بقلم: د. عدنان بوزان
لا أعرف متى بدأتُ أشعر بأنني وحيدٌ إلى هذا الحد. لعل وحدتي لم تبدأ يوم ابتعد الناس عني، بل يوم اكتشفتُ أن الذين حسبتهم قريبين لم يكونوا قريبين إلا بأجسادهم؛ أما أرواحهم فكانت قد غادرت منذ زمن، وتركتني واقفاً أمام وجوه أعرفها، أفتش فيها عن نافذة صغيرة للأمان، فلا أجد إلا نظراتٍ عابرة، ووعوداً مؤجلة، وأبواباً تغلق في وجهي بصمتٍ يشبه الاعتذار، لكنه لا يحمل اعتذاراً.
أنا متعب.
لا أقولها كما يقولها المرء حين يضيق بيومٍ ثقيل، بل أقولها كما يقول الغريق كلمته الأخيرة وهو يرى البحر يعلو فوق رأسه. متعبٌ من حياةٍ كلما ظننتُ أنها ستمنحني فسحةً صغيرة لألتقط أنفاسي، ضيقت عليَّ الخناق أكثر. متعبٌ من أيامٍ لا تأتي إلا بما يكفي لإبقائي واقفاً، ولا تمنحني ما يكفي لأشعر أنني أعيش.
ومتعبٌ من الفقر؛ ذلك الضيف الثقيل الذي لا يطرق الباب، بل يدخل من الشقوق، ويجلس إلى جوارك، ويشاركك خبزك القليل، ثم يأخذ منك شيئاً آخر لا تراه إلا بعد فوات الأوان. فالفقر ليس فراغاً في الجيب وحده؛ إنه أحياناً جرحٌ في الكرامة، وارتباكٌ أمام أبسط الأشياء، وحسابٌ طويل قبل أن تطلب ما يحتاجه الآخرون من دون تفكير. هو أن تقف أمام شيء بسيط تشتهيه، ثم تتراجع عنه لأنك تعرف أن يدك لا تستطيع أن تمتد إليه. هو أن تعود إلى غرفتك وفي قلبك شعورٌ يشبه الهزيمة، لا لأنك خسرت معركةً كبيرة، بل لأن الحياة جعلتك تعجز عن امتلاك أشياء لا تستحق كل هذا العجز.
لكنني اكتشفت أن هناك فقراً أشد من فقر المال.
أن تحتاج إلى إنسان ولا تجده.
أن يثقل صدرك بالحزن ولا تجد كتفاً واحدة تضع عليها رأسك.
أن تمرض ولا يسأل عنك أحد.
أن تنكسر ولا تسمع صوتاً يقول: لا تخف، أنا هنا.
وأن يحدث لك شيء جميل ولو كان صغيراً، فتلتفت حولك تلقائياً لتخبر شخصاً ما، ثم تتذكر فجأة أنك لا تملك أحداً قريباً بما يكفي لتقول له: انظر، لقد حدث لي اليوم شيء جميل.
حتى الأشياء الجميلة أصبحت تخيفني؛ لأنها لا تكتمل.
تأتي، فأفرح بها للحظة، ثم يجيء الحزن من خلفها ويسألني: مع من ستتقاسم هذا الفرح؟
فأسكت.
وأعود إلى وحدتي.
كم ليلة جلستُ فيها وحدي، أراقب السقف طويلاً، وأتساءل كيف يمكن للإنسان أن يعبر كل هذه السنوات، ويعرف كل هذه الوجوه، ويمر بكل هذه المدن والطرقات، ثم ينتهي به الأمر غريباً إلى هذا الحد؛ كأن حياته مرت بالناس من دون أن تترك فيهم أثراً، وكأن الناس مروا بحياته من دون أن يتركوا فيها سوى الندوب.
كنت أظن أن الإنسان حين يسقط يجد يداً تمتد إليه.
كنت أظن أن لكل إنسان، في مكان ما من هذه الدنيا، شخصاً واحداً على الأقل يستطيع أن يقول له: لا تخف، أنا معك.
لكنني تعلمت متأخراً أن بعض السقوط يحدث في صمتٍ كامل، وأن الإنسان قد يسقط أمام العالم كله، ولا يلتفت إليه أحد.
