بقلم: د. عدنان بوزان
أغلى ثمنٍ قد يدفعه الإنسان في حياته ليس خسارةَ مالٍ، ولا ضياعَ فرصة، ولا حتى انكسارَ حلم، بل أن يضع عاطفته وصدقه وإخلاصه في غير موضعها. أن يكون حقيقياً إلى حدٍ لا يعرف فيه المراوغة، في عالمٍ تعلم أهله إخفاء وجوههم خلف أقنعةٍ مصقولة، أشد لمعاناً من الحقيقة نفسها.
في هذا العالم، لا يكافأ الصدق، بل يساء فهمه. ينظر إلى الإخلاص بوصفه سذاجة، وإلى النقاء كأنه ثغرة، وإلى القلب المفتوح باعتباره دعوةً مبطنة للخذلان. أن تكون صادقاً يعني أن تتقدم خطوة إلى الأمام، بينما يختبئ الآخرون خلف حساباتهم الباردة، وأن تقول ما تشعر به بوضوح في زمنٍ صار فيه الغموض مهارة، والتلاعب ذكاءً اجتماعياً.
العاطفة الصادقة لا تهزم لأنها ضعيفة، بل لأنها لا تعرف الدفاع عن نفسها حين تحاصر بالبرود. إنها تمنَح كاملة، بلا شروط ولا أقنعة احتياطية، ولهذا تدفع الثمن مضاعفاً. فالقلوب التي اعتادت التخفي ترتاب من القلب المكشوف، وتخشى من يجيء بلا نوايا ملتوية، لأنه يفضح، بحضوره وحده، زيف اللعبة كلها.
الإخلاص قاسٍ في صدقه؛ لا يقبل أنصاف العلاقات ولا التوازنات المزيفة. وحين ينكسر، لا يحدث ضجيجاً، بل ينسحب بصمتٍ ثقيل، تاركاً خلفه فراغاً لا يراه إلا من عاشه. إنه وجعٌ ناضج، لا يشكو ولا ينتقم، بل يتعلم… بثمنٍ باهظ.
ومع ذلك، يبقى أن تكون حقيقياً خياراً أخلاقياً قبل أن يكون عبئاً نفسياً. فالأقنعة، مهما طال عمرها، تسقط عند أول اختبارٍ جاد، أما الصدق، وإن أتعب صاحبه، فيمنحه في النهاية سلاماً داخلياً لا يعرفه المتقنعون. أن تخسر لأنك كنت صادقاً، أكرم من أن تربح لأنك كنت مزيفاً.
إن دفع ثمن العاطفة والصدق ليس خسارةً كاملة، بل علامة على أنك عشت إنسانيتك حتى آخرها، ولم تختصر نفسك لتناسب عالماً لا يشبهك. وهذا، وحده، نوع نادر من الانتصار.