إلى القيادات الكوردية في كوردستان إيران
إن الشعوب التي لا تقرأ لحظاتها التاريخية بدقة، تدفَع، دون أن تدري، لتكون أدواتٍ في كتابة تاريخ الآخرين، لا تاريخها. وإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أمةٌ تناضل من أجل وجودها وحقوقها ليس القمع المباشر فحسب، بل الانخراط في صراعاتٍ لا تنبع من أولوياتها، ولا تخدم مشروعها القومي، بل تفرَض عليها ضمن توازناتٍ أكبر منها، وتدار وفق إراداتٍ لا تمثل مصالحها الحقيقية.
إن المرحلة التي تمر بها المنطقة اليوم ليست مجرد أزمةٍ سياسيةٍ عابرة، بل هي لحظة إعادة تشكلٍ تاريخي، تتصارع فيها القوى الكبرى على رسم خرائط النفوذ، وتحديد ملامح النظام الإقليمي القادم. وفي مثل هذه اللحظات، تتحول الجغرافيا الكوردية، مرةً أخرى، إلى موقعٍ حساس في حسابات القوى الدولية، لا بوصفها وطناً لشعبٍ يستحق الحرية وتقرير مصيره، بل بوصفها موقعاً استراتيجياً ضمن معادلات النفوذ وتوازنات القوة.
ومن هنا، يصبح من الضروري التأكيد على حقيقةٍ لا تقبل الالتباس: إن الصراعات الدولية والإقليمية الدائرة اليوم، بما فيها المواجهات المرتبطة بإيران، لا تنطلق من أجل القضية الكوردية، ولا تهدف إلى تحقيق الحقوق القومية للشعب الكوردي، بل هي صراعات إراداتٍ كبرى، تدار وفق منطق المصلحة والقوة، لا وفق منطق العدالة والحقوق التاريخية للشعوب.
لقد علمنا التاريخ الكوردي، عبر تجاربه المريرة والمتكررة، أن القوى الكبرى، مهما بدت قريبةً أو داعمة، لا تنظر إلى الكورد بوصفهم شركاء استراتيجيين دائمين، بل بوصفهم حلفاء مؤقتين تفرضهم ظروف مرحلية. وعندما تتغير المصالح، تتغير معها المواقف، دون اعتبارٍ لحجم التضحيات التي قدمت، أو للوعود التي أُطلقت. وهذه الحقيقة ليست استنتاجاً نظرياً، بل هي خلاصة تجربة تاريخية طويلة، دفع الشعب الكوردي ثمنها من دمه، واستقراره، ومستقبل أجياله.
لقد شكلت تجربة كوردستان سوريا مثالاً واضحاً على هذه الحقيقة. فقد انخرط الكورد هناك في واحدة من أعقد الصراعات في تاريخ المنطقة الحديث، ضمن سياقاتٍ دولية معقدة، وتحت مظلة تحالفاتٍ كبرى، وبوعودٍ قدمت بوصفها مدخلاً نحو الاعتراف وضمان الحقوق. وقد أثبت الكورد، مرةً أخرى، قدرتهم على الصمود والتضحية. لكن، عندما تبدلت الحسابات الدولية، وتغيرت أولويات القوى المؤثرة، تراجعت الالتزامات، وتغيرت المعادلات، ووجد الكورد أنفسهم أمام واقعٍ لا يعكس حجم تضحياتهم، ولا يضمن تحقيق حقوقهم القومية بصورةٍ عادلة ومستقرة.
إن هذه التجربة لا يجب أن تقرأ بوصفها حدثاً عابراً، بل بوصفها درساً استراتيجياً عميقاً، يكشف طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى والشعوب التي لا تمتلك أدوات القوة السيادية المستقلة. لقد أثبتت هذه التجربة أن التعويل على الإرادة الخارجية، دون امتلاك مشروعٍ قوميٍ مستقل يستند إلى القوة الذاتية والقرار الحر، يعرض الشعوب لخطر التحول إلى أدواتٍ مرحلية ضمن صراعات الآخرين.
وانطلاقاً من هذا الفهم التاريخي، فإن مسؤوليتكم، بوصفكم قياداتٍ سياسية تمثلون جزءاً من إرادة هذا الشعب، تتجاوز حدود القرار السياسي الآني، لتصبح مسؤوليةً تاريخية تتعلق بمصير أمةٍ بأكملها. وإن أي انخراطٍ غير محسوب في صراعاتٍ إقليمية أو دولية لا تخدم بصورةٍ مباشرة وواضحة المشروع القومي الكوردي، يحمل مخاطر استراتيجية قد تمتد آثارها إلى المستقبل البعيد.
إن الشعب الكوردي في كوردستان إيران ليس طرفاً في صراعات القوى الكبرى، ولا يجب أن يتحول إلى أداةٍ ضمن معارك لا تنبع من إرادته، ولا تخدم مستقبله القومي. وإن الأولوية التاريخية في هذه المرحلة يجب أن تتمثل في حماية الوجود القومي، وتعزيز الوعي السياسي، وبناء مشروعٍ قوميٍ مستقل يستند إلى إرادة الشعب الكوردي وإمكاناته الذاتية، لا إلى رهاناتٍ خارجيةٍ غير مضمونة.
إن الأمم التي نجحت في تحقيق حريتها لم تفعل ذلك عبر الارتهان لإرادات الآخرين، بل عبر بناء قوتها الذاتية، وتعزيز وحدتها الداخلية، وترسيخ استقلال قرارها السياسي. وإن الشعب الكوردي، الذي صمد عبر قرونٍ من الإقصاء والتهميش، يمتلك القدرة على أن يرسم مستقبله، إذا ما امتلك وضوح الرؤية، واستقلال الإرادة، والوعي الاستراتيجي.
إن المرحلة الراهنة ليست مرحلة اندفاع، بل مرحلة وعي تاريخي. وليست مرحلة الانخراط في صراعات الآخرين، بل مرحلة حماية الذات القومية من الاستنزاف. وليست مرحلة الشعارات، بل مرحلة بناء الأسس الواقعية لمشروعٍ قوميٍ قادرٍ على الصمود والاستمرار.
إن مسؤوليتكم اليوم ليست فقط أمام الواقع السياسي الراهن، بل أمام التاريخ، وأمام الأجيال القادمة. وإن القرارات التي تتخذ في هذه اللحظة ستسهم في تحديد معالم المستقبل، وحدود الممكن، ومجال الحرية الذي سيملكه شعبنا.
إن التاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، لكنه ينصف من يمتلك الشجاعة لتجنبها، والحكمة لحماية شعبه من الانجرار إلى صراعاتٍ لا تخدم مستقبله.
إن أعظم انتصار يمكن تحقيقه في هذه المرحلة ليس الانخراط في حرب، بل حماية الشعب. وليس الارتهان للوعود، بل ترسيخ القدرة على تقرير المصير بشكلٍ مستقل. وليس الاندفاع نحو المجهول، بل بناء مستقبلٍ قائمٍ على الوعي، والاستقلال، والإرادة الحرة.
إنها لحظة مسؤوليةٍ تاريخية، لا تحتمل الخطأ، ولا تسمح بتكرار مآسي الماضي.
فليكن معيار القرار هو بقاء الشعب، وكرامته، ومستقبله.
المجد لشعبنا الكوردي
والبقاء لإرادته الحرة
والمستقبل لمن يحمي وجوده، لا لمن يغامر به.
د. عدنان بوزان