احترام خصوصية كل جزء من كوردستان ورفض أي تدخل في شؤونه الداخلية
"وحدة الشعب الكوردي لا تعني الوصاية، بل تعني الاحترام المتبادل وصون استقلالية القرار السياسي في كل جزء من أجزاء كوردستان."
في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وفي ضوء المعادلات الجيوسياسية القائمة على أرض الواقع، بات من الواضح أن كوردستان، بوصفها وطناً تاريخياً للشعب الكوردي، لا تزال مقسمة جغرافياً وسياسياً بين عدة دول، نتيجة ظروف تاريخية معقدة وتوازنات دولية وإقليمية لم تبدِ، حتى الآن، إرادة حقيقية لتوحيد هذه الأرض أو الاعتراف الكامل بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بصورة موحدة وشاملة.
لقد أفرز هذا الواقع نشوء تجارب سياسية متعددة في كل جزء من أجزاء كوردستان، لكل منها خصوصيتها التاريخية، وسياقها السياسي والاجتماعي والأمني الخاص. ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع أي تجربة سياسية كوردية باعتبارها امتداداً تلقائياً أو خاضعاً لتوجيه تجربة أخرى، يعد اختزالاً للواقع السياسي القائم، وتجاوزاً لحق شعوب تلك المناطق في إدارة شؤونها العامة وفق معطياتها الموضوعية وإرادتها الذاتية.
إن الشعب الكوردي في سوريا، والعراق، وتركيا، وإيران، يعيش ضمن أنظمة سياسية وقانونية مختلفة، ويواجه تحديات متباينة، كما يمتلك أولويات قومية وسياسية مرتبطة بواقعه المباشر وظروفه الخاصة. وعليه، فإن احترام خصوصية كل تجربة سياسية كوردية، وصون استقلالية القرار السياسي في كل جزء من أجزاء كوردستان، يعد ضرورة وطنية وسياسية وأخلاقية، وليس مجرد خيار مرحلي أو ظرفي.
إننا نؤكد بوضوح أن وحدة الشعب الكوردي، بوصفها هدفاً قومياً مشروعاً، لا تعني فرض أي شكل من أشكال الوصاية السياسية بين أجزاء كوردستان، ولا تبرر التدخل في الشؤون الداخلية لأي تجربة سياسية قائمة. فالوحدة الحقيقية لا تقوم على الإملاءات أو التوجيهات، بل على أساس الاحترام المتبادل، والتضامن الحر، والتنسيق الطوعي القائم على الإرادة المشتركة.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإننا نؤكد رفضنا لأي شكل من أشكال التدخل في شؤوننا الداخلية، تحت أي مسمى أو من أي جهة كانت، سواء جاء ذلك في صيغة توصيات، أو توجيهات، أو مواقف سياسية لا تنبع من الإرادة الحرة لشعبنا ومؤسساته السياسية والاجتماعية. إن القرار السياسي المتعلق بمستقبل الكورد في كوردستان سوريا يجب أن يكون قراراً مستقلاً، نابعاً حصراً من إرادة شعبها وقواها السياسية، التي تتحمل مسؤولية واقعها وتدرك طبيعة تحدياتها وتعقيدات المرحلة.
كما نؤكد أن علاقات الأخوة والتضامن بين أبناء الشعب الكوردي في جميع أجزاء كوردستان يجب أن تقوم على أساس الاحترام المتبادل، والدعم المعنوي والسياسي المتوازن، دون أن يتحول هذا التضامن إلى شكل من أشكال الوصاية أو التدخل في الشؤون الداخلية لأي جزء. فالتضامن القومي الحقيقي يعزز الاستقلالية ولا ينتقص منها، ويقوم على الشراكة لا على التبعية.
إن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً سياسياً مسؤولاً، وإدراكاً عميقاً بأن قوة الشعب الكوردي تكمن في احترام تنوع تجاربه السياسية، وفي حماية استقلالية قراره في كل جزء، وفي بناء علاقات قائمة على التعاون الحر والتكامل الطوعي، لا على الإملاء أو فرض الإرادات السياسية.
ختاماً، نؤكد أن نضال الشعب الكوردي، في جميع أجزاء كوردستان، سيبقى نضالاً مشروعاً من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وأن شرعية أي مشروع سياسي لا يمكن أن تستمد إلا من إرادة الشعوب المحلية ذاتها، لا من قرارات أو تصورات مفروضة من خارجها. إن احترام إرادة الشعوب وصون استقلالية قرارها السياسي يمثلان الأساس الحقيقي لأي مستقبل عادل ومستقر.
20 شباط 2026
د. عدنان بوزان