العراق بين السيادة المقيدة والضغط الأمريكي: قراءة في دلالات التهديد بالعقوبات
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 1058
بقلم: د. عدنان بوزان
إن الرسائل الأمريكية التي تحمل في طياتها تهديداً بفرض عقوبات على العراق في حال تكليف نوري المالكي برئاسة الحكومة لا يمكن قراءتها ضمن سياق دبلوماسي تقليدي أو بوصفها مجرد موقف سياسي عابر، بل ينبغي فهمها باعتبارها تعبيراً مكثفاً عن طبيعة العلاقة البنيوية التي تشكلت بين واشنطن وبغداد منذ عام 2003. هذه العلاقة لم تبنَ على أساس الندية السيادية الكاملة، بقدر ما نشأت ضمن إطار إعادة تشكيل الدولة العراقية نفسها وفق معايير النظام الجيوسياسي الذي تبلور بعد الاحتلال الأمريكي. فالولايات المتحدة لم تغادر العراق بالمعنى الاستراتيجي الشامل، بل أعادت تعريف أدوات حضورها، منتقلة من الاحتلال العسكري المباشر إلى أنماط أكثر تعقيداً من النفوذ غير المباشر، عبر أدوات الاقتصاد، والعقوبات، والتأثير السياسي، والهيمنة على مفاصل النظام المالي العالمي الذي يعتمد عليه العراق بدرجة كبيرة في استقراره النقدي والاقتصادي.
إن التهديد بالعقوبات، في هذا الإطار، لا يتعلق بشخص المالكي بوصفه فرداً بقدر ما يرتبط بما يمثله من تجربة سياسية ارتبطت بمحاولات إعادة تعريف مفهوم السيادة العراقية خارج الإطار الذي رسمته واشنطن بعد عام 2003. لقد مثل المالكي، خلال مرحلة من حكمه، نموذجاً لزعيم سعى إلى إعادة تركيز السلطة داخل الدولة العراقية وتعزيز قدرة المؤسسات الوطنية على اتخاذ القرار، وهو توجه وضعه في موقع تناقض مع الرؤية الأمريكية التي تنظر إلى العراق بوصفه جزءاً من منظومة التوازن الإقليمي، وليس كياناً مستقلاً بالكامل خارج شبكة التأثير الدولية. ومن هذا المنظور، فإن مجرد احتمال عودته إلى السلطة قد ينظر إليه في واشنطن بوصفه عاملاً قد يعيد فتح المجال أمام سياسات عراقية أكثر استقلالية، وهو ما يفسر جانباً من الحساسية الأمريكية تجاه هذا الاحتمال.
وفي هذا السياق، يكتسب حديث المالكي عن أبو محمد الجولاني دلالة تتجاوز كونه تصريحاً سياسياً عادياً، لأنه يعيد التذكير بتاريخ معقد من الصراع المسلح والتحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين. فالجولاني، الذي ارتبط اسمه في مراحل سابقة بتنظيمات مسلحة كانت في مواجهة مباشرة مع القوات الأمريكية في العراق، يمثل مثالاً واضحاً على التحولات التي فرضتها الجغرافيا السياسية، حيث تتحول بعض الشخصيات والكيانات من موقع المواجهة المباشرة إلى موقع الفاعل الذي يتم التعامل معه ضمن واقع سياسي جديد. إن إعادة التذكير بهذه الوقائع لا تقتصر على بعدها التاريخي، بل تلامس أيضاً البعد السياسي الراهن، لأنها تثير تساؤلات حول طبيعة التحولات في أولويات السياسة الدولية، وحول كيفية انتقال بعض الفاعلين من خانة التهديد الأمني إلى خانة الواقع السياسي الذي يدار ضمن توازنات معقدة.
إن الحساسية الأمريكية تجاه هذا النوع من الخطاب لا ترتبط بالضرورة بالدفاع عن أشخاص أو كيانات بعينها، بل تنبع من الحرص على الحفاظ على توازنات إقليمية دقيقة، ومنع ظهور روايات سياسية قد تضعف شرعية الترتيبات التي نشأت بعد سنوات طويلة من الصراع العسكري والتدخل الدولي. فالسياسة الأمريكية في المنطقة لا تدار وفق ثوابت جامدة، بل وفق منطق براغماتي يهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النسبي الذي يضمن استمرار النفوذ الأمريكي ويمنع تشكل فراغات استراتيجية يمكن أن تملأها قوى منافسة.
ويكتسب العراق أهمية خاصة في هذا السياق بسبب موقعه الجغرافي الذي يجعله نقطة تقاطع حيوية بين إيران وسوريا وتركيا ودول الخليج، وهو موقع يمنحه وزناً استراتيجياً يتجاوز حدوده الوطنية. إن أي تحول في بنيته السياسية الداخلية ينعكس بشكل مباشر على مجمل التوازن الإقليمي، الأمر الذي يجعل استقراره واتجاهاته السياسية موضع اهتمام دائم من قبل القوى الدولية. ومن هذا المنظور، فإن التهديد بالعقوبات يحمل رسالة ضمنية مفادها أن الخيارات السياسية الداخلية في العراق لا تنفصل بالكامل عن البيئة الدولية، وأن السيادة، رغم كونها مبدأ قانونياً راسخاً، تبقى في الواقع العملي مرتبطة بتوازنات القوة والنفوذ.
إن التحول من أدوات القوة العسكرية المباشرة إلى أدوات الضغط الاقتصادي يعكس تطوراً في طبيعة ممارسة النفوذ في النظام الدولي المعاصر. فلم يعد الوجود العسكري الواسع ضرورياً لضمان التأثير، بل أصبح التحكم في أدوات الاقتصاد العالمي، وفي النظام المالي، وفي شبكات العلاقات الدولية، كافياً لممارسة نفوذ فعال على قرارات الدول. وفي هذا الإطار، تصبح العقوبات أداة ذات تأثير مزدوج، فهي تضغط على الاقتصاد من جهة، وتؤثر في حسابات النخب السياسية من جهة أخرى، لأنها تعيد صياغة كلفة الخيارات السياسية وحدودها.
إن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في كونه صراعاً بين شخصيات سياسية أو خلافاً دبلوماسياً عابراً، بل هو انعكاس لصراع أعمق يتعلق بتحديد موقع العراق ضمن النظام الإقليمي والدولي. فالسؤال الجوهري الذي تطرحه هذه التطورات لا يتعلق فقط بمن سيتولى رئاسة الحكومة، بل يتعلق بمدى قدرة العراق على توسيع هامش استقلاله السياسي ضمن بيئة دولية معقدة تحكمها توازنات القوة والمصالح. إن قدرة الولايات المتحدة على التأثير في مسار السياسة العراقية كانت، ولا تزال، جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على شبكة التوازنات التي نشأت في الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين.
وفي ضوء ذلك، تصبح الرسائل التهديدية، سواء أُعلنت بشكل مباشر أو غير مباشر، وسيلة لتذكير الفاعلين السياسيين بالقيود الواقعية التي تحكم حركة الدول ضمن النظام الدولي. إن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يتقاطع العامل الداخلي مع الضغوط الخارجية، وحيث يصبح تشكيل الحكومة ليس مجرد إجراء دستوري، بل حدثاً ذا أبعاد استراتيجية يعكس طبيعة الصراع الأوسع على النفوذ، وعلى إعادة تعريف موازين القوة في المنطقة، وعلى مستقبل السيادة العراقية نفسها في عالم لا يزال تحكمه معادلات القوة بقدر ما تحكمه قواعد القانون.