بقلم: د. عدنان بوزان
تدخل سوريا اليوم مرحلةً تاريخيةً تختلف في طبيعتها عن جميع المراحل التي عرفتها منذ نشوء الدولة السورية الحديثة. فلم تعد المسألة تتعلق بتغيير حكومة، أو تعديل دستور، أو إعادة بناء مؤسسات دمرتها الحرب، بل أصبحت ترتبط بإعادة تعريف الدولة نفسها، وإعادة النظر في فلسفة الحكم التي سادت البلاد على امتداد عقود. فالتحولات الكبرى التي شهدتها سوريا لم تترك أثرها في بنيتها السياسية والعسكرية فحسب، بل مست جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمواطن، وبين المركز والأطراف، لتطرح سؤالاً لم يعد بالإمكان تجاوزه: أيُّ دولةٍ تحتاجها سوريا كي تستعيد استقرارها، وتحافظ على وحدتها، وتؤسس لمستقبلٍ أكثر عدالةً واستدامة؟
لقد قامت الدولة السورية، منذ نشأتها، على نموذجٍ شديد المركزية، تركزت فيه السلطات السياسية والإدارية والاقتصادية في العاصمة، بينما بقيت معظم المناطق في موقع المتلقي للقرارات، لا الشريك في صناعتها. وربما بدا هذا النموذج، في مراحل تاريخية معينة، قادراً على إدارة الدولة ضمن ظروفٍ مختلفة، إلا أن التجربة السورية، بكل ما حملته من أزماتٍ وصراعاتٍ وانقسامات، كشفت حدود هذا النموذج وعجزه عن إدارة مجتمعٍ متعدد القوميات والثقافات والأديان والمذاهب.
إن المشكلة لم تكن يوماً في فكرة الدولة الموحدة، إذ لا خلاف على أهمية وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وإنما في الكيفية التي أُديرت بها هذه الوحدة. فالوحدة التي تقوم على احتكار السلطة تختلف جذرياً عن الوحدة التي تقوم على الشراكة الوطنية. والدولة التي تنص قوانينها على المساواة بين المواطنين، لكنها لا تضمن لجميع مكوناتها المشاركة الفعلية في إدارة الشأن العام، تبقى معرضة لإعادة إنتاج أزماتها كلما تبدلت الظروف السياسية.
لقد أثبتت العقود الماضية أن المركزية المفرطة لم تتمكن من تقديم حلولٍ مستدامة للقضايا الوطنية الكبرى، بل أسهمت، بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، في تعميق الشعور بالتهميش لدى العديد من المناطق والمكونات. فالقضية الكوردية، بوصفها إحدى أبرز القضايا الوطنية في سوريا، لم تجد طريقها إلى حلٍ عادلٍ ودائم في ظل الدولة المركزية، كما بقيت هواجس كثيرٍ من المكونات الدينية والمذهبية والقومية، بما فيها أبناء الطائفة العلوية، والدروز، وقطاعات واسعة من العرب السنّة، إلى جانب السريان والآشوريين والتركمان والأرمن وغيرهم، حاضرةً في المشهد السياسي، نتيجة غياب نموذجٍ للدولة يقوم على الشراكة السياسية الحقيقية، والاعتراف المتبادل، والمواطنة المتساوية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه القضايا بوصفها مطالب تخص جماعاتٍ منفصلة عن الدولة، بل باعتبارها جزءاً من سؤال الدولة نفسها. فالدولة الحديثة لا تقاس بقدرتها على فرض السلطة فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة التنوع، وتحويل الاختلاف إلى مصدرٍ للإثراء والاستقرار، لا إلى سببٍ دائمٍ للصراع. وكل مشروعٍ سياسي يتجاهل هذه الحقيقة، سيجد نفسه عاجزاً عن بناء استقرارٍ طويل الأمد، مهما امتلك من أدوات القوة.
إن المجتمع السوري ليس مجتمعاً أحادي الهوية، بل هو مجتمعٌ تعددي تشكل عبر قرونٍ من التفاعل التاريخي بين قومياتٍ وثقافاتٍ وأديانٍ ومذاهب متعددة. وهذه الحقيقة ليست عبئاً على الدولة، بل هي أحد أهم عناصر غناها الحضاري، شريطة أن يترجم هذا التنوع إلى شراكةٍ سياسيةٍ ودستورية، لا إلى هيمنة طرفٍ على آخر. فكلما اتسعت مساحة الاعتراف بالتعدد، ازدادت فرص الاستقرار، وكلما ضاقت هذه المساحة، تصاعدت احتمالات الاحتقان والانقسام.
