا أن تبني استقراراً دائماً فوق خوفٍ متراكم، ولا أن تؤسس وحدةً وطنية على الإقصاء والتمييز.
وعليه، فإن فلسفة الإنسان أولاً لا ترى في الكرامة بنداً أخلاقياً إضافياً في خطاب الحكم، بل تراها شرطه الوجودي الأول. الدولة التي تحمي كرامة الإنسان تبرر وجودها يومياً، والدولة التي تنتهكها تحكم على نفسها، ولو بعد حين، بالتحلل من الداخل، مهما طال عمرها الظاهري.
- الدولة بين الشرعية والقسر: من الطاعة المفروضة إلى القبول الأخلاقي
تقوم الدولة، في ظاهرها، على الطاعة. غير أن السؤال الفلسفي الحاسم لا يتعلق بوجود الطاعة بحد ذاتها، بل بطبيعتها:
هل يطيع الإنسان لأنه مقتنع بعدالة النظام؟
أم لأن القسر سبق القناعة، والخوف سبق المعنى؟
هنا يتبدى الفارق الجوهري بين دولةٍ تستند إلى الشرعية ودولةٍ لا تقوم إلا على القسر. فالشرعية ليست مسألة قانونية محضة، ولا تختزل في نصوص الدستور أو إجراءات الحكم، بل هي علاقة أخلاقية غير مرئية بين السلطة والإنسان. علاقة قوامها الاعتراف، والقبول، والإحساس بأنّ الحكم — رغم عيوبه — لا ينتهك جوهر الكرامة الإنسانية.
في الدولة الشرعية، لا تمارس السلطة فقط لأنها قادرة على ذلك، بل لأن المجتمع يعترف لها بحق الحكم. أما في الدولة القسرية، فالسلطة تمارس لأنها تملك أدوات العنف، لا لأنها تملك المعنى. وهنا تتحول الطاعة من فعلٍ سياسي واعٍ إلى استجابة غريزية للخوف، ويتحول المواطن من شريكٍ ضمن العقد الاجتماعي إلى كائنٍ مراقَب، محكوم، ومحتوى داخل منظومة ضبط.
القسر، بهذا المعنى، ليس علامة قوة الدولة، بل دليل هشاشتها العميقة. فكلما احتاجت السلطة إلى مضاعفة أدوات القمع، دلّ ذلك على تآكل الشرعية من داخلها. الدولة التي تقنع لا تحتاج إلى الإفراط في القمع، والدولة التي ترهب لا تستطيع أن تقنع. ولهذا، فإن العنف السياسي لا يكون بديلاً عن الشرعية، بل اعترافاً ضمنياً بفشلها.
إن الطاعة المفروضة لا تنتج استقراراً، بل تؤجل الانفجار. فهي تراكم الصمت لا الرضا، وتنتج الامتثال لا الانتماء. ومع الزمن، يتحول الخوف إلى اغتراب، وتتحول الدولة إلى كيانٍ خارجي عن المجتمع، ينظر إليه بوصفه جهازاً معادياً لا إطاراً جامعاً. وعند هذه النقطة، تفقد الدولة قدرتها على تمثيل المعنى المشترك، وتتحول إلى سلطة قائمة بذاتها، منفصلة عن الإنسان الذي تزعم حكمه.
في المقابل، يقوم القبول الأخلاقي على فكرة أعمق من الطاعة: القبول الذي ينبع من الإحساس بالعدالة، ومن الاعتراف بأن السلطة — مهما كانت قوية — محدودة بحدود إنسانية لا يجوز تجاوزها. القبول الأخلاقي لا يعني غياب النقد أو الاحتجاج، بل يعني أن الصراع السياسي يجري داخل إطار الدولة، لا ضدها، لأن الدولة لا تختزل في سلطة القهر، بل تدرك بوصفها فضاءً عاماً قابلاً للإصلاح.
وهنا تبرز الفلسفة السياسية للإنسان أولاً بوصفها إعادة تعريف جذرية لمصدر الطاعة:
الإنسان لا يطيع لأن الدولة تأمر، بل يطيع لأن الدولة تبرر سلطتها أخلاقياً.
فالشرعية الحقيقية لا تنتج من فوهة البندقية، ولا من خطابٍ تعبوي، ولا من شرعية ثورية متآكلة، بل من قدرة الحكم على احترام الإنسان بوصفه غاية، لا وسيلة. وكلما اقتربت الدولة من الإنسان، ازدادت حاجتها إلى القسر تراجعاً، وكلما ابتعدت عنه، تضخم جهاز العنف ليعوض غياب المعنى.
إن الانتقال من الطاعة المفروضة إلى القبول الأخلاقي ليس مسألة إصلاح إداري أو تعديل دستوري فقط، بل تحول في فلسفة الحكم نفسها: من دولة ترى الإنسان خطراً يجب ضبطه، إلى دولة ترى الإنسان قيمةً يجب حمايتها. ومن سلطة تخاف من المجتمع، إلى دولة تستمد وجودها منه.
ومن دون هذا التحول، تظل الدولة كياناً قائماً بالقوة، لا بالحق؛ بالهيمنة، لا بالشرعية؛ وبالزمن المؤجل، لا بالاستمرار التاريخي.
ثانياً: السلطة السياسية — من الهيمنة إلى الخدمة
لم تكن السلطة السياسية، في تاريخ الدولة، مفهوماً محايداً أو تقنياً، بل كانت دائماً مرآةً للرؤية التي يحملها الحكم عن الإنسان. فحيث ينظر إلى الإنسان بوصفه خطراً محتملاً، تبنى السلطة على الهيمنة والضبط والرقابة. وحيث ينظر إليه بوصفه قيمةً وغاية، تعاد صياغة السلطة بوصفها وظيفةً في خدمة المجتمع، لا أداةً للسيطرة عليه.
إن الانتقال من سلطة الهيمنة إلى سلطة الخدمة لا يمثل مجرد تحول في أسلوب الحكم، بل انقلاباً في منطق السلطة ذاته. فالهيمنة تفترض عدم ثقةٍ بنيوية بالمجتمع، وتقوم على منطق الأمر والطاعة، وتحتاج باستمرار إلى إنتاج الخوف كي تحافظ على ذاتها. أما السلطة بوصفها خدمة، فتقوم على الثقة المتبادلة، وعلى فكرة أن القوة السياسية لا تمارس ضد الإنسان، بل من أجله، وبحدودٍ يفرضها احترام كرامته وحقوقه.
في نموذج الهيمنة، تختزل السياسة إلى إدارة للعنف المنظم، وتتحول المؤسسات إلى أدوات تنفيذ، ويتماهى الحاكم مع الدولة، وتغيب المساءلة تحت ذرائع السيادة أو الأمن أو الاستثناء. أمّا في نموذج الخدمة، فتفهم السلطة بوصفها تفويضاً مشروطاً، ومؤقتاً، وقابلاً للسحب، وتغدو المؤسسات فضاءاتٍ للضبط المتبادل، لا أذرعاً للهيمنة من الأعلى إلى الأسفل.
