القضية الكوردية بين الاتفاقات الدولية ومنطق الإقصاء التاريخي
- Super User
- البحوث والدراسات
- الزيارات: 5045
بقلم: د. عدنان بوزان
مقدمة:
لا يمكن مقاربة الوضع الكوردي الراهن – في سوريا وتركيا والعراق وإيران – بوصفه انعكاساً لأحداثٍ سياسية آنية، أو نتيجة أخطاء تكتيكية ارتكبت في لحظات تاريخية محددة، أو حتى باعتباره فشلاً ذاتياً في إدارة الصراع. فمثل هذا التفسير السطحي لا يفسر حجم الاستمرارية في المأساة، ولا يجيب عن سؤال جوهري: لماذا تتكرر الخيبة الكوردية كلما اقتربت من أفق الاعتراف؟
إن الإجابة تكمن في بنية أعمق وأكثر تعقيداً، تتصل بطبيعة النظامين الإقليمي والدولي، وبالطريقة التي جرى من خلالها التعامل مع القضية الكوردية منذ مطلع القرن العشرين باعتبارها قضية قابلة للتأجيل، والمساومة، والإلغاء متى ما اقتضت مصالح القوى المهيمنة ذلك.
فالكورد، خلافاً لما تحاول بعض السرديات الرسمية الترويج له، لم يكونوا يوماً شعباً بلا تاريخ أو بلا أرض أو بلا دور. كانوا، ولا يزالون، أحد أقدم شعوب المنطقة، متجذرين في جغرافيتها، مساهمين في تشكيل تاريخها السياسي والعسكري والثقافي. غير أن المفارقة القاسية تكمن في أنهم، رغم هذا الحضور العميق، كانوا غائبين عمداً عن طاولات القرار الدولي. لم يكن غيابهم صدفة، ولا نتيجة ضعف تمثيل عابر، بل كان نتاج قرار سياسي واعٍ يقضي بتهميشهم كي لا تتحول قضيتهم إلى عقدة تعيق إعادة رسم خرائط النفوذ بعد انهيار الإمبراطوريات القديمة.
منذ اللحظة التي بدأت فيها القوى الاستعمارية ترسم حدود الشرق الأوسط الحديث، جرى التعامل مع الكورد بوصفهم تفصيلاً يمكن تجاوزه، أو كتلة بشرية يمكن توزيعها على دولٍ عدة دون الاعتراف بحقوقها القومية. وهكذا، تحولت الجغرافيا الكوردية إلى مساحة مفتوحة للتجارب السياسية، تقسم حيناً، وتدمج قسراً حيناً آخر، وتخضع لمنطق الأمن القومي للدول الناشئة بدل منطق حق الشعوب في تقرير مصيرها. ومع كل مرحلة تاريخية جديدة، كانت تتكرر المعادلة نفسها: وعد بالاعتراف، ثم تراجع، ثم قمع.
وكلما اقتربت لحظة الاعتراف – سواء عبر نصٍ دولي، أو تفاهم سياسي، أو تحالف عسكري – جاءت اتفاقية جديدة تفرغ ذلك الاعتراف من مضمونه، أو تلغيه صراحة، أو تستبدله بتفاهمات أمنية تقدم بوصفها حلولاً مؤقتة، بينما هي في جوهرها أدوات لإدارة الصراع لا لحله. في هذه السياقات، لم تكن الاتفاقات وسيلة لإنهاء المظلومية الكوردية، بل تحولت إلى آليات لإعادة إنتاجها بصيغ مختلفة، تغير اللغة لكنها تبقي الجوهر نفسه: الإنكار، أو الاحتواء، أو القمع.
إن ما يعيشه الكورد اليوم ليس أزمة عابرة مرتبطة بتحولات ما بعد 2011، ولا نتيجة صعود هذا النظام أو سقوط ذاك، بل هو حصيلة تاريخٍ تراكمي من الاتفاقات المفخخة التي صاغها الأقوياء، وفرضوها على شعوب لم تكن طرفاً حقيقياً في صناعتها. اتفاقات كتبت بلغة الدبلوماسية، لكنها نفذت بمنطق القوة؛ وقعت باسم الاستقرار، لكنها أنتجت دورات متلاحقة من العنف والتهجير والانقسام.
لقد دفع ثمن هذه الاتفاقات دماً كوردياً، وقرى مدمرة، ومدن مفرغة من سكانها، ونخب سياسية أُنهكت بين الرهان على الخارج والخوف من القمع الداخلي. ومع كل خيبة جديدة، كان يعاد إنتاج السؤال ذاته: هل المشكلة في الكورد أنفسهم، أم في البنية السياسية التي تحكم الإقليم والعالم؟
وهنا، يفرض التاريخ إجابته بوضوح: المشكلة لم تكن يوماً في غياب التضحيات الكوردية، بل في غياب الضمانات الدولية الحقيقية، وفي منطق المصالح الذي يرى في القضية الكوردية ورقة تفاوض لا قضية تحرر.