ومن هنا، فإن إعادة إنتاج الدولة المركزية بصيغتها التقليدية لن تعني، في نظر كثيرٍ من الباحثين والفاعلين السياسيين، سوى إعادة إنتاج العوامل التي أسهمت في تراكم الأزمات خلال العقود الماضية. فالمشكلة لا تكمن في الأشخاص الذين يتولون السلطة، بل في بنية السلطة ذاتها، وفي طبيعة العلاقة بين المركز والمجتمع. ولذلك، فإن أي مشروعٍ وطني جديد يتجاهل إصلاح هذه البنية سيظل مشروعاً ناقصاً، مهما رفع من شعارات الإصلاح والتغيير.
وفي المقابل، تبرز اللامركزية السياسية، أو النظام الفيدرالي ضمن إطار دولةٍ سوريةٍ موحدة، بوصفهما من أبرز الخيارات المطروحة لمعالجة التعقيدات البنيوية التي تواجهها البلاد. ولا يقصد بذلك تقسيم سوريا أو الانتقاص من سيادتها، بل إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم أو الإدارات المحلية على أسسٍ دستورية واضحة، تضمن توزيع السلطات والصلاحيات بصورةٍ متوازنة، وتعزز المشاركة السياسية، وتحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة وسيادتها.
فاللامركزية السياسية لا تعني وجود دولٍ متعددة، وإنما تعني وجود دولةٍ واحدة تتوزع فيها الاختصاصات بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية وفق أحكام الدستور، بما يحقق إدارةً أكثر كفاءة، ويقرب عملية صنع القرار من المواطنين، ويحد من احتكار السلطة، ويعزز مبادئ المساءلة والشفافية.
أما الفيدرالية، فهي ليست مرادفاً للانفصال كما يروج لها أحياناً، بل هي صيغةٌ دستورية معتمدة في عددٍ من الدول المتعددة القوميات والثقافات، أثبتت قدرتها على التوفيق بين وحدة الدولة واحترام خصوصيات مكوناتها، من خلال توزيعٍ دستوري للسلطات، وضمان الحقوق السياسية والثقافية واللغوية لجميع المواطنين ضمن دولةٍ واحدة ذات سيادة.
وانطلاقاً من ذلك، فإن معالجة القضية الكوردية لا يمكن أن تتحقق عبر سياسات الإنكار أو التأجيل، بل من خلال الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والثقافية واللغوية للشعب الكوردي، وضمان مشاركته الكاملة في الحياة السياسية، ضمن إطار الدولة السورية. والأمر ذاته ينطبق على بقية المكونات، التي تحتاج إلى ضماناتٍ دستورية ومؤسساتية تكفل لها المشاركة المتساوية في إدارة الدولة، وتبدد مخاوف الإقصاء أو التهميش.
ولا يعني ذلك أن اللامركزية أو الفيدرالية تمثلان حلاً تلقائياً لجميع المشكلات، فنجاح أي نموذجٍ دستوري يبقى مرهوناً بوجود دستورٍ توافقي، ومؤسساتٍ ديمقراطية فاعلة، وقضاءٍ مستقل، وثقافةٍ سياسية تؤمن بالمواطنة وسيادة القانون والتعددية. غير أن العودة إلى نموذج الدولة المركزية الصلبة، بعد كل ما شهدته سوريا، تبدو، في نظر كثيرين، أقرب إلى إعادة إنتاج أسباب الأزمة منها إلى بناء حلولٍ مستدامة لها.
إن الدولة التي تتسع لجميع أبنائها لا تبنى بالخوف من التنوع، وإنما بالاعتراف به، وتنظيمه في إطارٍ دستوري عادل. والوحدة الوطنية لا تتحقق بإلغاء الخصوصيات القومية أو الثقافية أو الدينية، بل بجعلها جزءاً من هويةٍ وطنية جامعة، يشعر الجميع في ظلها بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات.
واليوم، تقف سوريا أمام فرصةٍ تاريخية لإعادة بناء دولتها على أسسٍ جديدة. وإذا أُهدرت هذه الفرصة بالعودة إلى النماذج التي أثبتت محدودية قدرتها على إدارة مجتمعٍ متنوع، فإن البلاد قد تدخل دورةً جديدة من الأزمات. أما إذا امتلك السوريون الإرادة السياسية لإعادة التفكير في شكل الدولة، والانتقال من منطق الاحتكار إلى منطق الشراكة، ومن المركزية المطلقة إلى اللامركزية الديمقراطية أو الفيدرالية الدستورية ضمن دولةٍ موحدة، فقد يشكل ذلك بدايةً لمسارٍ جديد نحو دولةٍ أكثر استقراراً وعدالةً، وأكثر قدرةً على استيعاب جميع مكوناتها.
إن مستقبل سوريا لن تحدده قوة المركز وحدها، بل قدرة الدولة على أن تكون وطناً لجميع مواطنيها، بصرف النظر عن قومياتهم، أو أديانهم، أو مذاهبهم، أو مناطقهم. فالدول لا تستقر عندما ينتصر طرفٌ على آخر، وإنما تستقر عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن، وفي السلطة، وفي صناعة المستقبل.