بقلم: د. عدنان بوزان
يا أيها العابرونَ فوقَ ترابِ الحكايةِ…
تمهّلوا قليلاً
فهذا الغبارُ ليس غبارَ طريقٍ
بل رمادُ قلوبٍ
احترقتْ
كي يبقى للوطنِ اسمٌ
وللشمسِ نافذةٌ تطلُّ على الجبال.
أنا الكورديُّ…
ذلك الذي نامَ طويلاً
على وسادةِ الريح
وحينَ استيقظَ
وجدَ التاريخُ قد سرقَ صوتَهُ
وتركَ لهُ النايَ
كي يبكي وحيداً
في الممراتِ البعيدة.
أنا ابنُ تلكَ الجبالِ
التي كانتْ تخبئ الثوارَ
كما تخبئ الأمُّ طفلَها
من سكاكينِ الليل
وابنُ الأنهارِ
التي كلما رأتْ جثةً
غسلتها بالماءِ
كي لا تصلَ رائحةُ الموتِ إلى السماء.
إنْ متُّ يوماً…
فلا ترفعوا لي تمثالاً في الميادين
فالتماثيلُ قبورٌ واقفة
وأنا تعبتُ من الوقوفِ
على حدودِ الانتظار.
لا تجعلوا من اسمي
لافتةً للمتاجرة
ولا خطبةً سياسيةً
يصفقُ لها الذينَ
باعوا البلادَ
ثم بكوا عليها أمامَ الكاميرات.
اتركوني…
مثلَ إشراقةِ شمسٍ
تسلقتْ جبالَ وطني بهدوء
ومرتْ على القرى
توقظُ الخبزَ في التنور
وتعيدُ إلى الرعاةِ
أغانيهم القديمة.
اتركوني
مثلَ سنبلةِ قمحٍ
كسرتها الحربُ
لكنها ظلتْ تحفظُ
في قلبِها
سرَّ المواسم.
أنا لم أكنْ نبياً
ولا فارساً من أساطيرِ الحديد
كنتُ فقط
رجلاً يحملُ وطناً جريحاً
في حقيبةِ قلبه…
ويمشي.
وكم مشيتُ…
مشيتُ حتى صارتْ قدمايَ
خريطتينِ من التعب
وحتى صارَ الليلُ
يعرفُ اسمي
أكثرَ من أصدقائي.
رأيتُ المدنَ
وهي تذبحُ ببطء
ورأيتُ الأطفالَ
يكبرونَ قبل أوانهم
كأنّ الحربَ
أمٌّ قاسية.
ورأيتُ النساءَ
يحملنَ البلادَ على ظهورهنَّ
كما تحملُ الأشجارُ
أعشاشَ الطيورِ
في العاصفة.
لكنّي…
رغمَ كلِّ هذا الخراب
كنتُ أؤمنُ
أنّ الوطنَ ليس رايةً فقط
بل خبزُ أمّ ..
ورائحةُ تراب ..
وصوتُ راعٍ
يعودُ عند الغروب.
كنتُ أؤمنُ
أنّ البلادَ التي تنجبُ النايَ
لا تموت
وأنّ الشعوبَ
قد تهزمُ ألفَ مرّة
لكنّها لا تفقدُ ذاكرتَها.
لهذا…
حينَ يأتي موتي
لا تعلقوا صورتي
على الجدرانِ المتعبة
ولا تكتبوا تحتها:
“كانَ هنا شاعرٌ حزين.”
قولوا فقط:
“مرَّ من هنا
رجلٌ أحبَّ وطنَهُ
أكثرَ من نفسِه
وحاولَ أن يزرعَ
في هذا الليلِ الطويل
نافذةً للشمس.”
ثمَّ اتركوني أرحل…
مثلَ أغنيةٍ كورديةٍ قديمة
خرجتْ من قلبِ أمٍّ
كانتْ تخبئُ دموعَها
في طرفِ ثوبها
وتغني…
كي لا يسمعَ الأطفالُ
صوتَ انكسارِ العالم..