بقلم: د. عدنان بوزان
ليس البرلمان مجرد قاعةٍ تتراص فيها المقاعد، ولا منصةً لإلقاء الخطب، ولا مؤسسةً تستكمل بها صورة الدولة أمام العالم. فالبرلمان، في جوهر الفلسفة السياسية الحديثة، هو التجسيد المؤسسي للإرادة الشعبية، والفضاء الذي تنتقل فيه أصوات المواطنين من صناديق الاقتراع إلى قبة التشريع والرقابة والمساءلة. ومن هنا، فإن شرعية أي مجلس نيابي تبدأ بسؤالٍ لا يمكن القفز فوقه: من اختار هؤلاء الممثلين؟
في التجارب السياسية المعاصرة، لا تقاس شرعية المؤسسات بمظهرها أو باسمها، بل بالآلية التي تشكلت من خلالها. وقد عرف التاريخ السياسي أنماطاً متعددة من الحكم؛ فمن الديمقراطيات الليبرالية إلى الأنظمة السلطوية، ومن الجمهوريات إلى الملكيات، ظل البرلمان -بدرجات متفاوتة من الحرية والنزاهة- يستند، في الأصل، إلى فكرة تمثيل المجتمع، حتى وإن اختلفت نزاهة الانتخابات ومستوى التنافس فيها. أما أن يستبدل الاختيار الشعبي بالتعيين المباشر، فإن ذلك يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول طبيعة المؤسسة التشريعية، وحدود استقلالها، وقدرتها على أداء وظائفها الدستورية.
وفي الحالة السورية الراهنة، لا يقتصر الجدل على أسماء أعضاء المجلس أو انتماءاتهم، بل يمتد إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف تشكل هذا المجلس؟ فإذا كان أعضاء البرلمان لا يصلون إلى مقاعدهم عبر إرادة الناخبين، وإنما عبر قرارات تصدر عن السلطة التنفيذية أو عن الجهات المشرفة على المرحلة الانتقالية، فإننا نكون أمام مجلس يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تمثيله للإرادة الشعبية. وهنا يصبح النقاش سياسياً ودستورياً في آنٍ واحد: هل يستطيع مجلس لم ينبثق من اختيار المواطنين أن يمارس الرقابة على السلطة التي أسهمت في تشكيله؟
وتزداد هذه الإشكالية عمقاً عندما يشعر المواطن السوري بأنه غائب عن صناعة القرار في بلاده. فبينما تحظى تطورات المشهد السوري بمتابعة دقيقة في العواصم الإقليمية والدولية، وتتناولها مراكز الدراسات ووسائل الإعلام بالتحليل والتقدير، يبقى المواطن السوري، وهو صاحب المصلحة الأولى، بعيداً عن المشاركة المباشرة في اختيار ممثليه أو رسم ملامح المرحلة السياسية الجديدة. ولا يقتصر الأمر على غياب المعلومات، بل يمتد إلى غياب الدور الفاعل في صناعة القرار ذاته، وهو ما يوسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويضعف الثقة بالمؤسسات الناشئة.
إن البرلمان ليس هيئةً للتصفيق، ولا مؤسسةً لإضفاء الشرعية على ما تقرره السلطة التنفيذية، بل هو أحد الأركان الأساسية لمبدأ الفصل بين السلطات، ومنبرٌ للتشريع، وأداةٌ للرقابة والمساءلة، وصوتٌ يعكس مصالح المجتمع وتنوعه. وكلما ضعفت الصلة بين البرلمان والناخبين، ضعفت قدرته على أداء هذه الوظائف، وتراجعت الثقة العامة بالمؤسسات السياسية.
لقد دفعت سوريا، على امتداد عقود، ثمن احتكار السياسة وإفراغ المؤسسات من مضمونها وتحويلها إلى هياكل شكلية. وكان الأمل، مع بداية المرحلة الجديدة، أن تؤسس البلاد لحياة سياسية مختلفة، تقوم على المشاركة الشعبية، والتعددية السياسية، وسيادة القانون، واحترام مبدأ تداول السلطة. غير أن أي انتقال سياسي لا يكتسب شرعية راسخة إذا غابت عنه الآليات التي تتيح للمواطنين اختيار ممثليهم بحرية، وتضمن خضوع السلطة للمساءلة والمحاسبة.
إن بناء الدولة الحديثة لا يبدأ بإعادة تسمية المؤسسات، ولا بتغيير الوجوه، وإنما بإعادة الاعتبار للمواطن بوصفه مصدر الشرعية السياسية وصاحب السيادة. فالبرلمان لا يكتسب قيمته من فخامة مبناه، ولا من عدد أعضائه، بل من الطريق الذي أوصلهم إلى مقاعدهم. وعندما يغيب الشعب عن صناعة ممثليه، وتحل التعيينات محل الإرادة الشعبية، تفقد قبة البرلمان معناها الحقيقي، وتتحول من رمز للتمثيل الشعبي إلى عنوانٍ لأزمة الشرعية السياسية.
إن مستقبل سوريا لا يحتاج إلى مؤسسات جديدة فحسب، بل إلى عقدٍ سياسي جديد، تكون فيه الإرادة الشعبية المصدر الحقيقي للسلطات جميعها، ويكون الاحتكام إلى المواطنين أساساً لاكتساب الشرعية. فالدول لا تستقر بقوة السلطة وحدها، ولا بقدرتها على فرض الأمر الواقع، وإنما بثقة المجتمع في مؤسساته، وإيمانه بأن صوته مسموع، وأن ممثليه وصلوا إلى البرلمان بإرادته الحرة، لا بقرارٍ صادر عن أي سلطة كانت. تلك هي القاعدة التي قامت عليها البرلمانات الحديثة، وهي القاعدة التي لا غنى عنها إذا أرادت سوريا أن تبني دولةً تستمد قوتها من مواطنيها، لا من آليات التعيين، وأن تؤسس لمستقبل يقوم على الشرعية والمشاركة وسيادة القانون.