من هذا المنطلق، تأتي هذه الدراسة لتفكيك العلاقة العضوية بين الوضع الكوردي الراهن وسلسلة الاتفاقات الدولية والإقليمية التي شكلت مساره التاريخي. لا بوصفها أحداثاً منفصلة، بل كسلسلة مترابطة من السياسات التي أنتجت واقعاً مأزوماً ما زال يتجدد بأشكال مختلفة. ففهم الحاضر الكوردي يقتضي العودة إلى تلك اللحظات المفصلية التي رسم فيها المصير دون حضور أصحابه، وإلى تلك الاتفاقات التي كتبت على الورق، لكنها نقشت في الذاكرة الكوردية جراحاً مفتوحة لم تلتئم بعد.
أولاً: سايكس – بيكو (1916)… التأسيس الأول للإنكار
لا يمكن الحديث عن المأساة الكوردية الحديثة دون التوقف مطولاً عند اتفاقية سايكس – بيكو بوصفها اللحظة التأسيسية الأولى لمنطق الإنكار السياسي الممنهج بحق الكورد. فهذه الاتفاقية لم تكن مجرد ترتيبات استعمارية لتقاسم النفوذ بين بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط بعد أفول الدولة العثمانية، بل كانت – في جوهرها – إعادة هندسة قسرية للجغرافيا والهوية والسيادة، جرى فيها تجاهل شعبٍ كامل وكأنه غير موجود تاريخياً أو سياسياً.
لقد تعاملت سايكس – بيكو مع المنطقة بمنطق الخرائط الفارغة، حيث ترسم الحدود وفق مصالح القوى الكبرى لا وفق حقائق التاريخ أو الاجتماع السياسي. وفي هذا السياق، لم يكن الكورد حالة استثنائية جرى نسيانها عرضاً، بل كانوا ضحايا قرار واعٍ بالإقصاء. فشعب يمتد على رقعة جغرافية متصلة، وله تاريخ طويل من التنظيم الاجتماعي والقبلي، ومشاركة فاعلة في الصراعات العسكرية والسياسية للإمبراطورية العثمانية، جرى التعامل معه بوصفه تفصيلاً يمكن شطبه دون كلفة سياسية تذكر.
قسمت الجغرافيا الكوردية، بموجب المنطق الذي أسست له سايكس – بيكو، بين أربع دول ناشئة: تركيا، العراق، سوريا، وإيران، دون أي اعتبار لحق تقرير المصير، أو حتى لخصوصية هذا الشعب الثقافية والقومية. لم يطرح السؤال الكوردي في النقاشات الجوهرية، ولم يدرج كقضية مستقلة، بل جرى تفتيته ضمن ملفات أكبر تتعلق بـ “استقرار المنطقة” و”حماية المصالح الاستعمارية”. وهكذا، تحولت كوردستان من فضاء تاريخي– جغرافي متكامل إلى أطراف متنازعة داخل كيانات سياسية مصطنعة.
تكمن خطورة سايكس – بيكو في أنها لم تكتفِ بتقسيم الأرض، بل أسست لما يمكن تسميته بـ الفراغ السياسي الكوردي المصطنع. فالكورد، في هذه اللحظة المفصلية، لم يهزموا في حرب حتى يعاقَبوا، ولم يقدموا كقوة معادية حتى يقصوا، ولم يصنفوا كأقلية هامشية حتى يهملوا. على العكس، كانوا موجودين وفاعلين، لكن وجودهم لم يكن منسجماً مع معادلات القوة الجديدة. لذلك، جرى تجاهلهم لا لأنهم ضعفاء، بل لأن الاعتراف بهم كان سيربك مشروع إعادة تشكيل المنطقة وفق منطق الدولة القومية المركزية.
ومن هنا، بدأت المشكلة البنيوية التي ستلاحق القضية الكوردية طوال القرن العشرين وما بعده. فالكورد:
- لم يهزموا في حرب تبرر إقصاءهم أو تجريدهم من حقوقهم.
- لم يستشاروا في مصيرهم رغم أنهم كانوا أصحاب الأرض.
- لم يعترف بهم طرفاً سياسياً مستقلاً، بل جرى التعامل معهم ككتلة بشرية يمكن استيعابها قسراً داخل دول أخرى.