إن فلسفة الإنسان أولاً تعيد تعريف السلطة من جذورها: فهي لا ترى في القوة السياسية حقاً أصلياً للحاكم، بل مسؤولية ثقيلة لا تكتسب إلا بقدر ما تمارس في خدمة الإنسان. فكل سلطة لا تخفف من معاناة الناس، ولا تحمي حرياتهم، ولا تصون كرامتهم، تفقد معناها الأخلاقي، حتى وإن احتفظت بكل أدوات السيطرة القانونية والأمنية.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: كيف تحكم السلطة؟
بل: لماذا تحكم؟ ولأجل من تمارس قوتها؟
إن السلطة التي لا تقاس بقدرتها على خدمة الإنسان، تتحول — مهما تلون خطابها — إلى شكلٍ آخر من أشكال الهيمنة. أما السلطة التي تجعل من خدمة الإنسان معياراً لوجودها، فهي وحدها القادرة على التحول من عبءٍ تاريخي إلى ضرورةٍ أخلاقية، ومن أداة قسر إلى أفق معنى.
وهكذا، فإن هذا المحور لا يسعى إلى تجميل السلطة أو تبريرها، بل إلى إخضاعها لمعيارٍ فلسفي صارم:
السلطة تبرر فقط بقدر ما تخدم الإنسان، وتسقط أخلاقياً كلما تحولت إلى غايةٍ بذاتها.
- نقد مفهوم السلطة التقليدية
في النموذج السياسي التقليدي، تفهم السلطة بوصفها امتيازاً ينتزع أو يورَّث أو يحتكر، لا بوصفها علاقةً أخلاقية مع المجتمع. فهي تعرف باعتبارها حق السيطرة على المجال العام، وامتلاك القرار النهائي، واحتكار وسائل العنف المشروع، وفرض الطاعة بوصفها شرط الاستقرار. هذا الفهم، الذي تشكل عبر قرون من الحكم السلطوي، لم يكن محايداً في نتائجه، بل أنتج نمطاً محدداً من الدولة ونمطاً موازٍ من الإنسان.
في هذا النموذج، تتعامل الدولة مع المجتمع بوصفه مادةً يجب ضبطها لا شريكاً يجب الإنصات إليه. فكل مطالبة بالحقوق تقرأ بوصفها تهديداً، وكل اختلاف يؤول كخلل أمني، وكل نقد يصنف خطراً على “هيبة الدولة”. وهكذا، تنشأ دولة خائفة من مجتمعها، لأن شرعيتها لا تقوم على القبول بل على السيطرة، ويقابلها مجتمع خائف من دولته، لأن السلطة لا تظهر إلا في لحظة القسر لا في لحظة الخدمة.
إن السلطة حين تختزل في السيطرة، تفقد بعدها الأخلاقي، وتتحول من وظيفةٍ سياسية إلى غنيمةٍ يصارع عليها. فالحكم لا يمارس باعتباره مسؤولية تجاه الإنسان، بل باعتباره قدرة على الإكراه، وتوزيع الامتيازات، وإعادة إنتاج الولاءات. وفي هذا السياق، لا يعود السؤال: كيف نخدم المجتمع؟ بل: كيف نحافظ على السلطة؟ وكيف نحيد المجتمع أو ندجنه؟
فلسفة الإنسان أولاً تنقض هذا التصور من جذوره. فهي لا ترى في السلطة حقاً طبيعياً للحاكم، ولا نتيجة تفويضٍ مطلق، بل تكليفاً أخلاقياً مشروطاً، لا يكتسب إلا بقدر ما يمارس في خدمة الإنسان. فالسلطة، وفق هذا المنظور، ليست ملكاً لمن يمارسها، بل أمانة مؤقتة، تسحب لحظة تتحول إلى أداة هيمنة أو إذلال.
ومن هنا، تعاد صياغة السلطة بوصفها مسؤولية لا امتيازاً، وتكليفاً لا غنيمة. فهي مسؤولية أمام الإنسان قبل أن تكون سلطة عليه، ومسؤولية أمام القانون قبل أن تكون قدرة على تجاوزه. إن السلطة التي لا تحاسب، لا يمكن أن تكون عادلة. والسلطة التي لا تقيد، لا يمكن إلا أن تنزلق نحو الاستبداد، مهما حسنت نواياها المعلنة.
في هذا الإطار، لا تمارس السلطة باسم ذاتها أو باسم “الدولة المجردة”، بل باسم الإنسان بوصفه مصدر الشرعية وغايتها في آن. فالقرار السياسي لا يبرر بقوته التنفيذية، بل بمدى خدمته للإنسان. والعنف، حتى في أقصى حالات الضرورة، لا يشرعن إلا بقدر ما يكون آخر الحلول، وتحت رقابة قانونية وأخلاقية صارمة، لا باعتباره أداة حكم يومية.
إن إخضاع السلطة للقانون لا يعني فقط احترام النصوص، بل احترام روح العدالة التي تجعل القانون وسيلة لحماية الإنسان لا أداة لإخضاعه. فحين يفصل القانون على مقاس السلطة، يتحول من ضمانة إلى قيدٍ على المجتمع. أما حين تخضع السلطة للقانون، فإنها تعترف بحدودها، وتكفّ عن ادعاء العصمة أو الاحتكار الأخلاقي للحقيقة.
وبذلك، لا تسعى فلسفة الإنسان أولاً إلى إلغاء السلطة أو إضعاف الدولة، بل إلى إعادة تأسيسهما على قاعدة مختلفة: سلطة قوية بخدمتها، لا بعنفها؛ دولة مستقرة بشرعيتها، لا بخوف مواطنيها. فالقوة التي لا تقيد بالمسؤولية تتحول إلى استبداد، أما القوة التي تمارس ضمن أفق أخلاقي واضح، فهي وحدها القادرة على إنتاج دولةٍ قابلة للحياة والاستمرار.
إن نقد مفهوم السلطة التقليدية ليس تمريناً نظرياً، بل شرطٌ أولي لأي مشروع سياسي يسعى إلى بناء دولةٍ لا تخاف من الإنسان، ولا يخاف الإنسان فيها من دولته.
- الدولة الراعية بدل الدولة القامعة
حين يعاد وضع الإنسان في مركز الحكم، لا تعود الدولة كياناً متعالياً على المجتمع، ولا جهازاً قهرياً يفرض نفسه بالقوة، بل تتحول إلى إطارٍ راعٍ ينظم الحياة المشتركة ويحمي شروطها الإنسانية. فالدولة، في فلسفة الإنسان أولاً، ليست نقيض الحرية، بل شرطها التنظيمي؛ وليست عدو الحقوق، بل الضامن المؤسسي لها.
في نموذج الدولة القامعة، تبنى السلطة على افتراضٍ عدائي تجاه المجتمع. فالأمن يقدم على الحقوق، والنظام على العدالة، والطاعة على المشاركة. وهكذا، تتحول أجهزة الدولة إلى أدوات ضبط، وتختزل السياسة في إدارة الخوف، ويعاد تعريف الاستقرار بوصفه غياب الاعتراض لا حضور العدالة. أما الدولة الراعية، فتنطلق من افتراضٍ معاكس: الإنسان ليس خطراً يجب تحييده، بل قيمة يجب حمايتها، وشريكاً يجب تمكينه.
إن الدولة الراعية لا تعني دولة ضعيفة أو متراخية، بل دولة قوية بشرعيتها، لا بعنفها. فالقوة هنا لا تقاس بقدرة الدولة على القمع، بل بقدرتها على إنفاذ الحقوق دون تمييز، وتنظيم العدالة دون انتقائية، وحماية الحريات دون انتقاص. فالدولة التي تحمي حرية التعبير لا تخسر هيبتها، بل تؤسس لها. والدولة التي تضمن استقلال القضاء لا تقيد نفسها، بل تحمي ذاتها من الانحراف.
