تابعتُ بقلق بالغ التطورات الأخيرة على الساحة السورية، وما رافقها من تصاعد للخطاب العشائري وإقحام العشائر في التجاذبات السياسية والعسكرية، وهو تطور ينذر بمخاطر جسيمة تهدد مستقبل الدولة السورية ووحدتها الوطنية، ويضعف أسس الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات وسيادة القانون.
إن ما تشهده سوريا اليوم لا يمثل مجرد تراجع إلى ما قبل عام 2011، بل يعكس انحداراً عن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة نفسها، من خلال إعادة إنتاج أنماط الولاءات الأولية والعصبيات الضيقة التي تتناقض مع مبادئ المواطنة المتساوية والدستور والمؤسسات. فالدول لا تبنى بالعشائرية والانقسامات، وإنما تبنى بالقانون، والمؤسسات، والشراكة الوطنية، والعدالة بين المواطنين.
وفي هذا السياق، أعلن رفضي القاطع للبيان المنسوب إلى عشيرة الشيخان، والذي تضمن إعلان موقف سياسي باسم العشيرة وتسليم قرارها إلى القائد مظلوم عبدي، من دون الرجوع إلى أبناء العشيرة أو التشاور معهم. وإن مثل هذه البيانات لا تعبر إلا عن الجهة التي أصدرتها، ولا يجوز لأي فرد أو مجموعة أن تدعي تمثيل عشيرة عريقة من دون تفويض واضح أو توافق حقيقي بين أبنائها.
وبصفتي أحد أبناء عشيرة الشيخان، أؤكد أن موقفنا ثابت في دعم وحدة سوريا أرضاً وشعباً، ورفض جميع مشاريع التقسيم أو الاحتراب الداخلي، والإيمان بأن سوريا وطن لجميع أبنائها، من العرب والكورد والسريان والآشوريين والتركمان والأرمن والشركس وسائر المكونات القومية، ومن مختلف الأديان والمذاهب، على أساس المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على وحدة سوريا لا يتعارض مع الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي، بل إن ضمان هذه الحقوق، وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية، وإقامة دولة ديمقراطية تعددية تشاركية تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، هو السبيل الأمثل لتعزيز وحدة البلاد واستقرارها.
إن استمرار سياسات الإقصاء والإنكار، إلى جانب تنامي الخطابات المتطرفة، سيدفع سوريا نحو طريق مسدود، وسيزيد من احتمالات عودة الصراع الأهلي، الأمر الذي لن يكون في مصلحة أي طرف، بل ستكون تداعياته كارثية على جميع السوريين دون استثناء.
ومن هنا، فإنني أدعو أبناء الشعب السوري كافة إلى التحلي بالحكمة وضبط النفس، وعدم الانجرار وراء الأصوات المتطرفة أو البيانات التي تصدر باسم العشائر أو المكونات المختلفة لتحقيق مصالح شخصية أو مكاسب سياسية ضيقة، لأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يبنى على الانقسام أو التحريض، وإنما على الحوار الوطني، والتوافق، والشراكة بين جميع مكونات الشعب السوري.
إن سوريا اليوم أحوج ما تكون إلى مشروع وطني جامع، يؤسس لدولة ديمقراطية حديثة تحترم حقوق الإنسان، وتصون الحريات العامة، وتكفل الحقوق الدستورية لجميع مكوناتها القومية والدينية والثقافية، وتقوم على مبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون. فهذا وحده هو الطريق الكفيل بإغلاق أبواب الفتنة، والحفاظ على وحدة الوطن، وبناء مستقبل آمن ومستقر يليق بجميع السوريين.
25 تموز 2026
الدكتور عدنان بوزان