بقلم: د. عدنان بوزان
لسنا ممن يرمون الكلام جزافاً، ولا ممن يستيقظون متأخرين ليصرخوا بعد فوات الأوان. ما نكتبه اليوم قيل بالأمس، وحذر منه مراراً، لكن أحداً لم يصغِ، أو لعل كثيرين اختاروا ألا يسمعوا. اليوم وصلنا إلى لحظة لم يعد للكلام فيها وزن، ومع ذلك نكتب، لا لأننا نؤمن بجدواه، بل لأن الصمت في هذه المرحلة شراكة صريحة في الجريمة السياسية.
ما جرى في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود ليس حادثاً أمنياً عابراً، ولا خطأً تكتيكياً يمكن تبريره بذرائع التعقيد والظرف الاستثنائي. ما جرى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التفريط، بدأت بعفرين، وتمر اليوم بهذين الحيين، وغداً—دون أدنى شك—ستطال شرق الفرات. من يعتقد أن النزيف سيتوقف هنا إما واهم سياسياً، أو شريك في صناعة الوهم.
التاريخ القريب لا يحتاج إلى عبقرية لقراءته: من فرط بالكورد في عفرين فرط بهم اليوم، وسيفرط بهم غداً ما لم تطرح الأسئلة الصعبة وتحاسب الخيارات. السقوط لا يحدث فجأة؛ إنه نتيجة تراكم تنازلات صغيرة تغلف بخطاب كبير عن الحكمة والضرورة وتجنب الأسوأ. هكذا يدار الخراب دائماً.
السؤال الذي يتهرب كثيرون من مواجهته هو: ما وظيفة قوات سوريا الديمقراطية فعلاً؟ هل وجدت لحماية الشعب، أم لحراسة الجغرافيا بوصفها مخزن ثروات ونفط؟ الوقائع على الأرض تقول ما يناقض الخطاب. أي حماية هذه التي تقاس بإخلاء أحياء كوردية وترك أهلها تحت الضغط والتهديد والذبح والتشريد؟ وأي مشروع تحرري ذاك الذي يقدم الأرض على الإنسان، والموارد على الكرامة والوجود؟
ما حدث ليس انسحاباً تقنياً ولا إعادة تموضع اضطرارية، بل قرار سياسي كامل الأركان، جرى تمريره عبر الخداع والتضليل. خدع الناس حين قيل لهم إن التخلي مؤقت، وإن البديل أكثر أماناً، وإن الضرورة تفرض الصمت. هكذا تبدأ الكارثة دائماً: بوعد صغير، وكذبة مرحلية، وخطاب تخويف من المجهول الأكبر.
الأخطر من ذلك كله هو الوهم المتكرر بأن التحالف مع الولايات المتحدة يشكل ضمانة. هذه ليست قراءة سياسية، بل حالة إنكار. الولايات المتحدة لا تحمي شعوباً ولا مشاريع ديمقراطية، بل تحمي مصالحها الاستراتيجية فقط. من يعتقد أن واشنطن ستدافع عن حيّ كوردي أو عن وجود شعبي، لم يتعلم شيئاً من تجارب العقود الماضية. هي تحمي النفط، الممرات، وخرائط النفوذ، وعندما تنتهي الحاجة تغلق الملف بلا تردد.
أي تحالف لا يقوم على توازن مصالح حقيقي، بل على تبعية سياسية، هو وصفة جاهزة للخيانة المؤجلة. كل من راهن على القوة الأمريكية وحدها انتهى إما ضحية أو ورقة محترقة. والسؤال ليس هل سيقع التخلي، بل متى، وكيف، وعلى حساب من.
نكتب اليوم لا بدافع التحريض، بل بدافع المسؤولية. لأن ما يجري ليس خلافاً إدارياً ولا سوء تقدير عابراً، بل مسار كامل يقود إلى تفريغ القضية الكوردية من مضمونها السياسي، وتحويلها إلى وظيفة أمنية لحراسة الثروة بدل حماية الوجود.
من لا يملك الجرأة على قول الحقيقة اليوم سيتحول غداً إلى شاهد زور. ومن يبرر التفريط بحجج الواقعية سيجد نفسه لاحقاً يبرر السقوط الكامل باسم العقلانية. ما ضاع في عفرين لم يكن حادثاً عابراً، وما يحدث اليوم ليس استثناءً، وما ينتظر شرق الفرات ليس لغزاً.
نقولها بوضوح ودون مواربة: الطريق الذي يسلك اليوم يقود إلى كارثة جديدة، والصمت عنه ليس حياداً، بل مشاركة كاملة. التاريخ لا يرحم، والشعوب لا تخدع إلى الأبد، وكل من اختار التفريط مرة سيحاسبه الناس حين تسقط آخر أوراق التبرير.