من الخذلان الأميركي إلى المأزق الكوردي: تفكيك لحظة الانكشاف السياسي
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 3071
بقلم: د. عدنان بوزان
في لحظةٍ سياسيةٍ كاشفة، لم تعد فيها الأقنعة قادرة على الصمود، يتبدى الموقف الأميركي بوصفه خلاصة منطقٍ طويل من البراغماتية الفجة، منطقٍ لا تحكمه القيم ولا التحالفات ولا الخطاب الأخلاقي الذي طالما روجت له واشنطن، بل ميزان المصالح المتقلب وحده. فما صدر على لسان توم باراك، سواء في صيغته المباشرة أو في دلالاته الضمنية، لا يمكن قراءته إلا بوصفه إعلاناً متأخراً عن حقيقة بنيوية في السياسة الأميركية: الولايات المتحدة لا تنظر إلى الكورد كشريك استراتيجي طويل الأمد، بل كأداةٍ وظيفية مؤقتة، تستَخدم في لحظة الحاجة، ثم يتخلى عنها عند أول تبدل في المعادلات الإقليمية والدولية.
هذا الانكشاف لا يشكل قطيعة مع الماضي بقدر ما يعيد تأكيده. فالتجربة الكوردية مع واشنطن، من العراق إلى سوريا، تكشف نمطاً متكرراً من الوعود المؤجلة والدعم المشروط، حيث تستثمر التضحيات الكوردية في حروب الآخرين، دون أن تترجم لاحقاً إلى حقوقٍ سياسيةٍ راسخة أو ضماناتٍ دستوريةٍ ملزمة. وعليه، فإن ما يطرح اليوم لا يمثل مفاجأةً تاريخية، بقدر ما يشكل صدمةً نفسيةً وسياسية ناتجة عن تأخر الاعتراف بهذه الحقيقة.
إن الحديث عن «انتهاء دور» قوات سوريا الديمقراطية، والدعوة إلى تفكيكها ودمج عناصرها بشكلٍ فردي داخل مؤسسةٍ عسكرية تابعة لسلطة دمشق، لا يمكن فهمه كخيارٍ إداري أو أمني محض، بل كقرارٍ سياسي بالغ الخطورة. فهذا الطرح لا يعني فقط حل تشكيلٍ عسكري، بل تصفية تجربةٍ سياسيةٍ كاملة نشأت في سياق الحرب على تنظيم داعش، وتشكلت عبر تضحيات جسيمة قدمت باسم الدفاع عن الإنسانية جمعاء. إن تفكيك قسد بهذه الصيغة يمثل شطباً للذاكرة الجماعية، وإلغاءً لمعنى الشهادة، وتحويل الدم الكوردي إلى تفصيلٍ عابر في سردية لا يكتبها أصحابها.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار لا يطرح ضمن مشروعٍ وطني سوري جامع، يعيد تعريف الدولة على أسسٍ ديمقراطية تعددية، بل يقدم للكورد بوصفه «تسوية ممكنة» أو «تنازلاً سخياً» من سلطةٍ لم تعترف يوماً بالكورد كشعبٍ ذي حقوقٍ سياسيةٍ جماعية. فالحقوق هنا لا تصاغ بوصفها استحقاقاً دستورياً، بل تمنح كهبةٍ مشروطة، قابلة للتأويل والسحب، وفقاً لموازين القوة. وهذه الصيغة، في جوهرها، ليست سوى إعادة إنتاج للاستبداد المركزي، مع تغييرٍ في اللغة لا في البنية.
في هذا السياق، تتجلى المأساة الكوردية بأوضح صورها: شعب وضع في الصفوف الأمامية لأشرس معركة ضد تنظيمٍ إرهابي عابر للحدود، قدم بوصفه رأس الحربة في الحرب العالمية على داعش، ثم طلب منه لاحقاً أن ينسى كل شيء، وأن يقبل بالعودة إلى الهامش السياسي، بلا ضمانات، وبلا اعتراف، وبلا أي مساءلة أخلاقية أو قانونية عن مصير آلاف الشهداء الذين سقطوا من منبج إلى الرقة ودير الزور وصولاً إلى الباغوز. وكأن تلك الدماء لم تكن سوى «تكلفة تشغيل» في مشروعٍ عسكري انتهى دوره بانتهاء الحاجة إليه.
غير أن النقد السياسي الجاد لا يكتمل إذا اقتصر على إدانة الخارج، متجاهلاً مسؤولية الداخل. فخيارات حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ومنظومته السياسية لعبت دوراً مركزياً في إيصال القضية الكوردية في سوريا إلى هذا المأزق. إن الارتهان شبه المطلق للولايات المتحدة، والتعامل معها بوصفها ضامناً دائماً لا شريكاً ظرفياً، أضعف القدرة على بناء استراتيجيةٍ سياسيةٍ مستقلة، وجرد الحركة الكوردية من أدوات المناورة. لقد جرى استبدال السياسة بالأمن، والتحالفات الوطنية السورية بترتيباتٍ عسكريةٍ عابرة، فتحولت القوة المسلحة من وسيلةٍ لحماية المشروع السياسي إلى عبءٍ يفاوض الآخرون باسمه ومن دون أصحابه.
كما أن غياب التعددية الكوردية الحقيقية، وتهميش القوى السياسية الأخرى، وإغلاق المجال أمام نقدٍ داخلي جاد، أسهم في تعميق العزلة السياسية، وجعل القرار الكوردي أسير دائرةٍ ضيقة من الحسابات الحزبية، لا لمصلحةٍ وطنيةٍ كورديةٍ جامعة. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج هذا المسار: حين تختزل قضية شعبٍ كامل في تنظيمٍ واحد، يصبح مصير الشعب رهينةً لمصير ذلك التنظيم وخياراته.
إن الكارثة الحقيقية، إذاً، لا تكمن فقط في خذلان واشنطن، بل في ضياع البوصلة الكوردية بين وهم الحماية الدولية واستحالة الاندماج القسري في دولةٍ مركزية لم تجرِ أي مراجعةٍ جذرية لبنيتها أو تاريخها مع الكورد. فالدعوة إلى الذوبان الفردي داخل جيش السلطة، تحت شعارات «الوحدة الوطنية» و«السيادة»، تعني عملياً تفكيك آخر ما تبقى من قوةٍ تفاوضية للكورد، وتحويلهم من فاعلٍ سياسي إلى جماعةٍ مدارة، تستخدم عند الضرورة وتقصى عند انتفاء الحاجة.
في المحصلة، نحن أمام مشهدٍ بالغ القسوة: دماء أُهدرت باسم الحرب على الإرهاب، مشروع سياسي لم يحصن باستقلالية القرار، وقوة دولية تدير المنطقة بمنطق رقعة الشطرنج، حيث تضحى القطع الصغيرة دون تردد. إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بالإنكار ولا بالخطاب العاطفي، بل بمراجعةٍ كورديةٍ شجاعةٍ وعميقة، تعيد الاعتبار للسياسة بوصفها فعلاً مستقلاً، وللشراكة الوطنية الحقيقية، وللوحدة الكوردية القائمة على التعدد لا الإقصاء. وإلا فإن ما جرى لن يكون خاتمة المأساة، بل مقدمة لفصلٍ أشد إيلاماً في تاريخ الخذلان المستمر.