إن أخطر ما في سايكس – بيكو ليس فقط أنها تجاهلت الكورد، بل أنها شرعنت هذا التجاهل وجعلته أساساً قانونياً وسياسياً للنظام الإقليمي اللاحق. فالدول التي نشأت على أنقاض الإمبراطورية العثمانية ورثت هذا المنطق، وتعاملت مع الكورد بوصفهم مشكلة داخلية، لا قضية شعبٍ ذي حق تاريخي. وهكذا، انتقل الإنكار من مستوى دولي إلى مستوى دولتي، وتحول من قرار استعماري إلى سياسة سيادية.
لقد أنتجت سايكس – بيكو معادلة شديدة القسوة: شعب بلا دولة، مقسم بين دول ترى في وجوده تهديداً لوحدتها الوطنية. ومع مرور الوقت، تحول هذا التقسيم إلى أداة للضبط والسيطرة، حيث أصبح كل جزء من كوردستان رهينة حسابات الدولة التي ضم إليها، بينما غاب الإطار الكوردي الجامع عن أي اعتراف رسمي. وبهذا المعنى، يمكن القول إن سايكس – بيكو لم تكن نهاية مرحلة، بل بداية مسار طويل من الإقصاء، والتفتيت، والإنكار المنهجي.
إن فهم سايكس – بيكو بوصفها لحظة تأسيسية لا يعني تحميلها وحدها مسؤولية المأساة الكوردية، بل يعني إدراك أنها وضعت القاعدة التي بني عليها كل ما تلاها من معاهدات واتفاقات. فمن دون هذا الإقصاء الأول، ما كان لسياسات الإنكار اللاحقة – من لوزان إلى اتفاقيات الأمن الإقليمي – أن تجد أرضية صلبة تستند إليها. وهكذا، تصبح سايكس – بيكو النقطة التي بدأ عندها التاريخ الكوردي الحديث يكتب من دون الكورد، ويرسم مصيرهم بأقلام الآخرين، على خرائط لا تعترف بوجودهم إلا بوصفهم هامشاً يمكن تجاهله.
ثانياً: سيفر (1920)… الوعد الذي لم يرد له أن يولد
تمثل معاهدة سيفر لحظة مفصلية في التاريخ السياسي الحديث للقضية الكوردية، لا لأنها أنصفت الكورد فعلياً، بل لأنها كشفت بوضوح طبيعة العلاقة النفعية بين القوى الدولية وحقوق الشعوب. فقد جاءت سيفر، للمرة الأولى، باعترافٍ دولي – وإن كان نظرياً ومشروطاً – بحق الكورد في الحكم الذاتي، مع فتح احتمال الاستقلال في مرحلة لاحقة. غير أن هذا الاعتراف لم يكن ثمرة قناعة أخلاقية أو التزام قانوني بحق تقرير المصير، بل كان نتاج ظرف سياسي عابر فرضته لحظة ضعف الدولة العثمانية وتوازنات ما بعد الحرب العالمية الأولى.
في سياق تلك المرحلة، استخدمت القوى المنتصرة مبدأ “حقوق الأقليات” كسلاح تفاوضي، لا كمرجعية ثابتة. فحقوق الكورد، كما غيرها من قضايا الشعوب، أدرجت في نصوص المعاهدة بقدر ما كانت تخدم هدفاً محدداً: تفكيك ما تبقى من الدولة العثمانية، وإعادة تشكيل المجال الجيوسياسي بما يتوافق مع مصالح المنتصرين. لذلك، لم يكن إدراج القضية الكوردية في سيفر تعبيراً عن اعتراف حقيقي بوجود شعب ذي حقوق قومية، بل ورقة ضغط تستخدم عند الحاجة وتسحب متى تغيرت الظروف.
لقد احتوت معاهدة سيفر على مواد تشير بوضوح إلى إمكانية إنشاء كيان كوردي يتمتع بالحكم الذاتي، وربما الاستقلال، شريطة توافر ظروف لاحقة واستفتاءات محلية. غير أن هذه الصياغات، في جوهرها، كانت مفتوحة على التأجيل والتعطيل، ولم ترفق بأي آليات تنفيذية أو ضمانات دولية ملزمة. وهنا تتجلى إحدى أبرز سمات “الوعد السيفري”: وعد بلا أدوات، واعتراف بلا حماية، ونص بلا إرادة سياسية حقيقية لتطبيقه.
وحين تغيرت موازين القوى، تغير الخطاب بالكامل. فصعود الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال، وتحولها إلى قوة سياسية وعسكرية قادرة على فرض أمر واقع جديد، أعاد رسم أولويات القوى الكبرى. لم تعد حقوق الكورد – ولا حتى بنود سيفر نفسها – ذات أهمية تذكر أمام الحاجة إلى استقرار الدولة التركية الجديدة بوصفها شريكاً إقليمياً محتملاً. وهكذا، انتقل الكورد من موقع “الشعب الذي يوعد” إلى موقع “العقبة التي يجب تجاوزها”.