في هذا السياق، تتحول وظيفة الدولة من السيطرة إلى الرعاية، ومن الإكراه إلى الوساطة. فهي ليست سيداً مطلقاً يفرض إرادته من الأعلى، بل وسيطاً اجتماعياً ينظم التوازن بين المصالح المتعارضة، ويمنع تحول الصراع إلى عنف. فالدولة الراعية لا تلغي التعدد، بل تديره ضمن أطر قانونية عادلة، ولا تصادر الاختلاف، بل تحوله إلى مصدر دينامية سياسية لا إلى تهديد أمني.
إن ضمان الحقوق في الدولة الراعية ليس فعل إحسان، بل التزام دستوري وأخلاقي. فالحقوق لا تمنح وفق الولاء، ولا تسحب وفق المزاج السياسي، بل تحترم بوصفها حدوداً لا يجوز للسلطة تجاوزها. والعدالة لا تدار كأداة سياسية، بل كشرط وجودي للثقة بين الدولة والمجتمع. أما الحريات، فهي ليست خطراً على الدولة، بل معيار نضجها.
ومن هنا، فإن الشرعية الحقيقية لا تنتَج بالقوة، مهما بلغت شدتها، بل تبنى بالثقة المتراكمة. والثقة لا تفرض، بل تكتسب حين يشعر الإنسان أن الدولة تعمل من أجله لا عليه، تحميه لا تراقبه، وتنصت له لا تشتبه به. فحيث تغيب الثقة، تحضر الطاعة القسرية؛ وحيث تحضر الثقة، يصبح الامتثال فعلاً واعياً لا استجابة خوف.
إن الدولة الراعية لا تطلب من مواطنيها الولاء الأعمى، بل المشاركة الواعية. ولا تسعى إلى إخضاع المجتمع، بل إلى تنظيم حريته. وفي ذلك، تتحقق المعادلة الأصعب في فلسفة الحكم: دولة قوية بلا استبداد، وسلطة فعّالة بلا قمع، ونظام مستقر دون التضحية بالإنسان.
وهكذا، فإن الانتقال من الدولة القامعة إلى الدولة الراعية ليس انتقالاً تقنياً أو إدارياً، بل تحول في المعنى: من دولة ترى في الإنسان عبئاً يجب ضبطه، إلى دولة ترى فيه غايتها القصوى وشرط شرعيتها الأول.
ثالثاً: العدالة الاجتماعية — العمود الفقري للدولة الإنسانية
لا تكتمل فلسفة الحكم التي تضع الإنسان في المركز ما لم تترجم إلى عدالةٍ ملموسة في شروط العيش، وتوازنٍ فعلي في توزيع الفرص، وضماناتٍ تحمي الإنسان من السقوط في الهامش. فالعدالة الاجتماعية ليست بنداً ثانوياً في مشروع الدولة الإنسانية، ولا إضافة أخلاقية تجميلية، بل هي العمود الفقري الذي تقوم عليه شرعية الدولة واستدامتها.
إن الدولة التي تحمي الحقوق السياسية لكنها تتجاهل الفقر، أو تضمن الحريات الشكلية لكنها تسمح بتفاوتٍ اجتماعي مهين، إنما تنتج إنساناً منقوص الكرامة، مهما بدت مؤسساتها ديمقراطية في ظاهرها. فالجوع، والحرمان، وانعدام الفرص ليست مسائل اقتصادية محضة، بل أشكال بنيوية من العنف غير المرئي، تقوّض معنى المواطنة من الداخل، وتحول الحرية إلى امتيازٍ طبقي لا حقّاً إنسانياً عاماً.
في فلسفة الإنسان أولاً، تفهم العدالة الاجتماعية بوصفها الشرط المادي للأخلاق السياسية. فلا يمكن الحديث عن كرامة إنسانية في ظل تفاوتٍ صارخ، ولا عن مشاركة سياسية حقيقية في مجتمعٍ تحتكر فيه الثروة والفرص من قبل قلة. فالعدالة هنا لا تعني المساواة الحسابية الجامدة، بل تعني إزالة العوائق البنيوية التي تمنع الإنسان من تحقيق ذاته، وتضمن له حداً أدنى كريماً من الحياة يسبق أي حديث عن الواجبات أو الطاعة.
إن العدالة الاجتماعية هي ما يمنح الدولة مضمونها الإنساني اليومي. فهي التي تجعل الدولة حاضرة في حياة الناس بوصفها سنداً لا عبئاً، وحامياً لا متفرجاً. ومن دونها، تتحول الدولة إلى كيانٍ قانوني فارغ، لا يملك إلا لغة النصوص، بينما تتآكل الثقة الاجتماعية، ويتحول الإحباط إلى وقود للغضب والعنف والانقسام.
وعليه، فإن هذا المحور لا يناقش العدالة الاجتماعية باعتبارها سياسة رفاه فقط، بل باعتبارها أساساً فلسفياً للحكم الإنساني. فالعدالة ليست نتيجة لاحقة للنمو أو الاستقرار، بل شرطهما الأول. والدولة التي لا تجعل من العدالة الاجتماعية جوهراً لسياساتها، مهما امتلكت من قوة أو خطاب، تظل دولةً هشّة، قائمة على توازنات مؤقتة لا على عقدٍ اجتماعي حيّ.
من هنا، يصبح سؤال العدالة الاجتماعية سؤال الدولة نفسها: هل تدار الدولة لحماية تراكم الامتيازات، أم لضمان كرامة الجميع؟ وهل ينظر إلى الإنسان بوصفه رقماً في معادلات السوق، أم ذاتاً لها حق أصيل في العيش الكريم؟
بهذا المعنى، فإن العدالة الاجتماعية ليست مجرد سياسة عامة، بل معيار أخلاقي حاسم يحدد ما إذا كانت الدولة إنسانية بالفعل، أم مجرد سلطة تدير المجتمع دون أن تنتمي إليه.
- العدالة لا الأمن: قلب المعادلة السياسية
في الدول السلطوية، يستدعى مفهوم «الأمن» بوصفه الذريعة الكبرى التي تبرر كل أشكال الانتهاك. فباسمه تعلق الحقوق، وتقيد الحريات، ويكمم الاختلاف، ويعاد تعريف السياسة بوصفها خطراً يجب تحييده لا مجالاً عاماً يجب تنظيمه. الأمن، في هذا النموذج، لا يفهم كحماية لحياة الناس، بل كحماية للنظام القائم، ولو على حساب الإنسان ذاته.
غير أن هذا الفهم لا ينتج أمناً حقيقياً، بل يراكم هشاشةً بنيوية. فالأمن الذي يبنى على الظلم لا يكون سوى استقرارٍ مؤقت، قائم على الخوف لا على الطمأنينة، وعلى الصمت لا على الرضا. إنه أمن قابل للانفجار عند أول تصدع، لأنه لا يعالج جذور التوتر، بل يخفيها تحت طبقات القمع. وحين ينهار، لا ينهار بهدوء، بل بعنفٍ مضاعف، لأن المظالم المؤجلة تعود دفعة واحدة.
في المقابل، تنطلق الدولة التي تضع الإنسان أولاً من معادلة مقلوبة جذرياً:
لا أمن بلا عدالة.
