إن ما يجري اليوم على أطراف نهر الفرات بين سوريا الديمقراطية (قسد) وميليشيا سلطة دمشق المؤقتة (المعروفة بعصابات الجولاني)، لا يمكن فهمه بوصفه اشتباكاً عسكرياً تقليدياً، ولا صراعاً نابعاً من قرار سيادي مستقل. بل إن ما يحدث، في جوهره، جزء من لعبة دولية معقدة وخطيرة، تهدف إلى جر سلطة الجولاني إلى فخ جديد، وإعادة تصنيفها ضمن خانة «الإرهاب»، بعد محاولات مكثفة لإعادة تدويرها سياسياً وتقديمها كطرف قابل للإدماج الإقليمي والدولي.
فالمشهد الميداني القائم يتناقض كلياً مع أبسط قواعد الاشتباك وقوانين الحروب المعروفة: انسحابٌ معلن، بساعة محددة، وتحت عناوين وضمانات واضحة، يعقبه هجوم مفاجئ وفتح لجبهات القتال من جديد. هذا السلوك لا يمكن تبريره بخطأ ميداني أو سوء تقدير عسكري، بل يشكل مؤشراً سياسياً وأمنياً بالغ الخطورة، ولا يخرج عن احتمالين لا ثالث لهما:
إما أن هذه الميليشيات لا تخضع فعلياً لإرادة سلطة دمشق المؤقتة، وأن القرار العسكري منفلت ومجزأ، تتحكم به غرف سوداء وشبكات مصالح تتجاوز أي بنية سياسية معلنة، وإما أن اختراق الهدنة تم بفعل خلايا تنظيم داعش أو قوى متطرفة مماثلة، نجحت في التغلغل داخل هذه التشكيلات المسلحة، وتعمل بشكل ممنهج على إفشال أي مسار تهدئة، ودفع المنطقة نحو الفوضى الشاملة واستدامة الصراع.
وفي كلتا الحالتين، فإن الخطر لا يقتصر على طرف بعينه، بل يتمثل في تحويل الفرات إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية، واستخدام الصراع القائم أداةً لإعادة إنتاج الإرهاب بدلاً من محاربته. إن الزج بسوريا وشعوبها في هذه السيناريوهات العبثية لن يؤدي إلا إلى مزيد من الدم والدمار، وإلى تقويض ما تبقّى من فرص الوصول إلى حل سياسي عادل، يضمن الاستقرار وحقوق جميع المكونات دون استثناء.
إننا نحذر بوضوح: اللعب بالنار على ضفاف الفرات لن يحرق طرفاً واحداً، بل سيحرق ما تبقى من سوريا. والتاريخ يعلمنا أن من يستَخدم أداةً في المشاريع الدولية يستبعَد ويرمى أولاً، ما إن تنتهي وظيفته، مهما أُحيط بالوعود أو الأوهام.
18 / 1 / 2026
د. عدنان بوزان