إن سيفر لم تلغ لأنها غير عادلة أو غير واقعية، بل لأنها لم تعد مفيدة. هذا هو جوهر المأساة. فالعدالة لم تكن معياراً حاكماً في السياسة الدولية، بل المصلحة والقوة. وعندما أصبحت سيفر عبئاً على الترتيبات الجديدة، جرى التخلي عنها بكل بساطة، دون أي مساءلة أخلاقية أو قانونية. ومع إلغائها، أُلغي عملياً أول اعتراف دولي بالقضية الكوردية، وأُعيد الكورد إلى نقطة الصفر، بل إلى ما هو أسوأ منها.
في هذا السياق، تحول الاعتراف بحق الكورد إلى حاشية منسية في وثيقة منسية، لا تستحضر إلا في النقاشات التاريخية أو في الخطاب الكوردي بوصفها “الفرصة الضائعة”. غير أن وصف سيفر بالفرصة الضائعة قد يكون مضللاً، لأنها – في حقيقتها – لم تكن فرصة حقيقية أصلاً. لقد كتب لهذا الاعتراف أن يولد ضعيفاً، وأن يدفن سريعاً، لأن الشروط التي أنتجته لم تكن نابعة من إرادة إنصاف، بل من لعبة توازنات مؤقتة.
والأخطر من ذلك أن تجربة سيفر أسست لنمطٍ سيتكرر لاحقاً في تاريخ القضية الكوردية: وعد دولي بلا ضمانات، يقدم في لحظة ضعف الخصم، ثم يسحب عند تغير المعادلات. هذا النمط سيظهر في اتفاقيات لاحقة، وفي بيانات الحكم الذاتي، وفي التفاهمات الإقليمية، حيث يستدعى الكورد كحليف ظرفي، ثم يهمشون فور انتهاء الحاجة إليهم.
من هنا، لا يمكن قراءة سيفر بوصفها مجرد محطة تاريخية عابرة، بل يجب فهمها كدرس سياسي بالغ القسوة. لقد علمت الكورد، وإن بثمنٍ باهظ، أن الاعتراف غير المحمي لا قيمة له، وأن النصوص الدولية التي لا تستند إلى إرادة سياسية ضامنة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى أوراق مهملة في أرشيف الدبلوماسية. وهكذا، أصبحت سيفر رمزاً لا لوعدٍ لم يتحقق فحسب، بل لوعدٍ لم يرد له أصلاً أن يتحقق، لأن ولادته نفسها كانت مشروطة بزمنٍ قصير، وبمصلحة لا تدوم.
ثالثاً: لوزان (1923)… الخيانة الكبرى المقننة
إذا كانت معاهدة سيفر قد مثلت وعداً هشاً، قابلاً للإلغاء منذ لحظة ولادته، فإن معاهدة لوزان جاءت لتؤدي دوراً أكثر خطورة وعمقاً: الإعدام الرسمي والمقنن للقضية الكوردية. لم تكن لوزان مجرد تصحيح لمسار سياسي سابق، بل كانت انقلاباً كاملاً على كل ما أُشير إليه – ولو نظرياً – من حقوق قومية للكورد. ففي لوزان، لم يهمش الكورد فحسب، بل جرى محوهم من النصوص، ومن الاعتراف، ومن التصور القانوني للنظام الإقليمي الجديد.
لقد ألغت لوزان، بشكل صريح أو ضمني، كل ما ورد في سيفر بشأن الكورد، واعترفت بحدود الدولة التركية الحديثة، ليس بوصفها دولة متعددة القوميات، بل كدولة قومية صلبة قائمة على هوية واحدة ولغة واحدة وتاريخ رسمي واحد. وبهذا الاعتراف، منحت القوى الدولية الشرعية الكاملة لمشروع الدولة القومية التركية على حساب الشعوب غير التركية، وفي مقدمتها الكورد. لم يعد السؤال المطروح هو: كيف تضمن حقوق هذه الشعوب؟ بل أصبح: كيف تدار الدولة الجديدة بأقل قدر من الاضطرابات؟ وكانت الإجابة واضحة: عبر الإنكار، والصهر، والقمع عند اللزوم.
تكمن خطورة لوزان في أنها لم تكتفِ بتجاهل الكورد، بل شرعنت سياسات إنكارهم. فمنذ تلك اللحظة، لم يعد إنكار الوجود القومي الكوردي مجرد ممارسة سلطوية داخلية، بل أصبح سياسة تحظى بغطاء دولي غير مباشر. وهكذا، تحول الكورد من شعبٍ له قضية مطروحة – ولو نظرياً – على الساحة الدولية، إلى “مشكلة داخلية” تترك للدول المعنية كي تتعامل معها كما تشاء.