فالعدالة ليست نقيض الأمن، بل شرطه العميق. إذ لا يمكن لمجتمعٍ يشعر أفراده بالظلم أن يكون آمناً، مهما كثرت الحواجز الأمنية وتضخمت الأجهزة القسرية. الأمن الحقيقي لا ينتج من السيطرة، بل من الإحساس العام بالإنصاف؛ لا من تكميم الأفواه، بل من شعور الناس بأن أصواتهم مسموعة، وأن حقوقهم مصانة، وأن القانون لا يطبق عليهم انتقائياً.
العدالة، في هذا السياق، لا تختزل في مساواة شكلية أمام نصوص قانونية جامدة، ولا في خطابات دستورية معلقة، ولا في وعودٍ سياسية فضفاضة. فالعدالة التي لا تمسّ الواقع الاجتماعي تبقى عدالة وهمية، تزيد الإحباط بدل أن تخففه. العدالة الحقيقية هي تلك التي تترجم إلى توزيعٍ عادل للفرص، وتكافؤٍ فعلي في الوصول إلى الموارد، وحمايةٍ مؤسسية للفئات الهشة التي تكون دائماً أول ضحايا سياسات “الأمن أولاً”.
فحين يحرم الإنسان من العمل، أو التعليم، أو الرعاية الصحية، أو السكن الكريم، يصبح الحديث عن الأمن مجرد تهديد مبطن. وحين يشعر المواطن أن القانون لا يحميه إلا بقدر قربه من السلطة، يتحول الانتماء الوطني إلى شعور هش، قابل للانكسار أمام أي خطاب متطرف أو عنيف. وهكذا، فإن الظلم الاجتماعي لا يكون مجرد مشكلة أخلاقية، بل خطراً أمنياً حقيقياً، لأنه يقوّض الثقة التي يقوم عليها السلم الاجتماعي.
إن الدولة التي تجعل من العدالة أساس سياساتها لا تضعف أمنها، بل تحصنه. فالإنسان الذي يشعر بالإنصاف لا يحتاج إلى القمع كي يلتزم، ولا إلى الخوف كي يطيع. العدالة تنتج مواطناً شريكاً، لا خصماً؛ ومجتمعاً متماسكاً، لا كتلة خائفة. وهي بذلك تحول الأمن من جهاز قسري إلى حالة اجتماعية عامة، تنبع من الداخل لا تفرض من الخارج.
وعليه، فإن قلب المعادلة من «الأمن أولاً» إلى «العدالة أولاً» ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً وجودياً للدولة الإنسانية. فالدولة التي تقدم الأمن على العدالة تحكم على نفسها بالعيش في حالة طوارئ دائمة، أما الدولة التي تجعل العدالة أساس أمنها، فهي وحدها القادرة على إنتاج استقرارٍ طويل الأمد، قائم على الثقة، لا على السلاح.
- الإنسان والاقتصاد: من الاستغلال إلى الكرامة
في الدولة الإنسانية، لا يفهم الاقتصاد بوصفه غايةً قائمة بذاتها، ولا باعتباره مقياس نجاح الدولة أو معيار تفوقها، بل بوصفه أداةً في خدمة الحياة الإنسانية. فالاقتصاد الذي ينفصل عن الإنسان يتحول سريعاً إلى منظومة استنزاف، مهما ارتفعت أرقام النمو ومهما ازدهرت المؤشرات الكلية. إذ لا قيمة لأي ازدهار اقتصادي إذا كان يبنى على تآكل الكرامة، وتوسع الفقر، وتعميق التفاوت الاجتماعي.
في النماذج الاقتصادية السلطوية أو النيوليبرالية المتوحشة، يختزل الإنسان إلى عنصر إنتاج: عامل يقاس بقدرته على العطاء لا بحقه في الحياة الكريمة، ومستهلِك تدار رغباته لا حاجاته، ورقم في معادلات السوق لا ذاتاً إنسانية لها حدود وحقوق. وهكذا، يتحول العمل من فعل تحقيق للذات إلى شكلٍ من أشكال الإكراه الاقتصادي، وتغدو الحاجة سلاحاً ناعماً لإخضاع الإنسان دون عنف مباشر.
فلسفة الإنسان أولاً تقلب هذه المعادلة من أساسها. فهي لا تسأل: كيف نخدم السوق؟ بل: كيف يخدم الاقتصاد الإنسان؟ ولا ترى في الثروة هدفاً سياسياً، بل مسؤولية اجتماعية. فالتراكم الذي ينتج فقراً أوسع ليس نجاحاً، والنمو الذي يعمق الفجوة الطبقية ليس تقدماً، والاقتصاد الذي يحول الإنسان إلى سلعة — تباع جهده، ويستنزف عمره، وتهدر صحته — ليس اقتصاداً، بل شكل مقنع من العنف البنيوي.
إن الكرامة الاقتصادية ليست ترفاً، بل شرطاً أخلاقياً للعدالة الاجتماعية. فالإنسان الذي لا يملك حداً أدنى من الأمان المعيشي لا يكون حراً حقاً، مهما امتلك من حقوق سياسية على الورق. وحين يدفع الناس إلى الاختيار بين البقاء والصمت، تصبح الحرية شعاراً فارغاً، وتغدو المشاركة السياسية امتيازاً للنخبة لا حقاً عاماً.
في الدولة الإنسانية، يعاد تعريف العمل بوصفه حقاً لا منة، ووسيلة لتحقيق الكرامة لا أداة استغلال. ويعاد توزيع الموارد بما يضمن تكافؤ الفرص، لا تكريس الامتيازات. فالسوق لا يترك ليحكم وحده، ولا تقدس “قوانينه” كما لو كانت قدراً طبيعياً، بل يخضع لمعايير العدالة، والرقابة، والمسؤولية الاجتماعية. فالاقتصاد، حين يترك بلا ضوابط إنسانية، لا ينتج حرية، بل تفاوتاً، ولا يولد كفاءة، بل إقصاء.
إن الدولة التي تضع الإنسان أولاً لا تعادي النمو، لكنها ترفض النمو الأعمى. ولا ترفض الاستثمار، لكنها ترفض أن يكون الاستثمار على حساب الإنسان. فهي ترى أن الثروة التي لا تعاد توزيعها بعدالة تتحول إلى مصدر عدم استقرار، وأن الفقر ليس فشلاً فردياً، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية. ومن هنا، تصبح السياسات الاجتماعية — من حماية العمل، إلى الضمان الصحي، إلى التعليم العام — جزءاً لا يتجزأ من فلسفة الحكم، لا عبئاً على الاقتصاد.
فالاقتصاد الذي يخدم الحياة هو اقتصاد يعترف بحدود الإنسان، وبحقه في الأمان، وبحاجته إلى معنى في العمل لا مجرد أجر. أما الحياة التي تستنزف لخدمة الاقتصاد، فهي حياة مفرغة من الكرامة، مهما بدت منتجة. ولهذا، فإن فلسفة الإنسان أولاً لا تطرح نموذجاً اقتصادياً تقنياً بقدر ما تطرح معياراً أخلاقياً صارماً:
كل اقتصاد لا يحفظ كرامة الإنسان هو اقتصاد فاشل، وكل ثروة لا تترجم إلى عدالة هي عنفٌ مؤجّل.
