بقلم: د. عدنان بوزان
ثمة أوقاتٌ لا يطرق فيها الحزنُ أبوابنا بعنف، ولا يأتي على هيئة عاصفةٍ تقتلع ما في الروح من أشجار، بل يتسلل إلينا خفيفاً كخشخشةِ شوكٍ على إناءٍ من الفخار. صوتٌ خافتٌ يكاد لا يسمع، غير أنه يترك في القلب صدعاً لا يراه أحد. وهكذا هي الحياة؛ لا تقتلنا دائماً بالكوارث الكبرى، بل بما يتراكم فينا من تفاصيل صغيرة: خيباتٍ مؤجلة، وأحلامٍ ذبلت في صمت، وأشياءَ كنا نظن أنها ستبقى إلى الأبد، ثم اختفت ذات صباحٍ من غير وداع.
نقضي أعمارنا في مطاردة المعاني الكبرى: الحرية، والعدالة، والحب، والخلود، فيما تمر بجوارنا المعاني الحقيقية متخفيةً في هيئة زهرةٍ على قارعة الطريق، أو ابتسامةٍ عابرة، أو ذكرى قديمة تفوح منها رائحة الخبز والطفولة والمطر. وما أكثر ما نؤجل الحياة انتظاراً للحظةٍ استثنائية، غير مدركين أنّ الحياة نفسها كانت تعبر أمامنا في تلك التفاصيل الصغيرة التي لم نمنحها ما تستحقه من انتباه.
إنّ الإنسان كائنٌ غريب؛ يبني المدن الشاهقة، لكنه يعجز عن بناء السلام في أعماق قلبه. يملأ الأرض ضجيجاً، ويهرب من صوته الداخلي. يعبد القوة حيناً، والمال حيناً آخر، ويبحث عن الخلود في الأشياء الفانية، ثم يكتشف متأخراً أنّ الزمن قد سرق منه أجمل سنوات عمره، بينما كان منشغلاً بجمع ما لن يستطيع حمله معه إلى النهاية.
وربما كانت المأساة الكبرى في التاريخ أنّ البشر لم يتعلموا كثيراً من تاريخهم. تتغير الأسماء والأعلام والخرائط، لكن الحروب تبقى هي ذاتها، والكراهية تبقى هي ذاتها، والخوف من الآخر يبقى هو ذاته. وكل جيلٍ يظن أنه أكثر حكمةً من الأجيال التي سبقته، ثم لا يلبث أن يكرر الأخطاء نفسها بوسائل أكثر تطوراً. وكأن الإنسانية تسير في دائرةٍ واسعة؛ تتقدم في العلم، لكنها كثيراً ما تتراجع في الحكمة.
ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة أنّ العالم منشغلٌ بالحديث عن المستقبل، فيما يعجز عن فهم الحاضر. نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، وغزو الفضاء، والثورات التقنية، بينما ما يزال ملايين البشر يبحثون عن رغيف خبز، أو وطنٍ آمن، أو كلمةٍ تحفظ لهم كرامتهم. فالتقدم الحقيقي لا يقاس بما نبنيه من آلات، بل بما نبنيه من إنسانية. والحضارة التي تفقد قلبها ليست حضارة، مهما بلغت من القوة والثراء.
وفي خضم ذلك كله، يبقى الموت أكثر الفلاسفة صدقاً. لا يخطب في الناس، ولا يؤلف الكتب، ولا يؤسس الأحزاب، لكنه يهمس للجميع بالحقيقة ذاتها: أنّ كل شيءٍ عابر. الملوك يعبرون، والثوار يعبرون، والطغاة يعبرون، والعشاق يعبرون، وحتى المدن العظيمة التي بدت خالدةً في يومٍ من الأيام تتحول إلى أطلالٍ تروي حكايات الذين سكنوها ثم رحلوا.
لكن الموت، على قسوته، ليس العدو الحقيقي للإنسان. العدو الحقيقي هو أن يعيش المرء من غير أن يفهم معنى وجوده، وأن يعبر الحياة كظلٍّ لا يترك أثراً، وأن يشيخ قلبه قبل أن يشيخ جسده. فالحياة لا تقاس بعدد السنوات التي نعبرها، بل بعمق اللحظات التي نحياها، وبالأثر الذي نتركه في قلوب الآخرين.
لذلك، حين تهب على روحك تلك الخشخشة الخفيفة، وذلك الحزن الصامت الذي يشبه احتكاك الأشواك بأواني الفخار، فلا تخشه. فربما لم يأتِ ليكسرك، بل ليوقظك. وربما جاء ليذكرك بأنك ما زلت حياً، وأنّ قلبك ما يزال قادراً على الشعور، وأنّ المعنى لا يسكن في الضجيج، بل في التأمل، ولا يولد من اليقين المطلق، بل من الأسئلة التي لا تنتهي.
وعندما تنظر إلى العالم من جديد، ستدرك أنّ أعظم انتصارٍ يحققه الإنسان ليس أن يهزم الآخرين، بل أن ينتصر على القسوة الكامنة في داخله. وأنّ الحرية ليست مجرد تحررٍ من القيود الخارجية، بل قدرةُ الروح على أن تظلّ نقيةً وسط الخراب. وأنّ الأمل، مهما بدا هشاً، يظل أقوى من كل ظلام؛ لأنه الشيء الوحيد الذي كلما اقتربت منه النهاية، ازداد إشراقاً في الأفق البعيد.