بقلم: د. عدنان بوزان
لم أولد وفي يدي رايةٌ، ولم أخرجْ من رحمِ أمي حاملاً خريطةً، ولم يكن اسمي يوم ولدتُ حزباً، ولا قبيلةً، ولا مذهباً. خرجتُ طفلاً عارياً من كل شيء، إلا من نبضِ قلبٍ واحدٍ يشبه قلوبَ البشر جميعاً.
ثم بدأ العالم يوزعني على الخرائط، ويقسمني بين الأسماء، ويحملني أوزارَ قرونٍ لم أعشها، وحروبٍ لم أخترها، وكراهياتٍ لم أكتب منها حرفاً.
قالوا لي: هذه قبيلتك، فلا تخرج عنها.
وقالوا: هذه عشيرتك، فخاصم من يعاديها.
وقالوا: هذا دينك، فلا تصغِ إلى الآخر.
وقالوا: هذه قوميتك، فاجعلها فوق الإنسان.
وحين كبرتُ، اكتشفتُ أنني كنتُ أخسر نفسي كلما صدقتُ أن الإنسان لا يقاس إلا بالاسم الذي ولد به.
أنا لستُ قبلياً، ولا عشائرياً، ولا أسير جهلٍ يظن أن شرف الإنسان يورث كما تورث الأرضُ والبيوت. شرفي فيما أفعل، لا فيما ورثتُ، وقيمتي فيما أقدمه، لا في عدد الأجداد الذين أحفظ أسماءهم.
أنا لا أحتقر القبائل، ولا العشائر، ولا الأديان، ولا القوميات؛ فهي جزءٌ من تاريخ البشر وثقافاتهم، لكنها تتحول إلى مأساةٍ حين تصبح جدراناً تفصل الإنسان عن الإنسان، وسكاكين ترفع باسم الهوية، بينما يسقط الضحايا جميعاً بالدم نفسه.
أنا لستُ كوردياً في مواجهة العربي، ولا عربياً في مواجهة الكوردي، ولا تركياً في مواجهة الفارسي، ولا أوروبياً في مواجهة الآسيوي، ولا أمريكياً في مواجهة الإفريقي.
أنا إنسان.
لكن القدرَ كتبني كوردياً، كما كتب غيري عربياً، أو تركياً، أو فارسياً، أو أرمنياً، أو سريانياً، أو أوروبياً. وليس في ذلك فضلٌ لأحد، ولا ذنبٌ على أحد؛ فالولادة ليست قراراً سياسياً، ولا استفتاءً قومياً.
أنا كورديُّ القدر.
وعربيُّ الجوار.
وتركيُّ المنفى.
وفارسيُّ الحنين إلى حضارات الشرق.
وأوروبيٌّ حين أؤمن بحرية الإنسان.
وأمريكيٌّ حين أدافع عن حق الإنسان في أن يحلم.
وإفريقيٌّ كلما رأيتُ طفلاً يموت جوعاً.
وكوردستانيٌّ حين يهدم بيتٌ فوق أصحابه.
وسوريٌّ لأن الحرب تعرف اسمي.
وأوكرانيٌّ، ويمنيٌّ، وسودانيٌّ، وفلسطينيٌّ ،وكل إنسانٍ وجد نفسه ضحيةَ بندقيةٍ لا تعرف وجه من تقتله.
أنا أنتمي إلى الألم الإنساني أكثر مما أنتمي إلى الخرائط.
ولستُ مسلماً في مواجهة المسيحي، ولا مسيحياً في مواجهة اليهودي، ولا يهودياً في مواجهة المسلم، ولا زرادشتياً في مواجهة الملحد، ولا ملحداً في مواجهة المؤمن.
أنا إنسان.
أحترم حق كل إنسانٍ في أن يؤمن بما يراه حقاً، أو ألا يؤمن، ما دام لا يحول قناعته إلى سجنٍ لغيره، ولا يجعل من إيمانه سيفاً مصلتاً على رقاب المختلفين معه.
لقد علمتنا السياسةُ أن نبحث عن الأعداء.
وعلمتنا الإنسانيةُ أن نبحث عن الإنسان.
السياسةُ صنعت الحدود، ثم جعلت الناس يموتون دفاعاً عنها.
أما الإنسان، فلم يطلب سوى بيتٍ آمن، ورغيفٍ كريم، ومدرسةٍ لأطفاله، وقبرٍ لا يسأل فيه عن قوميته، ولا عن دينه، ولا عن لغته.
كم من حربٍ بدأت بخطابٍ عن المجد، وانتهت بأمٍّ تبحث بين الأنقاض عن يدِ طفلها.
وكم من وطنٍ امتلأ بالشعارات حتى فرغ من البشر.
لقد سقطت إمبراطورياتٌ، وتبدلت راياتٌ، وتغيرت أسماءُ الدول، لكن دمعةَ الأم بقيت هي نفسها، وصرخةُ الطفل بقيت هي نفسها، وخوفُ الإنسان بقي هو نفسه.
لهذا أرفض أن يكون انتمائي سبباً في كراهية أحد.
وأرفض أن تتحول هويتي إلى قفصٍ أعيش فيه، أو إلى بندقيةٍ أوجهها إلى صدر أخي في الإنسانية.
إنني لا أبحث عن عالمٍ بلا قوميات، ولا بلا أديان، ولا بلا ثقافات؛ فالتنوع ثروةٌ إنسانيةٌ عظيمة. وإنما أبحث عن عالمٍ تكون فيه الهوية جسراً للتعارف، لا خندقاً للقتال، وتكون فيه القومية حباً للأرض، لا كراهيةً للجيران، ويكون فيه الدين طريقاً إلى الأخلاق، لا ذريعةً للحروب.
سيأتي يوم يدرك فيه البشر أن أعظم الأوطان ليس ذلك الذي يرفع أكبر الأعلام، بل ذلك الذي يحفظ كرامة الإنسان.
وسيأتي يوم تهزم فيه الكراهية، لا لأن السلاح صمت، بل لأن الإنسان انتصر على الوحش الذي يسكن داخله.
وحين يسألني أحد .. من أنت؟
لن أعدد له أسماء القبائل، ولا خرائط الدول، ولا سلاسل الأنساب.
سأبتسم، وأقول له: أنا... إنسان.
وكنتُ، طوال حياتي، أحاول ألا أخون هذه الكلمة.