وبذلك، لا يعود السؤال الاقتصادي سؤال أرقام ونسب فقط، بل سؤال دولة: هل تدار الدولة لحماية تراكم الثروة، أم لضمان كرامة الإنسان؟ وهل ينظر إلى الإنسان كوقود للنمو، أم كغاية لكل سياسة اقتصادية؟
رابعاً: الإنسان المتنوع والدولة الجامعة
لا تقوم الدولة الإنسانية على إنكار التنوع، ولا على صهر الإنسان في قالبٍ واحد، بل على الاعتراف العميق بتعدده بوصفه حقيقةً وجودية لا تهديداً سياسياً. فالإنسان، قبل أن يكون مواطناً، هو كائن متنوع في لغته، وثقافته، ودينه، وهويته، وتجربته التاريخية. وكل دولة تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول قمعها باسم الوحدة أو الأمن أو الهوية الواحدة، إنما تبني وحدتها على الإقصاء لا على الاندماج.
في نماذج الدولة السلطوية، ينظر إلى التنوع بوصفه خطراً يجب احتواؤه أو تفكيكه. فتفرض هوية مركزية، وتقدس ثقافة الغالب، وتهمش الهويات الأخرى تحت ذرائع الانسجام الوطني أو الاستقرار السياسي. وبهذا، تتحول الدولة من إطار جامع إلى أداة هيمنة ثقافية، ويغدو الانتماء مشروطاً بالتخلّي عن الذات، لا بالاعتراف المتبادل.
أما الدولة الجامعة، في فلسفة الإنسان أولاً، فتنطلق من مبدأ معاكس: التنوع ليس نقيض الوحدة، بل شرطها العميق. فالوحدة التي تفرض بالقوة هشّة، قابلة للتفكك عند أول أزمة، أما الوحدة التي تبنى على الاعتراف والعدالة والمساواة، فهي وحدة قابلة للاستمرار، لأنها لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن ذاته كي ينتمي.
الدولة الجامعة لا تكتفي بالتسامح الشكلي، بل تؤسس لمواطنة متساوية تعترف بالاختلاف دون تحويله إلى امتياز أو وصمة. فهي لا تكافئ هوية على حساب أخرى، ولا تجرم الانتماءات الفرعية، بل تنظم حضورها داخل الفضاء العام ضمن إطار قانوني عادل. وفي ذلك، تتحول الدولة من أداة صهر قسري إلى فضاء يضمن التعايش الحر بين المختلفين.
إن الاعتراف بالتنوع ليس مسألة ثقافية فقط، بل قضية عدالة سياسية. فحين تهمش لغة، أو تقصى ثقافة، أو يشكك في انتماء جماعة بسبب هويتها، فإن الدولة لا تفشل أخلاقياً فحسب، بل تقوض أسس الاستقرار الاجتماعي. فالإقصاء يولد اغتراباً، والاغتراب ينتج صراعاً، والصراع حين يدار بالقوة يتحول إلى عنفٍ طويل الأمد.
في الدولة الجامعة، يعاد تعريف الانتماء الوطني بوصفه عقداً مدنياً، لا رابطة دم أو دين أو لغة واحدة. فالإنسان ينتمي لأنه معترف به، لا لأنه ذاب في هوية مهيمنة. وهنا، تتحول المواطنة من شعارٍ مجرد إلى ممارسة يومية قائمة على المساواة في الحقوق والواجبات، وعلى الحماية المتساوية أمام القانون.
وعليه، فإن هذا المحور لا يناقش التنوع بوصفه “ملفاً حساساً”، بل بوصفه اختباراً حاسماً لإنسانية الدولة. فالدولة التي تحتمل التنوع وتنظمه بعدالة، تثبت نضجها السياسي والأخلاقي. أما الدولة التي تخاف من اختلاف مواطنيها، فهي دولة تشك في ذاتها قبل أن تشك في مجتمعها.
من هنا، تصبح الدولة الجامعة هي الإطار الوحيد القادر على تحويل التنوع من مصدر صراع إلى مصدر غنى، ومن عبء سياسي إلى طاقة اجتماعية خلاقة. وهي بذلك لا تحمي الإنسان المتنوع فحسب، بل تحمي الدولة ذاتها من التفكك، عبر بناء وحدة تقوم على الاعتراف لا على القهر.
- الاعتراف بدل الإنكار
تقوم الدولة التي تضع الإنسان أولاً على مبدأٍ جوهري: التعدد ليس خللاً في الكيان السياسي، بل شرطاً أنثروبولوجياً لوجوده. فالإنسان كائن متنوع في لغته، وثقافته، وانتمائه الديني والقومي، وتاريخه الجمعي. وأي دولة تبنى على إنكار هذه الحقيقة لا تنتج وحدة، بل تؤسس لعنفٍ مؤجل، لأن الإنكار هو الشكل الأول للعنف السياسي، حتى قبل القمع المادي.
فالإنكار لا يعني فقط تجاهل التنوع، بل تحويله إلى مسألة غير مشروعة، أو إلى تهديدٍ يجب إسكاته. وهكذا، تفرض هوية رسمية واحدة، وتقصى الهويات الأخرى من الفضاء العام، لا بالقوة دائماً، بل عبر التشريع، والمناهج، والخطاب السياسي، وإعادة تعريف “الوطنية” بوصفها تطابقاً قسرياً لا انتماءً حراً. في هذه الحالة، لا يطلب من الإنسان أن ينتمي، بل أن يتخلى عن ذاته كي يقبل.
في المقابل، تنطلق الدولة الإنسانية من اعترافٍ صريح بالتنوع بوصفه حقيقة سابقة على الدولة، لا نتيجة لها. فالهوية لا تمنح بمرسوم، ولا تلغى بقرار، ولا تقاس بمدى قربها من مركز السلطة. والاعتراف هنا ليس مجرد تسامح أخلاقي، بل موقف سياسي مؤسس، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المساواة لا الهيمنة.
إن الاعتراف بالتنوع لا يتناقض مع وحدة الدولة، بل يحميها. فالوحدة التي تبنى على الإنكار هشة، لأنها تطلب الصمت بدل المشاركة، والطاعة بدل القناعة. أما الوحدة الطوعية، فهي ثمرة اعترافٍ متبادل، يشعر فيه كل فرد وكل جماعة بأن وجوده معترف به، وأن انتماءه لا يشكك فيه بسبب لغته أو معتقده أو أصله.
ولهذا، ترفض الدولة التي تضع الإنسان أولاً منطق الأكثرية القامعة، ذلك المنطق الذي يحول الديمقراطية إلى أداة هيمنة عددية، ويبرر سحق حقوق الأقليات باسم “إرادة الشعب”. فالأغلبية، في الدولة الإنسانية، لا تملك حق إلغاء الآخر، لأن الحقوق الأساسية لا تخضع للتصويت، والكرامة لا تقاس بالعدد.
إن المساواة بين المواطنين لا تعني محو الاختلاف، بل تعني حماية هذا الاختلاف ضمن إطار قانوني عادل. فالقانون، حين يكون أداة اعتراف، ينظم التنوع بدل أن يقمعه، ويحوله من مصدر صراع إلى عنصر استقرار. أما حين يستخدم القانون لإنكار التنوع، فإنه يتحول إلى قناعٍ رسمي للعنف الرمزي.
