في يوم عيد النوروز، لا نقف أمام طقسٍ احتفالي فحسب، بل أمام لحظةٍ سياسيةٍ مكثفة تختصر قرناً كاملاً من الألم والمقاومة والخذلان والأمل المؤجل. إن النوروز، في معناه الكوردي العميق، ليس عيداً للطبيعة فقط، بل هو يوم استعادةٍ للذاكرة، ورفعٍ للصوت، وتذكيرٍ للعالم بقضيةٍ لم تنتهِ رغم كل محاولات التهميش والإلغاء.
أيها الشعب الكوردي
إن مظلوميتكم ليست روايةً عاطفية تروى، بل حقيقةٌ تاريخية موثقة بالدم والخرائط والقرارات الدولية التي لم تنفذ. فمنذ انهيار الدولة العثمانية، وضع الكورد أمام واحدةٍ من أعقد المآسي السياسية في العصر الحديث؛ إذ جرى تقسيمهم بين أربع دول من دون استشارة إرادتهم، ومن دون الاعتراف بوجودهم كشعبٍ يمتلك حق تقرير مصيره. وهكذا تحولت الجغرافيا إلى قيد، والهوية إلى تهمة، والانتماء إلى عبءٍ يعاقَب عليه.
في معاهدة سيفر لاحت بارقة أمل بقيام كيانٍ كوردي، غير أن هذا الأمل سرعان ما أُجهِض في معاهدة لوزان، حيث ثبت واقع الإنكار، وقسم الكورد بين دولٍ قوميةٍ لم تعترف بهم، بل نظرت إليهم بوصفهم تهديداً ينبغي احتواؤه أو محوه.
ومنذ ذلك الحين، لم يكن التاريخ الكوردي سوى سلسلةٍ متواصلةٍ من الانتفاضات والقمع:
من جمهورية مهاباد التي ولدت حلماً وأُجهِضت بالقوة
إلى آمد، حيث لم تنكسر صرخةُ المظلومين
إلى حلبجة التي اختنقت بالغاز، ففضحت صمت العالم
إلى القرى التي أُحرِقت لتمحى الذاكرة
إلى اللغة التي منِعت كي يقتل الانتماء
إلى انتفاضة قامشلو التي فجرت الغضب المكبوت
إلى شهداء عيد النوروز الذين كتبوا الحرية بدمائهم
إلى عفرين والأشرفية والشيخ مقصود، حيث استمر النزف
إلى كوباني الجريحة التي قاومت لتبقى
إلى هويةٍ حوصرت في المدارس والإدارات والسجون، لكنها لم تهزم.
إن ما تعرض له الكورد لم يكن مجرد انتهاكاتٍ عابرة، بل سياسةً ممنهجة هدفت إلى تفكيك وجودهم: تعريب، وتتريك، وتفريس، وإنكارٌ ثقافي وسياسي مستمر. ومع ذلك، لم يتحول الكورد إلى قوة انتقام، بل ظلوا، في جوهر نضالهم، قوةً تطالب بالاعتراف والكرامة والعدالة.
أيها العالم
إن الصمت الدولي تجاه القضية الكوردية ليس حياداً، بل انحيازٌ ضمني إلى استمرار الظلم. لقد استخدم الكورد مراراً أداةً في الصراعات الإقليمية والدولية، ثم تركوا وحدهم في لحظات الحسم. وهذه الازدواجية في المعايير لا يمكن أن تستمر من دون أن تقوِض مصداقية القيم التي يتحدث عنها العالم: الحرية، وحقوق الإنسان، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إن القضية الكوردية اليوم ليست مجرد قضية شعبٍ بلا دولة، بل هي اختبارٌ حقيقي للنظام الدولي:
هل يمكن الاعتراف بشعبٍ من دون أن يمر عبر منطق الدول القومية المغلقة؟
وهل يمكن تحقيق العدالة من دون إعادة النظر في خرائط فرضت بالقوة؟
أيها الشعب الكوردي
إن نضالكم الطويل لم يكن عبثياً، بل هو الذي حافظ على وجودكم حتى اليوم. غير أن المرحلة الراهنة تفرض تحولاً في أدوات النضال: من رد الفعل إلى الفعل السياسي المنظم، ومن التشتت إلى بناء رؤيةٍ موحدة، ومن الارتهان للخارج إلى بناء قوةٍ داخلية قادرة على فرض حضورها في معادلات المنطقة.
إن وحدتكم السياسية، وتماسك خطابكم، وقدرتكم على تقديم مشروعٍ ديمقراطي عادل، ليست خياراتٍ ثانوية، بل شروطٌ أساسية للخروج من دائرة الاستغلال التاريخي.
أيها شعوب الشرق الأوسط
إن إنكار حقوق الكورد لم يجلب الاستقرار لأي دولة، بل كان دائماً سبباً في تعميق الأزمات. إن الاعتراف بالكورد لا يهدد وحدة الدول، بل يشكل الطريق الواقعي لإنقاذها من التفكك. فالدولة التي تبنى على الإنكار محكومةٌ بالانفجار، أما الدولة التي تبنى على الاعتراف، فهي القادرة على الاستمرار.
إن النوروز اليوم يجب أن يكون لحظةً سياسية بامتياز:
لحظة إعلانٍ بأن القضية الكوردية لن تدفن، وأن الشعب الكوردي لن يقبل أن يكون هامشاً في تاريخٍ يكتب باسمه، وأن زمن الإنكار، مهما طال، لن يتحول إلى قدرٍ دائم.
في هذا اليوم، لا نطلب الشفقة، بل نطالب بالحق.
ولا نبحث عن تعاطفٍ مؤقت، بل عن اعترافٍ دائم.
ولا نرفع شعلة النوروز للزينة، بل بوصفها رمزاً لنارٍ لم تنطفئ، ولن تنطفئ حتى تتحقق العدالة.
كل نوروز، وأنتم أقرب إلى الحرية
وأقرب إلى استعادة حقوقكم
وأقرب إلى كتابة تاريخكم بأيديكم، لا بقرارات الآخرين.
20 آذار 2026
د. عدنان بوزان