بقلم: د. عدنان بوزان
ليست كل المدن تبنى بالحجارة؛ فثمة مدنٌ تبنى بالخوف، وأخرى تبنى بالذاكرة، ومدنٌ لا يقوم أساسها إلا على الوهم. أما مدنُ الملح، فهي تلك التي تبدو صلبةً من بعيد، لكنها تذوب عند أول امتحانٍ للحقيقة.
ولا تعرف مدنُ الملح بشوارعها الواسعة، ولا بأبراجها الشاهقة، ولا بواجهاتها الزجاجية التي تعكس ضوء الشمس أكثر مما تعكس وجه الإنسان، بل تعرف بالطريقة التي يعامل بها العقل، وبالمكانة التي تمنح للحرية، وبقدرة الإنسان على أن يقول: «لا»، من غير أن يخشى أن يدفع ثمنها من عمره أو كرامته.
هناك مدنٌ تشيد في سنوات، لكنها تحتاج إلى قرونٍ كي تصبح أوطاناً. فالوطن ليس هندسةً عمرانيةً فحسب، بل هو هندسةٌ للضمير. وليس مجرد تجمعٍ للسكان، بل عقدٌ أخلاقي يقوم على أن يكون الإنسان أغلى من السلطة، وأن تكون العدالة أسمى من القوة، وأن يكون القانون سيداً على الجميع، لا خادماً للأقوياء.
أما مدنُ الملح، فلا تعرف هذا العقد. إنها تبني كل شيء إلا الإنسان. تشيد القصور، لكنها تنسى المدرسة. وترفع النُّصُب، لكنها تهمل المكتبة. وتنفق على الجدران أكثر مما تنفق على العقول، حتى يغدو الحجر أغلى من الكلمة، ويعلو الصدى على صوت الحقيقة.
في هذه المدن، يكبر الأطفال وهم يحفظون الأناشيد أكثر مما يحفظون الأسئلة. يتعلمون كيف يكررون، لا كيف يفكرون؛ وكيف يصفقون، لا كيف يناقشون. وهكذا، لا يعود الزمن يصنع مواطنين، بل يصنع ظلالاً تمشي في الطرقات، تحمل أسماء البشر، لكنها تخشى أن تمتلك أصواتهم.
ولأن الملح سريع الذوبان، تبدو هذه المدن قويةً ما دام الطقس صافياً، لكنها ترتجف أمام أول مطرٍ من الوعي، وأول ريحٍ من الحرية، وأول سؤالٍ يخرج من فم طفلٍ لا يزال يؤمن بأن الحقيقة لا تحتاج إلى إذنٍ كي تقال.
إن أخطر ما في مدن الملح أنها لا تنهار فجأة، بل تذوب ببطء. تبدأ الحكاية بتهميش كتاب، ثم بإغلاق صحيفة، ثم بإسكات شاعر، ثم بإقصاء أستاذ، حتى تستيقظ المدينة ذات صباح، فلا تجد من يخبرها أنها فقدت روحها منذ زمنٍ بعيد.
ولذلك، فإن سقوط المدن لا يبدأ حين تقصف أسوارها، بل حين تقصف لغتها، وينفى مثقفوها، ويصبح التفكير تهمة، والاختلاف خيانة، والحقيقة ترفاً لا يجرؤ على حمله إلا الشجعان. فكل مدينةٍ تحارب الكلمة إنما تحفر قبرها بيديها؛ لأن الجهل قد يؤخر الانهيار، لكنه لا يمنعه.
ومع ذلك، فإن التاريخ لم يكن يوماً كتاباً لليأس. فمن بين أنقاض المدن التي ذابت، ولدت مدنٌ أكثر رسوخاً، لا لأنها امتلكت حجارةً أصلب، بل لأنها امتلكت ضمائر أكثر يقظة. فالمدن لا تخلد بعظمة أسوارها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان، وصون كرامته، وإفساح المجال لعقله كي يفكر، ولقلبه كي يحلم.
لقد علمتنا الحضارات أن العمران قد يسبق الحضارة، لكنه لا يصنعها. وأن الثروة قد تشتري الإسمنت، لكنها لا تشتري العدالة. وأن السلطة قد تفرض الصمت، لكنها لا تستطيع أن تمنع الأسئلة من الولادة. فالفكرة، كالماء، تعرف طريقها دائماً، وإن طال احتجازها خلف السدود.
ولعل المأساة الكبرى أن بعض الناس يخلطون بين المدينة والوطن. فالمدينة يمكن أن تبنى في عقدٍ واحد، أما الوطن فيحتاج إلى أجيالٍ من التربية، والثقة، والتسامح، والعمل المشترك. المدينة مشروعٌ هندسي، أما الوطن فهو مشروعٌ أخلاقي. فإذا غابت الأخلاق، تحولت المدن، مهما ازدانت، إلى مدنٍ من ملح.
وحين يهبُّ زمن الحقيقة، لا ينهار الحجر أولاً، بل تنهار الأوهام. وتنكشف الجدران التي كانت تستر هشاشتها بطبقاتٍ من الزينة، ويظهر أن ما بدا صلابةً لم يكن سوى قشرةٍ رقيقةٍ تخفي خواءً عميقاً. عندها يدرك الناس أن المدن لا يحرسها الإسمنت، بل يحرسها الإنسان؛ وأن القوة ليست في عدد الأبراج، بل في عدد العقول الحرة؛ وأن المستقبل لا يكتب في مكاتب السلطة وحدها، بل يكتب أيضاً في المدارس، والمكتبات، والمسارح، والجامعات، وفي كل مكانٍ تولد فيه فكرةٌ جديدة.
ولهذا، فإن مدن الملح ليست قدراً محتوماً، بل خياراً يمكن تغييره. فكل مجتمعٍ يختار المعرفة بدلاً من الجهل، والعدالة بدلاً من الامتياز، والحرية بدلاً من الخوف، يضيف حجراً جديداً إلى مدينةٍ لا تذوب. أما المجتمعات التي تؤجل الإصلاح، وتستبدل الحقيقة بالوهم، فإنها قد تنجح في بناء مدنٍ شاهقة، لكنها ستبقى، مهما ارتفعت، مدناً من ملح، تنتظر المطر.