وعليه، فإن الدولة الإنسانية لا تبني وحدتها عبر القسر أو الصهر أو التخويف، بل عبر عقدٍ مدني طوعي، يقوم على الاعتراف المتبادل، والمواطنة المتساوية، والاحترام المتبادل للهويات المختلفة. فالوحدة التي لا تحتمل التنوع ليست وحدة، بل صمتاً مفروضاً؛ والدولة التي تخاف من اختلاف مواطنيها هي دولة تشك في إنسانيتها قبل أن تشك في مواطنيها.
- المواطنة بدل الهوية القسرية
في الدولة التي تضع الإنسان أولاً، لا يطلب من الفرد أن يتخلى عن ذاته كي ينتمي إلى الكيان السياسي، بل يطلب من الدولة أن تتسع لذوات مواطنيها كما هي، لا كما تريدها السلطة أن تكون. فالمواطنة، في هذا النموذج، ليست أداة صهر قسري، ولا امتحان ولاء ثقافي أو ديني أو قومي، بل إطاراً مدنياً جامعاً ينظم العيش المشترك على قاعدة الحقوق والواجبات المتساوية.
في نماذج الهوية القسرية، تفرض صورة واحدة للمواطن “الصالح”، ويقاس الانتماء بمدى التطابق مع هوية رسمية تنتجها السلطة وتعيد فرضها عبر التعليم والإعلام والتشريع. وهكذا، يتحول الانتماء من علاقة طوعية إلى إذعان، وتغدو المواطنة حالة امتثال لا مشاركة، ويختزل الإنسان في تعريف واحد يلغي تعدده وتاريخه الخاص.
أما في فلسفة الإنسان أولاً، فالمواطنة تفهم بوصفها علاقة تعاقدية أخلاقية قبل أن تكون وضعاً قانونياً. إنها علاقة اعتراف متبادل: تعترف الدولة بالإنسان بوصفه مواطناً كامل الحقوق، ويعترف الإنسان بالدولة بوصفها إطاراً شرعياً ينتمي إليه. فلا تبنى المواطنة على الولاء الأعمى، بل على الثقة؛ ولا على الطاعة الصامتة، بل على المشاركة الواعية.
المواطنة هنا ليست إذعاناً لإرادة السلطة، ولا انصهاراً قسرياً في هوية واحدة، بل مساحة يلتقي فيها المختلفون على قاعدة المساواة أمام القانون، مع احتفاظ كل منهم بخصوصيته الثقافية والدينية واللغوية. فالدولة لا تطلب من مواطنيها أن يصبحوا متشابهين، بل أن يكونوا متساوين في الحقوق، ومسؤولين في الواجبات.
إن فصل المواطنة عن الهوية القسرية هو شرط أساسي لبناء دولة جامعة. فحين تربط الحقوق بهوية معينة، تتحول الدولة إلى أداة إقصاء، ويغدو القانون انتقائياً، وتفقد المواطنة معناها الجامع. أما حين تبنى المواطنة على أساس مدني، فإن الدولة تحمي التنوع بدل أن تخاف منه، وتحول الاختلاف إلى عنصر ثراء لا إلى مبرر للشك.
وعليه، فإن الدولة التي تتسع لمواطنيها لا تضعف ذاتها، بل تحصنها. فالمواطن الذي يشعر بأن انتماءه غير مشروط بالتخلي عن ذاته، يكون أكثر استعداداً للدفاع عن الدولة، والمشاركة في شؤونها، وتحمل مسؤولياتها. أما الدولة التي تفرض هوية واحدة، فهي تنتج مواطنين صامتين أو مغتربين، لا شركاء فاعلين.
بهذا المعنى، تصبح المواطنة في الدولة الإنسانية ليست أداة دمج قسري، بل إطار اعتراف، ولا وسيلة ضبط، بل علاقة ثقة. إنها الأساس الذي يسمح للدولة بأن تكون جامعة بحق، لا مجرد سلطة تدير التنوع دون أن تعترف به.
- التنوع بوصفه ثروة سياسية لا خطراً أمنياً
في الدول السلطوية، يعاد تعريف التنوع لا بوصفه حقيقة اجتماعية، بل كـ«مشكلة أمنية». ويختزل الاختلاف القومي أو الديني أو الثقافي إلى عامل تهديد محتمل، يراقب ويضبط ويدار بمنطق الوقاية القسرية. في هذا الإطار، لا ينظر إلى الإنسان المختلف بوصفه مواطناً كامل الحقوق، بل بوصفه مشروع خطر، أو “حالة استثنائية” تستدعي الحذر الدائم.
هذا التحويل من الاجتماعي إلى الأمني ليس بريئاً، بل هو أحد أكثر أشكال الهيمنة السياسية فعالية. فحين يؤمن التنوع بدل الاعتراف به، تعلق السياسة لصالح الأجهزة، ويفرغ الفضاء العام من النقاش، وتختزل الدولة إلى سلطة مراقبة. وهكذا، يصبح الأمن ذريعة لإلغاء المعنى السياسي للاختلاف، لا لحمايته.
في المقابل، تنطلق الدولة التي تضع الإنسان أولاً من افتراضٍ مغاير جذرياً: التنوع ليس خطراً على الدولة، بل مورداً سياسياً وأخلاقياً، إذا ما أُدير ضمن إطار قانوني عادل. فالمجتمعات المتنوعة، حين تعترف بها وتحترم، تمتلك قدرة أعلى على التكيّف، والإبداع، وتداول المعنى، لأنها لا تقوم على صوت واحد، ولا على سردية مغلقة.
التنوع، في هذا التصور، ليس فقط تعدد هويات، بل تعدد زوايا نظر، وتجارب تاريخية، وحساسيات اجتماعية، تغني المجال العام وتمنع تحجره. فالدولة التي تسمح بتعدد السرديات لا تفقد وحدتها، بل تحررها من الاحتكار الرمزي، وتمنع تحول الهوية الوطنية إلى أداة إقصاء.
إن التعامل مع التنوع بوصفه ثروة سياسية يقتضي نقل الاختلاف من المجال الأمني إلى المجال السياسي والقانوني. أي أن يدار عبر الحوار والمؤسسات، لا عبر المراقبة والتخويف؛ وأن يحتوى ضمن الدستور والقانون، لا ضمن الملفات الأمنية. فالأمن الحقيقي لا يتحقق بإسكات التعدد، بل بجعله جزءاً من العقد الاجتماعي.
كما أن اعتبار التنوع ثروة سياسية يعيد تعريف الاستقرار ذاته. فالاستقرار القائم على القمع هو سكون هش، يتفكك عند أول أزمة. أما الاستقرار القائم على الاعتراف، فهو استقرار ديناميكي، قادر على امتصاص التوترات دون انفجار، لأنه يستند إلى شعور عام بالعدالة والانتماء.
وعليه، فإن الدولة الإنسانية لا تسأل: كيف نضبط التنوع؟
بل تسأل: كيف نحميه وننظمه دون أن نختزله أو نؤمنه؟
بهذا المعنى، لا يعود التنوع عبئاً على الدولة، بل يصبح أحد مصادر شرعيتها الأخلاقية، ودليلاً على قدرتها على التحول من سلطة تخاف مجتمعها، إلى دولة تثق بمواطنيها، وتبني وحدتها لا ضد الاختلاف، بل من خلاله.