سقطتُ كثيراً، ولم تمتد إليَّ يد.
تعبتُ كثيراً، ولم يسأل أحد عن مقدار تعبي.
بكيتُ في أماكن لا يعرفها أحد، ولم يسمع أحد صوت بكائي.
احتجتُ، فوجدت الأبواب موصدة.
وحين صمتُّ، ظن الجميع أنني بخير.
ولعل هذه هي أقسى أشكال الوحدة: أن تتألم طويلاً حتى يعتاد الناس صمتك، ثم ينسوا أن الصمت ليس دائماً علامةً على السلام؛ فقد يكون في داخله إنسانٌ ينهار ببطء، ويحاول أن يخفي حطامه عن الجميع.
لم أطلب من الدنيا كثيراً.
لم أطلب قصراً، ولا ثروة، ولا حياةً مترفة. كنت أريد شيئاً أبسط من كل ذلك: حياةً لا أشعر فيها أنني زائدٌ عن الحاجة. كنت أريد قلباً واحداً أستطيع أن أعود إليه حين تضيق بي الدنيا. إنساناً لا يسألني أولاً ماذا أملك، بل يسألني كيف حالك. شخصاً أستطيع أن أجلس إلى جواره في نهاية يوم طويل، من دون أن أشرح له لماذا أنا متعب؛ يكفيه أن ينظر إلى عينيَّ ليعرف.
كنت أريد من يقول لي ذات مساء: اجلس... لقد تعبت بما يكفي، وأنا هنا.
لكن حتى هذا القليل بدا كثيراً على هذه الحياة.
لقد حملتُ ألمي زمناً طويلاً، حتى صار الحزن جزءاً من ملامحي. صار يعرف الطريق إلى وجهي قبل أن أعرف أنا الطريق إليه، وصارت الوحدة تجلس إلى جواري كما لو أنها صاحبة المكان. أستيقظ وهي إلى جانبي، أشرب قهوتي معها، أمشي في الشوارع بصحبتها، وأعود إلى فراشي فتكون آخر ما يرافقني إلى النوم.
حتى فراشي لم يعد مكاناً للراحة؛ صار مقبرةً صغيرة للأفكار التي أهرب منها طوال النهار.
هناك، في الليل، لا أستطيع أن أخدع نفسي.
تعود الوجوه كلها.
يعود الذين وعدوا ثم اختفوا، والذين قلت لهم ما لا أقوله لأحد، والذين حسبتهم سنداً فإذا بهم أول من ابتعد حين احتجت إليهم. أتذكر أسماء كثيرة، وأصواتاً كثيرة، وأحاديث كثيرة، ثم أسأل نفسي السؤال نفسه:
أين هم الآن؟
ولا يأتي جواب.
لا أحد.
وكأنني عشت بينهم طويلاً، لكنني لم أعش معهم.
وكأنني كنت حاضراً في حياتهم بقدر ما كنت أستطيع أن أمنحهم، وحين لم يعد لدي ما أمنحه، لم يعد لي مكان بينهم.
ولذلك لم يعد الفقر وحده يؤلمني؛ الذي يؤلمني أكثر أن أواجهه وحيداً. لو كان إلى جواري إنسان واحد، ربما استطعت أن أحتمل نصف هذه الحياة. فالإنسان يستطيع أن ينام جائعاً إذا كان هناك قلب قريب يقول له: لا بأس، سيأتي الغد. يستطيع أن يتحمل الخسارة إذا وجد يداً تمسك بيده. ويستطيع أن يعبر أشد الطرق ظلمة إذا سمع صوتاً واحداً يقول له: أنا معك.
لكن أن تجتمع عليك الحاجة، والوحدة، والخذلان، والخوف، ثم يطلب منك أن تظل قوياً، فذلك يشبه أن يطلب من قلبٍ مثقوب أن يحمل العالم على كتفيه.
وأنا لم أعد قوياً كما يظن الناس.
لقد تعبت من ارتداء القوة.
تعبت من أن أقول: أنا بخير، بينما شيء في داخلي يصرخ بأنني لست بخير.
