هنا… لن تقرأ كلمات.
هنا… ستواجه نفسك.
هنا، حيث يتعرى الصمت من صمته، وتنهض الذاكرة من رمادها، لتضعك أمام حقيقتك كما هي، دون رحمةٍ أو تأجيل. هنا، لا تفتَح الصفحات، بل تفتَح الجراح التي ظننت يوماً أنّ الزمن أقفلها إلى الأبد.
في هذا العتم، لن يكون لك سوى صوتك، ولن يكون لك سوى قلبك دليلاً. ستسمع نبضك كما لو أنه اعترافٌ أخير، وسترى نفسك كما لو أنك لم تعرفها من قبل.
لا تقرأ… بل أُصغِ.
فبعض النصوص لا تكتَب لتفهَم، بل لتوقظ ما ظننته مات فيك.
هنا… لا يبدأ كتابٌ جديد، بل تبدأ مواجهةٌ مؤجَّلة بين الإنسان وذاته.
هنا… لا تفتَح الصفحات فحسب، بل تفتَح الذاكرة، بكل ما أخفته من ارتجافات، وبكل ما تردد في الاعتراف بصوته العالي. «صرخة الليل» ليس ديواناً كتب في زمنٍ عادي، ولا ولد في ظروفٍ مطمئنة؛ بل تَشكّل في تلك المسافة الهشة بين الانكسار والبقاء، في تلك اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه وحيداً أمام أسئلته الكبرى، بلا عزاء، وبلا يقين، وبلا قدرةٍ حقيقية على الهروب من ذاته.
لقد انبثق هذا الديوان من عمق التجربة الإنسانية، من تلك اللحظات التي يصبح فيها الصمت أكثر بلاغةً من الكلام، ويغدو الألم أكثر صدقاً من أي محاولةٍ للتجميل أو الإنكار. لم تكتب هذه القصائد لتكون نصوصاً جميلة فحسب، بل كتبت لتكون آثاراً حيّة لروحٍ عبرت ظلالها الخاصة، وخرجت منها وهي تحمل ندوبها لا كعلامات ضعف، بل كشواهد على أنها عاشت، وشعرت، وواجهت، ولم تنكسر بالكامل. في كل قصيدةٍ من قصائد «صرخة الليل»، ثمّة اعترافٌ خفي، وثمّة محاولة أخيرة لإنقاذ شيءٍ ما، قبل أن يتبدد في صمتٍ لا عودة منه.
يمتد هذا الديوان على مئةٍ وستين صفحة من القطع المتوسط، ويضم سبعاً وثلاثين قصيدة، لكنها ليست مجرد نصوصٍ متجاورة، بل سبعٌ وثلاثون مواجهةً مع الذات، وسبعٌ وثلاثون مرآةً تعكس وجوهاً متعددة للحزن، وللأمل، وللحنين، وللإنسان وهو يقف عارياً أمام هشاشته، وعلى حافة المعنى. هنا، لا تكون الكلمات زينةً لغوية، بل ضرورةً وجودية؛ ولا يكون الشعر ترفاً جمالياً، بل وسيلةً للبقاء، وشكلاً من أشكال المقاومة الداخلية ضد العدم. كل نصٍ هو محاولة لإعادة تسمية الأشياء التي فقدت أسماءها، ومحاولة لإعادة الإنسان إلى نفسه، بعد أن بعثرته الحياة في اتجاهاتٍ لا تحصى، وتركته غريباً حتى عن صوته.
«صرخة الليل» هو ديوان الذين عرفوا ثقل الصمت، وعرفوا كيف يمكن للغياب أن يكون أكثر حضوراً من الحضور نفسه. هو ديوان الذين حملوا أحلامهم كجراحٍ مفتوحة، وساروا بها رغم التعب، ورغم الخيبات، ورغم كل ما حاول أن يقنعهم بأن الاستسلام هو الخلاص الوحيد. هو ديوان الذين لم يجدوا في العالم ما يكفي من الفهم، فلجؤوا إلى الشعر ليكون ملاذهم الأخير، وصوتهم الذي لم يستطع أحدٌ أن يصادره. في هذه الصفحات، لا يعود الليل زمناً للغياب، بل يصبح فضاءً للحقيقة؛ ولا تعود الصرخة علامة ضعف، بل تتحول إلى فعل وجود، وإلى إعلانٍ داخلي بأن الإنسان، مهما انكسر، يظل قادراً على أن يشهد على نفسه.
هذا الديوان ليس محاولةً للكتابة بقدر ما هو محاولةٌ للنجاة. ليس سعياً وراء الجمال بقدر ما هو سعيٌ نحو الصدق. وليس إضافةً جديدة إلى رفوف المكتبات، بل إضافةٌ إلى التجربة الإنسانية نفسها، حيث يصبح الشعر ذاكرةً لما لم يقَل، وحارساً لما كاد أن يضيع، وأثراً لما لم يعد ممكناً استعادته إلا بالكلمات.
«صرخة الليل» ليس مجرد ديوان… بل أثرُ روحٍ مرَّت من هنا، وتركت صوتها كي لا تختفي. هو شهادةٌ على أن الإنسان، حتى في أقصى انكساراته، يظل قادراً على أن يكتب، وأن يحلم، وأن يحول ألمه إلى معنى، وصمته إلى أثر، وليلَه إلى بدايةٍ أخرى لا يراها أحد… لكنها تبقى.
ــــــــــــــــــ
اقرأ الديوان بشكل إلكتروني أضغط الرابط التالي
https://online.fliphtml5.com/uczyba/yeke/#p=1
للقراءة أو تنزيل الديوان أضغط الملف في الأسفل