خامساً: الدولة كاختبار أخلاقي تاريخي
الدولة ليست مجرد جهاز إداري لإدارة السكان، ولا منظومة قانونية لتنظيم العلاقات، ولا قوة سيادية تحتكر العنف باسم الشرعية. الدولة، في جوهرها الأعمق، هي اختبار أخلاقي مفتوح عبر التاريخ: اختبار لمدى قدرة السلطة على أن تكون إنسانية، ولقدرة المجتمع على أن ينتج حكماً لا ينقلب عليه.
فكل دولة تقام، تسأل — صراحة أو ضمناً — سؤالاً أخلاقياً حاسماً:
هل وجدت لحماية الإنسان أم للسيطرة عليه؟
هل تحوّلت إلى إطار للمعنى أم إلى آلة لإدارة الخوف؟
التاريخ لا يحاكم الدول بعدد قوانينها ولا بقوة جيوشها، بل بما خلفته في حياة البشر:
هل وسعت أفق الكرامة أم راكمت أشكال الإذلال؟
هل صانت الضعفاء أم صنعتهم؟
إن الدولة التي تضع الإنسان أولاً لا تنجو من هذا الاختبار تلقائياً، بل تخوضه يومياً. فالشرعية الأخلاقية ليست حالة ثابتة، بل ممارسة مستمرة، تبنى وتفقد. وكل انحراف صغير عن مركزية الإنسان هو بداية تصدع في المعنى، حتى وإن بدا النظام متماسكاً في الظاهر.
من هنا، تصبح الدولة فعلاً تاريخياً مسؤولاً، لا كياناً محايداً. وتتحول السلطة من امتياز إلى عبء أخلاقي. ويغدو الحكم، في أعمق تعريفاته، موقفاً من الإنسان قبل أن يكون قراراً سياسياً.
في هذا الفصل، لا نناقش الدولة بوصفها «ما هي»، بل بوصفها «ما يجب أن تكون»، ونقرأ التاريخ لا كأرشيف انتصارات، بل كسجل أخلاقي طويل، يظهر بوضوح أن الدول التي فشلت في هذا الامتحان — مهما طال عمرها — سقطت، لا حين أُسقطت، بل حين فقدت معناها.
- فشل الدولة حين تنسى الإنسان
تفشل الدولة لا حين تسقط مؤسساتها، ولا حين تهزم عسكرياً، ولا حتى حين تعصف بها الأزمات الاقتصادية، بل تفشل — في معناها الأعمق — حين تنسى الإنسان بوصفه غايتها الأولى. عند تلك اللحظة، تبدأ الدولة بالتحوّل من إطار للعيش المشترك إلى جهاز سيطرة، ومن فكرة سياسية إلى عبء أخلاقي، ومن وعد بالحماية إلى مصدر تهديد.
إن كل دولة قدست الزعيم، لم تفعل ذلك لأنها قوية، بل لأنها كانت خاوية من المعنى. فعبادة الفرد ليست دليل تماسك، بل علامة خوف؛ خوف السلطة من المجتمع، وخوف النظام من النقد، وخوف الدولة من الإنسان الحر. وحين يرفع الزعيم إلى مرتبة الرمز المقدّس، تلغى السياسة بوصفها نقاشاً، ويلغى العقل بوصفه حقاً، ويختزل الوطن في صورة، والشعب في هتاف.
وحين تخضِع الدولة المجتمع بدل أن تخدمه، فإنها تقلب وظيفتها التاريخية رأساً على عقب. فالمجتمع ليس خطراً يجب ضبطه، بل مصدر الشرعية ذاته. لكن الدولة السلطوية ترى في التنوع تهديداً، وفي النقد خيانة، وفي التنظيم المستقل مؤامرة. وهكذا تتحول أدوات الحكم إلى أدوات مراقبة، ويتحول القانون إلى ذريعة، ويتحول الأمن من حماية الناس إلى حماية النظام من الناس.
أما حين يلغى الفرد، فإن الدولة تفقد روحها بالكامل. الفرد ليس تفصيلاً ثانوياً في المعادلة السياسية، بل هو وحدتها الأخلاقية الأساسية. الدولة التي تذيب الأفراد في جماعات صماء، أو تختزلهم في هويات قسرية، أو تطلب منهم الطاعة بدل المشاركة، لا تصنع مواطنين، بل رعايا. والرعايا لا يحملون دولة، بل يتحملونها مؤقتاً، إلى أن تتصدع.
وفي ذروة هذا الانحراف، تستبدل السياسة بالأمن. هنا تعلق الحقوق باسم الاستقرار، ويقمع الاختلاف باسم الوحدة، ويبرر العنف باسم الوقاية. لكن الأمن الذي يبنى على الخوف لا يصمد، لأنه لا يعالج الأسباب، بل يخفيها. وهو، مهما بدا صلباً، أمن هش، قابل للانفجار عند أول شرخ اجتماعي أو اقتصادي أو أخلاقي.
التاريخ يؤكد هذه الحقيقة بلا استثناء:
الدول التي أدارت ظهرها للإنسان لم تهزم فجأة، بل تآكلت ببطء.
بدأ فشلها حين انفصلت السلطة عن المعنى، وحين صار الحكم تقنية ضبط لا علاقة إنسانية، وحين تحولت الدولة إلى غاية في ذاتها.
والقوة، حين تصبح الوسيلة الوحيدة للاستمرار، تستهلك نفسها. فكل نظام لا يستطيع البقاء إلا بالقسر، يحتاج إلى مزيد من القسر. وكل قسر إضافي يولد مقاومة. وكل مقاومة تستدعي عنفاً أكبر. حتى تدخل الدولة في حلقة مفرغة، لا تنتهي إلا بالانهيار، أو بالحرب الأهلية، أو بإعادة إنتاج المأساة بأشكال جديدة.
إن الدولة التي تدار ضد الإنسان قد تعيش طويلاً، لكنها لا تستمر. وقد تحكم بالقوة، لكنها لا تقنع. وقد تفرض الصمت، لكنها لا تخلق معنى. ولهذا، فإن فشل الدولة ليس حدثاً سياسياً فحسب، بل سقوط أخلاقي قبل أن يكون سقوطاً تاريخياً.
فحين ينسى الإنسان، تفقد الدولة سبب وجودها، وتتحول — مهما ادعت العظمة — إلى كيان بلا روح، ينتظر لحظة انكشافه.
- الإنسان أولاً بوصفه أفقاً لا وصفة جاهزة
ليست فلسفة الإنسان أولاً مخططاً إدارياً جاهزاً، ولا كتيب إرشادات للحكم، ولا نموذجاً تقنياً يمكن استنساخه من دولة إلى أخرى. إنها، في جوهرها، أفقٌ أخلاقي مفتوح، واتجاهٌ دائم، وبوصلة نقدية تعيد طرح السؤال الجوهري في كل لحظة:
لمن تمارس السلطة؟ ولماذا؟ وبأي حدود؟
بهذا المعنى، لا تقدم هذه الفلسفة إجابات نهائية، بل ترفض فكرة الإجابة النهائية ذاتها. فهي تقوم على الشك المنتج، لا على اليقين المغلق؛ وعلى المراجعة المستمرة، لا على العقائد الصلبة. الدولة التي تضع الإنسان أولاً لا تدعي الكمال، بل تعترف بإمكانية الخطأ، وتجعل من هذا الاعتراف شرطاً للحكم الرشيد.
إن الإنسان أولاً معيارٌ نقدي دائم، لا شعاراً موسمياً.