ومنذ لوزان، تغير موقع الكورد في الخطاب السياسي الرسمي للدول التي قسموا بينها. لم يعودوا شعباً ذا حق تاريخي، بل أعيد تعريفهم قسراً وفق قوالب أمنية وثقافية تهدف إلى نزع الطابع القومي عن وجودهم:
- في تركيا، جرى اختزال الكورد في توصيف مهين: “أتراك الجبال”، في محاولة لطمس هويتهم القومية وتحويلها إلى اختلاف جغرافي أو لهجي بلا دلالة سياسية.
- في العراق، صور الكورد بوصفهم “أقلية متمردة”، لا شعباً شريكاً في الوطن، ما برر سياسات القمع والحملات العسكرية المتكررة ضدهم.
- في سوريا، أُدرج الكورد ضمن خانة “المشكلة الأمنية”، حيث جرى التعامل معهم بمنطق الاشتباه الدائم، وسحبت عنهم أبسط الحقوق المدنية والسياسية.
- في إيران، قدم الوجود الكوردي باعتباره “تهديداً للوحدة الوطنية”، ما فتح الباب أمام سياسات التهميش والإقصاء باسم حماية الدولة.
هذه التصنيفات لم تكن مجرد توصيفات لغوية، بل كانت أدوات سياسية هدفت إلى نزع الشرعية عن أي مطالبة كوردية بالحقوق، وتحويلها إلى فعل تمرد أو انفصال أو تهديد. وهنا تكمن إحدى النتائج الأخطر للوزان: إنها لم تضع حداً للقضية الكوردية، بل أعادت تعريفها بوصفها انحرافاً عن النظام السياسي القائم.
لقد أسست لوزان نظام إنكار طويل الأمد، يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:
1- الإنكار القانوني: غياب أي نص دولي يعترف بالكورد كشعب ذي حقوق قومية.
2- الإنكار السياسي: تحويل القضية الكوردية إلى شأن داخلي محض، مغلق أمام أي تدويل.
3- الإنكار الثقافي: سياسات الصهر القومي التي استهدفت اللغة والهوية والذاكرة الجماعية.
ومع مرور الزمن، تحول هذا النظام إلى ما يشبه “الطبيعة السياسية” للمنطقة، حيث بات إنكار الكورد أمراً بديهياً في خطاب الدول، ومقبولاً – أو متجاهلاً – في الساحة الدولية. ولم يكن هذا الاستقرار الظاهري سوى نتيجة قمعٍ مستمر، وانفجارات دورية، وانتفاضات متكررة تذكر بأن القضية لم تحل، بل دفنت حيّة.
إن لوزان، بهذا المعنى، ليست مجرد معاهدة تاريخية، بل نقطة تحول مفصلية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. فهي التي منحت الشرعية الدولية لمنطق الدولة القومية الإقصائية في المنطقة، وهي التي أغلقت الباب أمام أي حل عادل للقضية الكوردية لعقود طويلة. ومن دون فهم لوزان بوصفها خيانة مقننة لا خطأ دبلوماسياً، يستحيل فهم لماذا استمر الإنكار، ولماذا تحولت المطالب الكوردية – في نظر الأنظمة – من حقوق مشروعة إلى “خطر وجودي”.
وهكذا، يمكن القول إن ما بعد لوزان لم يكن مرحلة سلام أو استقرار، بل مرحلة صمتٍ دولي طويل ترك فيه الكورد لمواجهة مصيرهم وحدهم، داخل دولٍ تأسست شرعيتها على إنكارهم، وبني استقرارها على إقصائهم.
رابعاً : بيان 11 آذار (1970)… الوعد كتكتيك حرب
يشكل بيان 11 آذار 1970 إحدى أكثر المحطات التباساً في التاريخ السياسي للقضية الكوردية في العراق، لأنه قدم آنذاك بوصفه اختراقاً تاريخياً وإطاراً لحل سلمي طويل الأمد، بينما كان في جوهره أداة تكتيكية لإدارة الصراع لا مشروعاً حقيقياً لتسويته. لقد جاء البيان في لحظة كان فيها النظام العراقي يواجه استنزافاً عسكرياً وسياسياً متواصلاً بسبب الثورة الكوردية، وفي وقتٍ لم يكن قادراً فيه على حسم المعركة عسكرياً. ومن هنا، لم ينبع البيان من قناعة بحقوق الكورد، بل من حاجة النظام إلى التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراقه.