تعبت من تلك الابتسامة التي أضعها على وجهي كي لا يكتشف أحد مقدار الخراب الذي أحمله خلفها. تعبت من الإجابات القصيرة، ومن إخفاء وجعي، ومن تحويل ألمي إلى مزحة حتى لا يقترب أحد ويسألني السؤال الذي أخشاه:
ماذا بك؟
ماذا بي؟
بي سنواتٌ كاملة لا أعرف أين أضعها.
بي أحلامٌ ماتت قبل أن ترى الضوء.
بي أبوابٌ طرقتها حتى تعبت يداي، ولم يفتح منها باب.
بي أشخاصٌ أحببتهم أكثر مما ينبغي، ولم يعرفوا يوماً كم كنت أحتاج إليهم.
وبي ليالٍ طويلة تمنيت فيها، لا شيئاً عظيماً، بل صوتاً واحداً فقط يقول لي: لست وحدك.
لكنني كنت وحدي.
وما زلت.
ومع ذلك، لا أدري من أين يأتي ذلك الشيء الصغير في داخلي الذي يرفض أن يموت. ربما هو آخر ما تبقى مني. ربما هو شمعةٌ وحيدة تركتها العاصفة مشتعلةً في آخر الغرفة. ضعيفة، مرتجفة، تكاد تنطفئ، لكنها ما زالت تقاوم العتمة.
وربما لهذا ما زلت أكتب.
فالكتابة هي المكان الوحيد الذي لم يغلق بابه في وجهي.
حين لا أجد إنساناً يسمعني، أكتب.
حين تضيق بي الدنيا، أكتب.
حين يصبح الكلام أثقل من أن يخرج من فمي، أضعه على الورق، وأتركه هناك، كأنني أخلع عن صدري حجراً وأضعه أمامي.
أنا لا أكتب لأستجدي الشفقة.
ولا لأقول إن حزني أكبر من حزن الآخرين.
أنا فقط أريد، ولو مرة واحدة، أن أعترف بأنني إنسانٌ أتعبه الطريق. إنسانٌ أرهقه الفقر، وأثقلته الخيبات، وأكلت الوحدة شيئاً من روحه، لكنه ما زال، رغم كل شيء، يبحث عن نافذة صغيرة يدخل منها الضوء.
أنا فقير، نعم، لكنني لست فقيراً من الأحلام.
أنا وحيد، نعم، لكنني ما زلت أتمنى أن أجد إنساناً يجلس إلى جواري من دون أن يسألني ماذا أملك.
أنا مكسور، نعم، لكنني ما زلت أجمع شظايا قلبي كل ليلة، وأضعها قرب وسادتي، ثم أغمض عينيَّ وأحاول أن أصدق أن الصباح ليس نسخةً أخرى من الأمس.
ربما لن يأتي أحد.
وربما ستظل هذه الغرفة شاهدةً على ليالٍ طويلة لم يعرف بها أحد.
وربما سأظل أمشي في هذه الدنيا كما يمشي غريبٌ في مدينة لا يعرف شوارعها، ولا يعرف أين تنتهي الطرق، ولا أين يمكنه أن يستريح.
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
لقد عشتُ كثيراً من ألمي بصمت.
حملتُ كثيراً من أثقالي وحدي.
ابتلعتُ دموعي كي لا أبدو ضعيفاً أمام عالمٍ لم يكن رحيماً بما يكفي.
وكل ما أريده الآن ليس مالاً كثيراً، ولا شهرةً، ولا تصفيقاً، ولا أن يعرفني العالم.
أريد شيئاً واحداً فقط.
أن يأتي يومٌ واحد...
أعود فيه إلى مكانٍ ما، فأجد إنساناً ينتظرني.
إنساناً لا يريد مني شيئاً.
لا يسألني ماذا أملك.
ولا يسألني ماذا سأعطيه.
ينظر فقط إلى وجهي المتعب، إلى عينيَّ اللتين حملتا من الليل أكثر مما ينبغي، ثم يقول:
«لقد تأخرت كثيراً... تعال. كنتُ أنتظرك.»
ربما عندها فقط سأفهم أن كل تلك السنوات لم تكن وحدةً كاملة.
وربما عندها، لأول مرة، أضع رأسي مطمئناً، وأبكي لا لأنني حزين، بل لأنني وجدت أخيراً من يقول لي:
أنا هنا.