هو مبدأ يسائل السلطة قبل أن يمنحها الشرعية، ويضعها تحت الرقابة الأخلاقية حتى وهي تعمل ضمن القانون. فالقانون، في هذا الأفق، ليس مقدّساً لذاته، بل يقاس بمدى خدمته للكرامة الإنسانية. وكل قانون ينتج ظلماً، مهما كانت صياغته محكمة، يفقد مشروعيته الأخلاقية.
وهو مبدأ يراجع القوانين لا من زاوية فعاليتها فقط، بل من أثرها على الإنسان الحيّ:
هل تحمي الضعيف؟
هل تحد من تغول القوي؟
هل تفتح المجال للمشاركة؟
أم تراكم الامتيازات وتشرعن الإقصاء؟
كما أن هذه الفلسفة تفضح الاستبداد حتى حين يتخفى بلغة الدولة، أو يتدثر بشرعية الصندوق، أو يتزيّن بخطاب الأمن والاستقرار. فالاستبداد، في نظرها، لا يقاس بعدد المعتقلين فقط، بل بمدى خنق الفضاء العام، وبمستوى الخوف الصامت، وبقدرة الفرد على أن يقول “لا” دون أن يدفع ثمن وجوده.
والأهم من ذلك، أن فلسفة الإنسان أولاً تمنع تحول الدولة إلى صنم. فالدولة، مهما عظمت، ليست كياناً فوق البشر، ولا قيمة متعالية على المجتمع، بل أداة تاريخية لخدمة العيش المشترك. وكلما نزعت عنها القداسة، ازدادت إنسانية؛ وكلما حصنت بالنقد، ازدادت شرعية؛ وكلما قيدت بالمعنى، تحررت من العنف.
إنها فلسفة ترفض اختزال السياسة في الإدارة، والحكم في السيطرة، والنجاح في البقاء. وترى أن معيار التقدم الحقيقي ليس طول عمر النظام، بل نوعية الحياة التي يتيحها، ولا قوة الدولة، بل حدود هذه القوة.
لذلك، فالإنسان أولاً ليس نقطة وصول، بل مسار. ليس حلاً نهائياً، بل اختباراً دائماً لكل سلطة، وكل قانون، وكل دولة. اختباراً لا ينجح فيه مرة واحدة، بل يعاد كل يوم، بقدر ما يبقى الإنسان في قلب المعنى، لا على هامشه.
الخاتمة:
الدولة ليست قدراً محتوماً، ولا كياناً طبيعياً يولد خارج إرادة البشر، بل هي اختيار تاريخي وأخلاقي قبل أن تكون بنية قانونية أو جهازاً إدارياً. إنها نتيجة رؤية محددة للإنسان: إما أن تبنى بوصفها امتداداً لكرامته وحريته، أو تتحول إلى آلةٍ لإدارته وضبطه وإخضاعه. ومن هنا، فإن الحكم لا يختزل في مهارة التسيير، ولا في براعة السيطرة، بل يقاس أولاً بالموقف الذي يتخذه من الإنسان ذاته.
لقد حاول هذا البحث أن يعيد السياسة إلى سؤالها الأول، وأن يفكك المسلمات التي جعلت من الدولة غايةً قائمة بذاتها، ومن السلطة قيمةً عليا، ومن الأمن ذريعةً شاملة. فحين يزاح الإنسان عن مركز المعنى، تتحول الدولة إلى بنية باردة، وتتحول القوانين إلى أدوات قسر، وتغدو الشرعية مجرد خطاب يبرر القوة. أما حين يعاد الإنسان إلى موقعه الطبيعي بوصفه الأصل والغاية، فإن الدولة تستعيد معناها، والسلطة حدودها، والقانون روحه.
إن فلسفة الإنسان أولاً لا تدعي الطهرانية السياسية، ولا تقدم وعداً بالخلاص السريع، لكنها تطرح معياراً لا يمكن الالتفاف عليه: لا شرعية لسلطة تهين الإنسان، ولا استقرار لدولة تدار ضد مجتمعها، ولا مستقبل لحكمٍ يراكم الخوف بدل الثقة. فالدولة التي لا تنتج مواطناً حراً، لا تستطيع أن تنتج أمناً مستداماً؛ والدولة التي تخشى تنوعها، تحكم على وحدتها بالهشاشة؛ والدولة التي تقدم البقاء على العدالة، إنما تؤجل انفجارها لا أكثر.
لقد بيّن البحث أن العدالة الاجتماعية ليست ترفاً أخلاقياً، بل شرطاً بنيوياً للاستقرار، وأن الاعتراف بالتنوع ليس تهديداً للسيادة، بل أساساً لوحدة طوعية قابلة للاستمرار. كما أظهر أن السلطة، حين تتحرر من وهم الهيمنة، وتعاد صياغتها بوصفها خدمة ومسؤولية، تتحول من مصدر خوف إلى مصدر ثقة، ومن أداة قمع إلى فضاء مشاركة.
والأهم من ذلك، أن الدولة – في هذا الأفق – لا تقاس بقوة أجهزتها ولا بطول عمر أنظمتها، بل بقدرتها على اجتياز الاختبار الأخلاقي للتاريخ:
هل حفظت كرامة الإنسان؟
هل احترمت حدوده الوجودية؟
هل فتحت أفق المعنى بدل أن تغلقه؟
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يكتب أسماء الدول التي سيطرت طويلاً، بل يدوّن مصائر تلك التي فهمت الإنسان أو أساءت فهمه. وهو لا يرحم الدول التي نسيت سؤالها الأول، ولا يغفر للسلطات التي ظنت أن الحكم غاية بحد ذاته.
من هنا، يمكن القول إن الدولة التي تبدأ بالإنسان لا تنتهي عنده فقط، بل تنقذ ذاتها به. فهي دولة تدرك أن بقائها مشروط بمعناها، وأن معناها لا يشتق إلا من الإنسان الحر، الكريم، المتنوع، القادر على أن يرى في الدولة امتداداً لإرادته، لا سيفاً مصلتاً فوق وجوده.
ذلك هو الرهان الحقيقي للحكم:
إما دولة تبنى بالإنسان ولأجله، وإما دولة تبنى فوقه… ثم تسقط، مهما طال الزمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- Arendt, Hannah. On Violence. New York: Harcourt, Brace & Company, 1970.
- Politics. Translated by C. D. C. Reeve. Indianapolis: Hackett Publishing Company, 1998.
- Agamben, Giorgio. State of Exception. Translated by Kevin Attell. Chicago: University of Chicago Press, 2005.
- Bauman, Zygmunt. Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press, 2000.
- Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Translated by Alan Sheridan. New York: Vintage Books, 1995.
- Kant, Immanuel. Groundwork of the Metaphysics of Morals. Translated by Mary Gregor. Cambridge: Cambridge University Press, 1998.
- Kymlicka, Will. Multicultural Citizenship: A Liberal Theory of Minority Rights. Oxford: Oxford University Press, 1995.
- Rawls, John. A Theory of Justice. Revised Edition. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1999.
- Rousseau, Jean-Jacques. The Social Contract. Translated by Maurice Cranston. London: Penguin Classics, 2003.
- Sen, Amartya. Development as Freedom. Oxford: Oxford University Press, 1999.
- Taylor, Charles. Multiculturalism and “The Politics of Recognition”. Princeton: Princeton University Press, 1994.
- Weber, Max. Politics as a Vocation. Edited by H. H. Gerth and C. Wright Mills. New York: Oxford University Press, 1946.