بقلم: د. عدنان بوزان
خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية عام 1945 مثقلةً بدمار هائل طال مدنها واقتصادها وبنيتها التحتية، وخرجت رواندا عام 1994 من واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في تاريخها الحديث، بعد الإبادة الجماعية التي مزقت مجتمعها، فيما واجهت سنغافورة، عقب استقلالها عام 1965، تحديات اقتصادية وبنيوية كبيرة، في ظل محدودية مواردها الطبيعية. وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والسياسية لهذه الدول، فإن تجاربها تتيح استخلاص درس أساسي: إن الموارد المادية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لبناء الدول، كما أن الخروج من الكوارث لا يتحقق بمجرد انتهاء الحروب، بل يتطلب مؤسسات فاعلة، وإدارة كفؤة، ورؤية استراتيجية، وقدرة على تحويل المصالح العامة إلى أولوية وطنية. فالصراع على السلطة لا يبني اقتصاداً، والتنازع على الهوية لا يطور منظومة تعليمية، والخطابات التي تستثمر في الانقسامات لتعبئة الجماهير لا تعيد إعمار المدن ولا تضمن مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة.
وعندما ننظر إلى الواقع السوري، ندرك أن التحدي لا يقتصر على إعادة إعمار المدن المدمرة وإنعاش الاقتصاد المنهك، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري يتصل بطبيعة الدولة التي ينبغي بناؤها، والأسس الدستورية والسياسية التي ستنظم العلاقة بين مكونات المجتمع. فسوريا، بما تتميز به من تعددية قومية ودينية وثقافية وسياسية، لا يمكنها تحقيق استقرار مستدام من خلال فرض هوية أحادية على مجتمع متنوع، أو التعامل مع التعددية بوصفها تهديداً ينبغي احتواؤه، أو تحويل الاختلافات إلى ذرائع للتخوين والإقصاء والتحريض. فالدولة التي تتجاهل حقيقة مجتمعها وتصر على إنكار تنوعه ستظل عاجزة عن بناء توافق وطني راسخ، مهما رفعت من شعارات الوحدة. ذلك أن الوحدة الوطنية لا تتحقق بإنكار الهويات والخصوصيات، وإنما بالاعتراف بها، وضمان الحقوق المتساوية، وترسيخ مبدأ المواطنة، وبناء شعور عام بأن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وليست امتيازاً تحتكره جماعة أو سلطة أو تيار سياسي.
إن من أخطر التحديات التي تواجه سوريا في مرحلة إعادة بناء الدولة احتمال الانتقال من الصراع على السلطة إلى الصراع بين المكونات، ومن التنافس السياسي إلى الاستقطاب القومي والطائفي، ومن إدارة الاختلاف بالحوار والمؤسسات إلى توظيف الخوف من الآخر وسيلةً لتعبئة الأنصار وتثبيت النفوذ. فعندما يصور مكون اجتماعي بأكمله بوصفه خصماً، أو يحمَّل مسؤولية أفعال ارتكبها أفراد أو سلطات أو جماعات سياسية، يصبح المجتمع أسير الاتهامات الجماعية والانتقامات المتبادلة، وتتحول السياسة من أداة لتنظيم المصالح وإدارة الخلافات إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام. وعندما تهمش المطالب المشروعة لبعض المكونات، أو تواجه حقوقها القومية والثقافية والسياسية بالتشكيك والعداء، فإن تلك المطالب لا تزول، بل تتراكم في صورة مظالم وأزمات ثقة تهدد شرعية المؤسسات ومستقبل الدولة. ومن هنا، فإن الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية والدينية ليس انتقاصاً من وحدة سوريا، بل هو شرط أساسي لبناء وحدة وطنية مستدامة، تقوم على الرضا المتبادل والحقوق والضمانات الدستورية، لا على الإكراه أو فرض الأمر الواقع.
