بقلم: د. عدنان بوزان
لم تكن الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكوردي في سوريا يوماً مطلباً طارئاً، ولا قضيةً ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما لا نهاية. إنها خلاصة قرونٍ من النضال، ونتيجةٌ مباشرة لتضحياتٍ هائلة قدمها شعبٌ واجه الإنكار والاستبداد طويلاً، وشارك بفاعلية في الثورة من أجل الحرية والكرامة.
لكن، وبعد كل هذا التاريخ، وبعد أكثر من عقدٍ ونصف من المواجهة، وبعد سقوط أكثر من عشرين ألف شهيد وشهيدة، لا تزال هذه الحقوق دون مستوى الدم الذي سفك، ودون حجم التضحيات التي لا يمكن اختزالها بخطابات مجاملة أو حلولٍ مؤقتة.
وهنا لا بد من القول بوضوح: ما يجري اليوم ليس تقصيراً عابراً، بل استمرارٌ لسياسات الإقصاء نفسها، وإن تغيرت الوجوه وتبدلت اللغة. فالشعب الكوردي الذي ثار ضد إنكار وجوده، يجد نفسه مجدداً أمام اعترافٍ ناقص، وحقوقٍ منقوصة، ونظامٍ تربوي بلا حماية قانونية، وكأن الثورة قامت ليعاد إنتاج الظلم بصيغةٍ أكثر نعومة.
إن تجاهل الحقوق المدنية للكورد، أو التعامل معها بوصفها ملفاً قابلاً للمساومة، هو إهانة سياسية وأخلاقية لشعبٍ لم يطلب أكثر من أن يعترف به كما هو. أما العبث بالحقوق التربوية، وترك التعليم الكوردي رهينة المزاج السياسي والخوف المرضي من اللغة، فليس إلا امتداداً مباشراً لسياسات الصهر القومي التي ثار السوريون عليها أصلاً.
نقولها بلا مواربة:
من يرفض الاعتراف الدستوري الصريح بالشعب الكوردي، شريكٌ في الظلم.
ومن ينكر حق الطفل الكوردي في التعليم بلغته الأم، يشارك في صناعة جيلٍ جديد من القهر.
ومن يطالب الكورد بالصمت مقابل حقوقٍ جزئية، يطالبهم بالتخلي عن جوهر نضالهم.
لا نريد حلولاً ترقيعية، ولا وعوداً مؤجَّلة، ولا لجاناً تدفن فيها القضايا. نريد مواطنةً كاملة، واعترافاً قومياً واضحاً، ونظاماً تربوياً معترفاً به، وشراكةً حقيقية في القرار. فالدولة التي تخاف من لغة، لن تطمئن شعباً، والدولة التي تنكر أحد مكوناتها، تحكم على نفسها بالفشل.
فالحقوق التي تؤجل طويلاً تتحول إلى إهانة
والعدالة التي لا تشمل الكورد، ليست عدالة.