بقلم: د. عدنان بوزان
أنا مثلكم ..
لا يعجبني شيء
سوى أن أرتّب خيبتي
كما يرتّب المنفيُّ حقائبه الأخيرة
أن أضع الهزيمة في جيبٍ داخليّ
كي لا يراها أحد
وأن أترك للأمل نافذةً صغيرة
بحجم كفِّ أمٍّ تنتظر.
أنا مثلكم ..
أمشي على طرقات الرحيل
لا لأنني أحب السفر
بل لأن الأرض ضاقت
حتى صارت حذائي.
أجادل حبّات الثلج
كأنها شهودٌ على ما جرى
وأساوم البرد
أن يترك لي بعض الدفء
لأكمل هذه الجملة.
أحادث زمهرير الألم
كصديقٍ قديم
تعب من كثرة الزيارات
ولم يعد يطرق الباب.
أنا مثلكم ..
أقلّب صفحات الحزن
كما تقلب خرائط البلاد الممزقة
أبحث عن مدينةٍ
لم تقصف بعد بالكلمات
عن اسمٍ
لم يسحب من بطاقة الهوية
ولم يُرمَ في النسيان.
أغازل النعوش
واحدةً تلو الأخرى
لا حباً بالموت
بل خوفاً من أن يغضب
إن تجاهلناه.
أعدّ أسماء الراحلين
كأنني أعدّ نجوماً
في سماءٍ بلا ليل
وأتعلم كيف يكون الإنسان
أخفّ من التراب
حين لا يجد قبراً يليق به.
أنا مثلكم ..
لا يعجبني شيء…
سوى أن أرى
أعمدةَ دخانٍ تتصاعد
لا لتعلن نهاية العالم
بل لتفضح صمته.
الدخان ليس سحابة
إنه رسائل سوداء
ترسلها البيوت المحترقة
إلى ضميرٍ
لا يفتح بريده.
أنا مثلكم ..
أرى الموت يقترب إلينا
بخطواتٍ واثقة
لا يركض
فليس هناك من ينافسه.
يأتي كموظفٍ رسميّ
يحمل ملفاتنا
مختومةً بالخسارة
ويسألنا بهدوءٍ جارح:
هل نسيتم شيئاً من أحلامكم
أم أغلقتم الباب جيداً؟
أنا مثلكم ..
أحب الحياة
حين تكون عنيدة
حين تخرج من تحت الأنقاض
بوجهٍ مغبرّ
وتقول:
ما زلتُ هنا.
وأكره الحياة
حين تصافح جلادها
وتبتسم.
أنا مثلكم ..
لي وطنٌ من الأسئلة
وبيتٌ من الحنين
وعلَمٌ لا يرفرف
بل يرتجف.
أحمل بلادي في لغتي
وحين أتعب
أجلس على حرفٍ مكسور
وأبكي.
أنا مثلكم ..
لا أملك خطاباً سياسياً
ولا نشيداً وطنياً صالحاً للبثّ
أملك فقط هذا الصوت
الذي يتكسّر
كلما حاول أن يكون جماعياً.
أقول: نحن ..
فأشعر أنني أكذب
وأقول: أنا ..
فأشعر أنني أحمّل نفسي
ما لا تحتمل.
أنا مثلكم ..
ناجٍ بالصدفة
وشاهدٌ بالوجع
وأديبٌ بلا محكمة عدل.
أكتب لأن الصمت
انحاز إلى القتلة
ولأن الكلمات
آخر ما تبقّى لنا
لنثبت
أننا مررنا من هنا.
أنا مثلكم…
إنسانٌ
يحاول
أن يرتّب خيبته
كي لا تتحول
إلى وطنٍ أخير.