ولا يمكن معالجة المسألة السورية معالجة جادة من دون التمييز بين وحدة الدولة واحتكار السلطة، وبين السيادة الوطنية وفرض تصور أحادي للهوية، وبين المواطنة المتساوية ومحو الخصوصيات القومية والثقافية. فالدولة الموحدة لا تعني بالضرورة دولة مركزية تحتكر فيها سلطة واحدة جميع القرارات، كما أن الاعتراف بالتعددية لا يعني تفكيك الدولة أو الانتقاص من سيادتها. إن شكل الدولة ونظامها الإداري والسياسي ينبغي أن يحسما من خلال حوار وطني شامل، ومشاركة حقيقية للسوريين، وضمانات دستورية واضحة، بما ينسجم مع إرادتهم الحرة وحقوقهم المتساوية. أما اختزال الوحدة الوطنية في الطاعة السياسية، أو مطالبة المكونات بالتخلي عن خصوصياتها وحقوقها لإثبات ولائها للدولة، فلا يؤسس لمواطنة متساوية، بل يكرس علاقة غير متكافئة بين السلطة والمجتمع. فالولاء للوطن لا يقاس بمدى التخلي عن الهوية، وإنما بالالتزام بالحقوق والواجبات المشتركة، واحترام القانون، والمشاركة في بناء مؤسسات عادلة تحمي الجميع من دون تمييز.
لقد أظهرت تجارب الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها أن النهوض لا يتحقق بمجرد تغيير الأشخاص أو استبدال الشعارات، بل يتطلب تغييراً جوهرياً في طريقة التفكير في الدولة ووظائفها. فالدولة ليست غنيمة يتقاسمها المنتصرون، ولا مؤسسة تدار وفق الولاءات الضيقة، ولا ساحة لتصفية الحسابات السياسية والتاريخية، بل منظومة من المؤسسات والقوانين، وإطار عام لحماية الحقوق وتنظيم المصالح وضمان تكافؤ الفرص. وعندما تتقدم المحسوبية على الكفاءة، والولاءات الشخصية على الخبرة، والشعارات على الإنجاز، وردود الفعل على التخطيط، تصبح الموارد المتاحة عاجزة عن تحقيق تنمية مستدامة. أما حين تمنح الأولوية للتعليم والبحث العلمي والاقتصاد والإدارة المهنية واستقلال المؤسسات، وتربط المسؤولية العامة بالمساءلة والشفافية، فإن الدولة تضع الأسس العملية لتجاوز أزماتها، بدلاً من الاكتفاء بإدارتها أو تأجيل انفجاراتها.
ومن هذا المنطلق، لا تحتاج سوريا إلى خطاب وطني يطالب الجميع بالتنازل عن خلافاتهم أو التزام الصمت حيال مظالمهم، بل إلى مشروع سياسي ودستوري يعترف بالاختلاف وينظمه ضمن إطار عادل. وهي لا تحتاج إلى وحدة شكلية تخفي المظالم تحت شعارات عامة، بل إلى عقد وطني يحدد بوضوح حقوق المواطنين والمكونات، ويضمن المشاركة السياسية الفعلية، ويمنع احتكار السلطة، ويؤسس لقضاء مستقل ومؤسسات خاضعة للقانون والمساءلة. ويقتضي ذلك إقرار مبدأ عدم التمييز، وحماية حرية التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، وضمان الحقوق القومية والثقافية واللغوية، وتوفير آليات قانونية ومؤسسية لمعالجة النزاعات وتسوية الخلافات. فالدستور ليس وثيقة شكلية تمنح السلطة غطاءً قانونياً، بل عقد ملزم يحدد صلاحياتها، ويقيد ممارستها، ويحمي الأفراد والجماعات من التعسف، ويضمن ألا تتحول إرادة الأكثرية، أياً كانت، إلى وسيلة لحرمان الآخرين من حقوقهم الأساسية.