في سياق تلك المرحلة، بدا بيان 11 آذار كأنه اعتراف رسمي بحقوق الكورد، إذ تضمن وعوداً بالحكم الذاتي، والاعتراف باللغة الكوردية، والمشاركة السياسية، وإنهاء حالة الحرب. غير أن هذه البنود، رغم أهميتها النظرية، افتقرت منذ البداية إلى عنصرين حاسمين: الإرادة السياسية الصادقة، والآليات الدستورية الملزمة. لم يدرج الحكم الذاتي ضمن إطار دستوري واضح، ولم تحدد له حدود زمنية دقيقة للتنفيذ، ما جعله قابلاً للتأجيل والتفسير والالتفاف.
استخدم النظام العراقي البيان كوسيلة لكسب الوقت على أكثر من مستوى. فعلى الصعيد العسكري، أتاح له وقف القتال مؤقتاً إعادة بناء الجيش، وتحديث ترسانته، وتعزيز سيطرته على المناطق الاستراتيجية. وعلى الصعيد السياسي، سعى النظام إلى شق الصف الكوردي، وإضعاف وحدة الحركة التحررية عبر المراهنة على الانقسامات الداخلية، وخلق نخب مرتبطة بالمركز. أما على الصعيد الدولي، فقدم البيان صورة زائفة عن دولة “منفتحة” تسعى إلى حل مشاكلها الداخلية بالحوار، ما خفف من الضغوط الخارجية ومنح النظام هامشاً أوسع للمناورة.
في المقابل، تعاملت القيادة الكوردية مع البيان بحذر ممزوج بالأمل. فقد رأت فيه فرصة لتجنيب الشعب الكوردي مزيداً من الدمار، ولانتزاع اعتراف رسمي بحقوق طال انتظارها. غير أن هذا الأمل كان محاطاً بالشكوك، خاصة في ظل تاريخ طويل من الوعود المنكورة. ومع مرور الوقت، بدأت مؤشرات التراجع تظهر بوضوح: تأخير متعمد في تنفيذ البنود، خلافات مفتعلة حول حدود الحكم الذاتي، تغييب فعلي للكورد عن مراكز القرار، واستمرار السياسات الأمنية في المناطق الكوردية.
وهكذا، بقي الحكم الذاتي حبراً على ورق، بينما كانت الحرب تحضر في الكواليس. فبدل الانتقال إلى مرحلة بناء الثقة، عمل النظام على تحويل فترة “السلام” إلى مرحلة تحضير شاملة للمواجهة المقبلة. ومع تغير ميزان القوى لصالح بغداد، خصوصاً بعد تعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية، لم يتردد النظام في الانقلاب الكامل على البيان، والعودة إلى الخيار العسكري بوصفه الحل النهائي لـ “المسألة الكوردية”.
أدى هذا الانقلاب إلى تجدد الحرب بعنف أشد، وأسس لمرحلة جديدة من الصراع اتسمت باستخدام واسع للقوة، وتوسيع نطاق العمليات العسكرية ضد القرى والمناطق الكوردية. ولم يكن فشل بيان 11 آذار فشلاً تقنياً أو إدارياً، بل فشلاً سياسياً بنيوياً، نابعاً من حقيقة أن النظام لم يكن ينظر إلى الكورد كشركاء في الوطن، بل كقضية يجب احتواؤها أو إخضاعها.
تكمن خطورة تجربة بيان 11 آذار في أنها كرست نمطاً سيتكرر لاحقاً في التعامل مع القضية الكوردية: الاعتراف المؤقت كأداة لإدارة الصراع، لا لحله. فالوعد بالحكم الذاتي، حين لا يكون محمياً بدستور وضمانات دولية، يتحول إلى تكتيك حرب، يستخدم عند الضعف ويسحب عند القوة. وهذا ما جعل البيان، بدل أن يكون خطوة نحو السلام، محطة إضافية في مسار الخيبات الكوردية.
وعلى المستوى الأعمق، ساهم فشل بيان 11 آذار في تعميق الفجوة بين الكورد والدولة العراقية، وأضعف الثقة بأي مبادرات لاحقة. كما مهد الطريق لمرحلة أكثر قسوة من الصراع، انتهت لاحقاً بكوارث إنسانية وسياسية كبرى. ومن هنا، لا يمكن قراءة بيان 11 آذار إلا بوصفه مثالاً كلاسيكياً على كيف تستخدم الوعود السياسية كسلاح مؤجل، يخدر الصراع مؤقتاً، ثم يستأنف بأدوات أكثر عنفاً حين تسمح الظروف بذلك.
