بقلم: د. عدنان بوزان
حين نحاول إعادة التفكير في ولادة الإنسان، لا بوصفها حادثة بيولوجية فحسب، بل بوصفها واقعة كونية متشابكة، فإننا نصطدم بحقيقة أكثر اضطراباً من كل السرديات الجاهزة: لم يولد الإنسان من انسجام، بل من صدع. من لحظة نادرة التقت فيها قسوة اليابسة الأولى، بعد انحسار الماء، مع أول اختراق للضوء نحو سطحٍ لم يكن قد استقر بعد على معنى.
هناك، في تلك اللحظة الغامضة، لم تكن الأرض قد اختارت شكلها النهائي، ولا كانت السماء قد استقرت على فيضها أو امتناعها. كانت اليابسة جرحاً مفتوحاً في جسد المحيط، وكان الضوء لا يبدو نعمةً خالصة، بل قوة اقتحام. ومن هذا التوتر، ومن ذلك التعارض بين الانكشاف والاحتباس، تشكل الإنسان.
يمكن القول إن الإنسان لم يخلق من طمأنينة، بل من صراعٍ أولي بين عنصرين: الضوء بوصفه انكشافاً، والتراب الرطب بوصفه مقاومة. فالضوء، في جوهره، ليس مجرد إشعاع، بل هو وعي أولي، وإمكان للرؤية، وبداية لكل إدراك. أما الرطوبة، فهي الذاكرة البدائية للأرض، بقايا الفوضى الأولى، حيث لم تتمايز الأشياء بعد، وحيث كان كل شيء لا يزال قابلاً لأن يكون شيئاً آخر.
من هذا المنظور، لا يعود “الروح” شيئاً متعالياً منفصلاً، بل هو أثر الضوء حين يصطدم بالمادة. وكأن ما نسميه روحاً ليس إلا ذلك الارتجاج الداخلي الذي يحدث عندما تحاول المادة أن تفهم نفسها عبر النور. أما الجسد، فهو ليس استقراراً، بل هو احتفاظٌ دائم بقلق الطين؛ برطوبته، وتردده بين التشكل والانهيار.
ولهذا، فإن طبيعة الإنسان ليست ثابتة، ولا يمكن أن تكون كذلك. إنه كائن يحمل في داخله ذلك التناقض الأول: انفتاح الضوء وانغلاق الطين. وفي كل لحظة يعاد خلقه، لا لأنه يتغير فحسب، بل لأنه لم يكتمل أصلاً. فكل فكرة تخطر له، وكل شعور يمر به، ليس إلا إعادة ترتيب لتلك المعادلة القديمة بين النور والرطوبة.
ومن هنا ينبثق التفاوت بين البشر. ليس لأنهم مختلفون بالمعنى الاجتماعي أو الثقافي فحسب، بل لأن كل واحد منهم يمثل صيغة مختلفة من ذلك التوتر البدئي. هناك من يغلب عليه الضوء، فيميل إلى الصفاء والرؤية، وإلى ما نسميه “الخير”. وهناك من تثقله رطوبة الطين، فينحاز إلى العتمة والالتباس، وإلى ما نسميه “الشر”. لكن الحقيقة الأعمق هي أن هذا التقسيم نفسه وهمٌ جزئي، لأن الإنسان الواحد يحمل الاثنين معاً في لحظة واحدة، وفي نفسٍ واحد.
فالخير والشر، إذن، ليسا قوى خارجية تتنازع الإنسان، بل هما تعبيران مختلفان عن حالته الأصلية غير المكتملة. فالخير هو حين ينجح الضوء في تنظيم الفوضى، والشر هو حين تعود الفوضى لتبتلع الضوء. وبين هذين الحدين، يعيش الإنسان في حالة تذبذب دائم، لا يستقر على حال، لأنه لم يخلق ليكون مستقراً.
إن قلق الإنسان واضطرابه وتناقضه ليست عيوباً طارئة، بل هي جوهره نفسه. فهو ليس كائناً سقط من كمالٍ سابق، بل كائن ولد من نقصٍ مستمر. ولذلك لا يتوقف عن البحث، ولا يكف عن التبدل، ولا يستطيع أن يكون نسخة نهائية من نفسه.
في النتيجة، الإنسان ليس ابن الأرض وحدها، ولا ابن السماء وحدها، بل هو الحد الفاصل بينهما؛ ذلك الكائن الذي ولد من لحظة تصادم، وسيبقى يحمل في داخله صدى تلك اللحظة إلى الأبد.