كذلك، لا يمكن فصل إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية عن العدالة وبناء الثقة بين السوريين. فلا استثمار مستدام في بيئة يسودها الخوف وانعدام اليقين، ولا تنمية حقيقية في ظل التمييز والفساد وغياب تكافؤ الفرص، ولا استقرار طويل الأمد حين يشعر جزء من المجتمع بأن حقوقه مرهونة بموازين القوة أو بمواقف السلطة القائمة. ولذلك، ينبغي أن تتحول قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد والبنية التحتية إلى مشروعات وطنية تتجاوز الانقسامات السياسية، وأن تدار الموارد العامة وفق معايير الكفاءة والشفافية والعدالة في توزيع الفرص، بعيداً عن المحاصصة القائمة على الولاء أو التمييز بين المواطنين. فإعادة بناء الدولة لا تعني ترميم المباني والطرق فحسب، بل إعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات على أساس الثقة والحقوق والمسؤولية المتبادلة.
إن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجارب الأمم ليس أن جميع الدول اتبعت مساراً واحداً نحو النهوض، بل أن تجاوز الأزمات يتطلب إرادة سياسية تتجاوز المصالح الآنية، ومؤسسات قادرة على ضبط السلطة بالقانون، واستعداداً للاعتراف بالأخطاء وتصحيحها، والاستعانة بأهل الخبرة والكفاءة، واحترام النقد بوصفه جزءاً من الحياة العامة لا تهديداً لها. وفي الحالة السورية، يعني ذلك أن مستقبل البلاد لا ينبغي أن يختزل في هوية الطرف الذي انتصر في صراع سياسي أو عسكري، ولا في قدرته على فرض رؤيته على بقية السوريين، بل في قدرته على الإسهام في تأسيس دولة تضمن الحقوق والحريات، وتوفر فرصاً متكافئة، وتحمي حق جميع مكوناتها في الوجود والتعبير والمشاركة، من دون أن يتحول حق أي مكون إلى ذريعة للمساس بحقوق الآخرين.
في المحصلة، لا تنهض الأوطان بمجرد تبديل الوجوه، ولا تنقذها البلاغة السياسية مهما ارتفعت نبرتها، بل تنهض حين تصبح الكفاءة معياراً لتولي المسؤولية، والعدالة أساساً للعلاقات بين المواطنين، والتعليم أولوية وطنية، والاقتصاد مشروعاً عاماً، والتعددية مبدأً دستورياً وممارسةً سياسية فعلية. أما سوريا، التي دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها ودمار مدنها وتمزق نسيجها الاجتماعي، فلا تحتمل إعادة إنتاج أسباب الكارثة بأسماء جديدة وخطابات مختلفة. فإثارة العداوات بين مكوناتها لن تبني دولة، وإنكار حقوقها لن يحقق الاستقرار، وتحويل الاختلاف إلى صراع وجودي لن يؤدي إلا إلى تعميق الجراح وتأجيل فرص التعافي.
إن السؤال الذي ينبغي أن يحكم مستقبل سوريا ليس: من يملك الحق في إخضاع الآخرين؟ بل: كيف يمكن بناء دولة يشعر فيها الجميع بأن حقوقهم مصونة، وكرامتهم محفوظة، ومشاركتهم مضمونة، ومستقبلهم مشترك؟ فالأوطان لا تنهار لمجرد اختلاف أبنائها، بل حين تعجز مؤسساتها عن إدارة اختلافهم بالعدل، وحين تتحول السلطة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية تبرر من أجلها الانقسامات والانتهاكات. وهي لا تنهض بانتصار طرف على آخر، بل بترسيخ سيادة القانون، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة، وإخضاع السلطة للمساءلة، والانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الدولة. فسوريا التي تستحقها أجيالها القادمة ليست دولةً يطلب فيها من الجميع أن يكونوا متشابهين، بل دولةً يتساوى فيها الجميع في الحقوق والكرامة، ويكون اختلافهم جزءاً من غناها الوطني، لا ذريعةً لإقصائهم أو إشعال الصراع بينهم.