بقلم: د. عدنان بوزان
لم تعد السياسة في هذه الجغرافيا فعلاً عقلانياً لإدارة الشأن العام، بل تحولت إلى جريمة منظمة تدار بوعي كامل ودمٍ بارد، وتسوق للشعوب على أنها قدرٌ لا يرد، أو حكمةٌ لا تناقش. ما نعيشه اليوم ليس أزمة حكومات ولا تعثر أنظمة، بل انهيارٌ شامل لفكرة السياسة ذاتها، حين تفصل عن الأخلاق، وتنزع منها أي صلة بالإنسان، وتختزل في أدوات قمع، وخطابات تعبئة، وآليات إخضاع.
السياسة التي لا تنتج عدالة ليست سياسة، بل عنفٌ مؤجل، والسياسة التي لا تعترف بالتعدد ليست دولة، بل حربٌ أهلية كامنة، والسياسة التي تدار بمنطق الغلبة لا بمنطق العقد الاجتماعي ليست سوى شكل آخر من أشكال الاحتلال الداخلي. في منطقتنا، جرى تدمير المعنى قبل تدمير المدن، ومصادرة الوعي قبل مصادرة الحريات، وأُعيد تعريف الوطنية لتصبح طاعةً عمياء، والخيانة لتصبح سؤالاً مشروعاً، والكرامة ترفاً لا يليق بالفقراء والمهمشين.
لم تسقط الأنظمة لأنها فاسدة فحسب، بل لأنها أصرت على تحويل الدولة إلى ملكية خاصة، والمجتمع إلى قطيع، والتاريخ إلى نشرة رسمية. وحين فشلت في إنتاج الشرعية، لجأت إلى السلاح، وحين عجزت عن الإقناع، استعانت بالخوف، وحين انكشف زيفها، احتمت بالدين، أو بالقومية، أو بفزاعة الخطر الخارجي، وكأن الشعوب خلقت لتعيش إلى الأبد في حالة طوارئ دائمة.
الأخطر من الاستبداد نفسه هو تطبيعه في الوعي العام، وتحويله إلى أمرٍ اعتيادي، بل إلى فضيلة. أن يقنعك الجلاد بأن الأمن أهم من الحرية، وأن الخراب أقل كلفة من التغيير، وأن الصمت حكمة، فذلك هو الانتصار الحقيقي للسلطة؛ لا بقوة القمع، بل بانهيار المقاومة الداخلية في عقل الإنسان.
لسنا أمام فشل سياسي عابر، بل أمام نظامٍ إقليمي كامل قائم على إنتاج العنف، وتدوير الأزمات، ومنع أي إمكانية لبناء دولة حديثة تقوم على المواطنة، والمساءلة، وسيادة القانون. كل مشروع لا يعترف بحقوق المكونات، ولا يضمن التمثيل الحقيقي، ولا يفصل السلطة عن السلاح، هو مشروع قابل للانفجار، مهما طال عمره، ومهما غلفته الشعارات.
كلمة اليوم ليست حياداً، ولا محاولة للتوفيق بين الضحية والجلاد، بل موقفٌ أخلاقي وسياسي واضح: لا سياسة بلا إنسان، ولا شرعية بلا عدالة، ولا دولة تبنى فوق القمع والكذب والخوف. من يظن أن الشعوب تهزم إلى الأبد لم يقرأ التاريخ، ومن يراهن على الزمن لينقذه من الحساب واهم؛ فالتاريخ لا ينسى، والعدالة قد تتأخر، لكنها لا تموت.
هذه لحظة الحقيقة: إما سياسة تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غايةً لا وسيلة، وإما استمرار في إدارة الخراب حتى السقوط الشامل. وما بين الخيارين، لا رماد ولا منطقة وسطى، بل صراعٌ مفتوح بين من يريد الحياة، ومن لا يستطيع أن يحكم إلا واقفاً فوق الجثث.