بقلم: د. عدنان بوزان
الحروف لا تبكي عبثاً، ولا تنحني على بياض الورق إلا حين يثقلها الصمت، وحين يعجز القلب عن احتمال ما يعتمل فيه من صخبٍ لا يرى. إنها دموع الروح المتخفية في شكل كلمات، تنهار كما ينهار جدار قديم أمام ريحٍ عاتية، وتنساب على السطور كأنها أنهار صغيرة تبحث عن مصبّها الأخير.
حين تبكي الحروف، يصبح الورق مقبرةً للأسرار، وسماءً للبوح، ومرآةً تعيد إلينا وجوهنا وقد تجردت من كل الأقنعة. إنها ليست علاماتٍ صامتة ترص بجانب بعضها كما في كتب القوانين، بل كائنات حية تئنّ وتشهق وتصرخ، تحمل أوجاعنا على أكتافها الرفيعة، وتسير بها إلى حيث لا يستطيع أحد أن يرافقنا.
الحرف دمعة، لكنه دمعة متحولة. حين تسقط من عيوننا، تجفّ مع الريح، أما حين تسقط من أقلامنا، فإنها تبقى أبداً شاهدةً على لحظة انكسارٍ لم تعد ملكنا وحدنا، بل غدت نصاً يشاركه الآخرون.
وحين تبكي الحروف، يتغير وجه اللغة. لم تعد اللغة وسيلة تواصل فحسب، بل تتحول إلى جرحٍ مفتوح، إلى صرخةٍ مكتومة، إلى صلاةٍ تقام بلا مآذن ولا كنائس. كل نقطة حبرٍ سوداء شظيةٌ من ليلٍ لم ينم، وكل فاصلة تنهيدةٌ مؤجلة، وكل سطرٍ قافلةٌ من الأرواح التائهة تسير نحو المجهول.
انظر إلى الشعر حين يتدفق! أليس بكاءً عظيماً للحروف؟ أليس صراعاً بين ما يقال وما يستحيل قوله؟ إنّ القصيدة ليست إلا جسداً ممتلئاً بندوب الحروف وهي تبكي، والدموع التي لم تجد وجنةً تسيل عليها، وجدت الورق فانسكبت فوقه.
والحروف، يا صاحبي، لا تبكي من فراغ. إنها تبكي حين يخوننا الزمن، حين نمشي في طرقات العمر ونكتشف أن الرفاق قد غابوا، وأنّ الأبواب التي طرقناها لم تفتح. تبكي حين يخذلنا الوطن، حين نصبح غرباء في أزقة طفولتنا، ونبحث عن ظل لبيتنا في ذاكرةٍ لم تعد تعرفنا. تبكي حين يرحل من نحب، وتبقى الحروف وحيدةً تلوح في فراغٍ لا يرد التحية.
الحروف دموع نكتب بها ماضينا الذي لم نشفَ منه، وأحلامنا التي ولدت معطوبة، وأسئلتنا التي لم نجد لها جواباً. لكنها، رغم بكائها، تحمل سرّ الخلاص. فهي حين تبكي لا تغرقنا في الظلام فقط، بل تفتح في الجدار شقوقاً يتسرب منها الضوء.
إنّ أجمل ما في الحروف أنها تبكي بكرامة. لا تنفجر صاخبةً كما نفعل نحن، بل تنحني في صمت، وتنساب رقراقة على بياضٍ بارد، ثم تترك أثرها أبدياً، لا يمحى حتى لو حاولنا محوه. لذلك، كل نص مكتوب قبر صغير لحزنٍ كبير، وكل كتاب مدينة كاملة بنيت من دموعٍ لم تجد سبيلاً آخر للنجاة.
وحين تبكي الحروف، يصبح الكاتب كاهناً في معبد الأسرار. يمسك القلم كما يمسك العابد شمعةً في ليلٍ طويل، يضيء بها الطريق، حتى لو كان هو نفسه تائهاً. إنه لا يكتب لينقذ العالم، بل لينقذ نفسه من الغرق، ومع ذلك، تنقذ كلماته غرباء كثيرين لا يعرفهم.
إنّ بكاء الحروف معجزة لم يلتفت إليها أحد: كيف تستطيع نقطة حبرٍ صغيرة أن تحمل تاريخ إنسان، وجغرافيا قلب، وخرائط روحٍ كاملة؟ كيف تستطيع جملة قصيرة أن تضع يداً على جرحٍ لم يلمسه أحد من قبل، فتعيد للقلب نبضه؟
الحروف، حين تبكي، لا تموت… بل تزداد حياة. هي دموع مختلفة، لا تسيل إلى الخارج بل إلى الداخل، تتغلغل فينا كما يتغلغل المطر في الأرض العطشى، لتخرج من صمتنا أعشاباً جديدة، وأزهاراً لم نكن نعلم أننا قادرون على إنباتها.
وحين نقرأ تلك الحروف، نبكي معها. لأننا نكتشف أننا لم نكن وحدنا في هذه الرحلة الطويلة الموحشة. هناك آخرون بكوا مثلنا، وكتبوا بكاءهم، فصار عزاءً لنا.
فدع الحروف تبكي يا صديقي. لا تمسح دموعها، ولا تطلب منها أن تتجلد. لأن بكاءها هو الذي يبني لنا طريق النجاة. إننا لا نكتمل إلا حين نرى الحروف باكية، ولا نشفى إلا حين تكتب عنا ما عجزنا عن قوله.
فالحروف، حين تبكي… إنما تبكي عنا جميعاً.