خامساً: اتفاقية الجزائر (1975)… المقايضة بالثورة
تعد اتفاقية الجزائر واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ السياسي الكوردي المعاصر، ليس فقط بسبب نتائجها الكارثية المباشرة، بل لأنها كشفت، بأقصى درجات الوضوح، كيف تباع الثورات في أسواق المصالح الإقليمية، وكيف يمكن لقضية شعبٍ بأكمله أن تتحول إلى بندٍ ثانوي في صفقة حدودية. ففي هذه الاتفاقية، لم يكن الكورد طرفاً في التفاوض، رغم أنهم كانوا الموضوع الحقيقي للاتفاق، ولم يكن مصيرهم حاضراً إلا بوصفه ثمناً يجب دفعه لتحقيق تسوية بين دولتين متخاصمتين.
جاءت اتفاقية الجزائر في سياق صراع إقليمي معقد بين العراق وإيران، حيث استخدم الشاه الإيراني الورقة الكوردية كورقة ضغط استراتيجية على نظام صدام حسين. فمنذ أوائل ستينيات القرن العشرين، شكلت الثورة الكوردية في العراق، ولا سيما ثورة أيلول بقيادة الملا مصطفى البارزاني، عامل إرباك حقيقي للنظام العراقي، ودفعه إلى استنزاف عسكري وسياسي طويل الأمد. وفي المقابل، قدمت إيران دعماً عسكرياً ولوجستياً وسياسياً لهذه الثورة، لا انطلاقاً من إيمان بحقوق الكورد، بل ضمن حسابات الصراع على الحدود والنفوذ.
وحين نضجت شروط التسوية بين بغداد وطهران، لم تتردد إيران الشاه في التخلي الكامل عن الكورد. ففي الجزائر، جرى التوصل إلى اتفاق يقضي بتنازلات عراقية في ملف شط العرب مقابل وقف الدعم الإيراني للثورة الكوردية. وهكذا، تحول الكورد من حليف ظرفي إلى عبء تفاوضي، ومن أداة ضغط فعالة إلى ورقة يجب حرقها فور انتهاء صلاحيتها السياسية.
كانت نتائج هذه المقايضة مدمرة على جميع المستويات. فبانسحاب الدعم الإيراني المفاجئ، انهار التوازن العسكري الذي كانت تعتمد عليه الثورة الكوردية، ووجد المقاتلون الكورد أنفسهم في مواجهة آلة عسكرية عراقية متفوقة، دون غطاء إقليمي أو دولي. لم يكن الانهيار عسكرياً فحسب، بل كان انهياراً نفسياً وسياسياً، أصاب الحركة الكوردية في عمقها، وزعزع ثقة المجتمع الكوردي بكل ما هو خارجي.
أدى هذا الانهيار إلى سلسلة من الكوارث الإنسانية:
- سقوط ثورة أيلول التي مثلت لعقدٍ كامل رمز النضال الكوردي في العراق.
- مجازر واسعة بحق المدنيين، استخدمت فيها سياسة العقاب الجماعي.
- تهجير جماعي لمئات الآلاف من الكورد، خصوصاً في المناطق الحدودية.
- تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية للحركة الكوردية، ما مهد لاحقاً لسياسات التعريب، وحملات الأنفال، والإبادة المنظمة.
لم تكن اتفاقية الجزائر حدثاً معزولاً، بل شكلت نقطة تحول استراتيجية في تعامل الأنظمة الإقليمية مع القضية الكوردية. فقد أرسلت رسالة واضحة مفادها أن القضية الكوردية قابلة للبيع والشراء، وأن التحالفات التي تبنى على المصالح لا على الضمانات القانونية يمكن أن تنهار في أي لحظة. كما عززت قناعة الأنظمة بأن القمع الشامل يمكن أن يمر دون مساءلة دولية طالما أنه جزء من ترتيبات إقليمية أكبر.
أما على المستوى الكوردي الداخلي، فقد تركت الاتفاقية جرحاً عميقاً في الوعي السياسي. إذ لم تكن الخسارة خسارة معركة أو ثورة فحسب، بل كانت خسارة ثقة. ثقة بالحلفاء، وبالوعود، وبإمكانية أن يشكل الدعم الخارجي رافعة حقيقية للتحرر. ومنذ تلك اللحظة، أصبح السؤال المركزي في الفكر السياسي الكوردي: كيف يمكن بناء مشروع تحرري لا يكون رهينة لمصالح الآخرين؟
وهنا تكرس الدرس القاسي الذي سيعود ليتكرر بأشكال مختلفة في محطات لاحقة من التاريخ الكوردي: الدعم الخارجي بلا ضمانات دولية ملزمة هو فخ، لا حليف. فحين تربط قضية شعبٍ بمصالح دولة أخرى، تصبح هذه القضية قابلة للتخلي عنها فور تغير موازين الربح والخسارة. واتفاقية الجزائر لم تكن سوى المثال الأكثر وضوحاً على هذا المنطق، حيث دفنت ثورة كاملة تحت ركام اتفاق وقع بعيداً عن أصحاب الدم والتضحيات.
وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة اتفاقية الجزائر بوصفها هزيمة عسكرية فحسب، بل يجب فهمها كـ لحظة انكسار تاريخية أعادت تشكيل مسار الحركة الكوردية لعقود، ورسخت في الذاكرة الجماعية الكوردية حقيقة مريرة: أن الثورة التي لا تحميها ضمانات سياسية دولية، يمكن أن تقايض على طاولة المفاوضات دون تردد، وأن دماء الشعوب كثيراً ما تكون أرخص من خطوط الحدود في حسابات الدول.
سادساً: اتفاقية أضنة (1998)… الأمن ضد الحقوق
تمثل اتفاقية أضنة نقطة تحول نوعية في مسار التعامل الإقليمي مع القضية الكوردية، لأنها لم تبنَ على وعود سياسية قابلة للنقاش أو الاعتراف – حتى الشكلي – بالحقوق، بل قامت منذ لحظتها الأولى على منطق أمني صرف يقصي السياسة ويجرم المطالبة بها. ففي أضنة، لم تناقش المسألة الكوردية بوصفها قضية شعب، ولا بوصفها نزاعاً سياسياً يحتاج إلى حلول عادلة، بل جرى اختزالها بالكامل إلى ملف أمني عابر للحدود يجب التعامل معه بالقوة والتنسيق الاستخباراتي.
جاءت الاتفاقية في سياق ضغوط تركية متصاعدة على سوريا في أواخر التسعينيات، حيث استخدمت أنقرة التهديد العسكري المباشر لفرض شروطها، مستندة إلى اختلال ميزان القوى الإقليمي والدولي. وبدل أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة طرح القضية الكوردية في بعدها السياسي، استثمرت لإرساء نموذج جديد من الإقصاء: نموذج يقوم على تحويل الكورد من فاعلين سياسيين إلى “خطر أمني” مشترك تتقاطع حوله مصالح الأنظمة.
في اتفاقية أضنة، لم يطرح أي حق سياسي، ولا أي شكل من أشكال الاعتراف الثقافي أو اللغوي، ولا حتى نقاش حول جذور الصراع. كل ما طرح كان حزمة من الإجراءات الأمنية:
- تبادل معلومات استخباراتية حول النشاطات الكوردية.
- ملاحقة مشتركة للنشطاء والتنظيمات عبر الحدود.
- تنسيق أمني مباشر يهدف إلى تجفيف أي مساحة للحراك السياسي أو الاجتماعي الكوردي.
بهذا المعنى، لم تكن أضنة مجرد اتفاق ثنائي بين دولتين، بل إطاراً نظرياً وعملياً لتعميم منطق الأمن على حساب الحقوق. فقد أسست لفكرة أن القضية الكوردية يمكن – بل يجب – إدارتها أمنياً، وأن أي تعبير سياسي كوردي يصنف تلقائياً بوصفه تهديداً للاستقرار، بغض النظر عن طبيعته أو مطالبه. وهنا، انتقل الإنكار من مستوى تجاهل الحقوق إلى مستوى تجريمها.
الأخطر في اتفاقية أضنة أنها حولت الكورد من شعبٍ ذي مطالب سياسية إلى عدو مشترك تتقاطع ضده مصالح أنظمة مختلفة، رغم تناقضاتها العميقة في ملفات أخرى. فقد أثبتت هذه الاتفاقية أن العداء للكورد يمكن أن يكون القاسم المشترك الأقوى بين أنظمة متخاصمة، وأن “الأمن القومي” يمكن استخدامه كذريعة لتبرير التعاون حتى بين خصوم تقليديين.
كما كرست أضنة مبدأ “السيادة الأمنية المشتركة”، حيث لم تعد الحدود عائقاً أمام الملاحقة والقمع، بل تحولت إلى خطوط تنسيق. وهذا التطور كان بالغ الخطورة، لأنه ألغى عملياً أي هامش جغرافي يمكن أن يشكل ملاذاً أو مساحة تنفس للحراك الكوردي، وفتح الباب أمام قمع عابر للحدود يتجاوز القوانين الوطنية والدولية على حد سواء.
ومن الناحية السياسية، أغلقت اتفاقية أضنة الباب أمام أي أفق تفاوضي. فعندما تعرف القضية من الأساس كمسألة أمنية، يصبح الحوار ضرباً من الترف، وتستبدل السياسة بالأجهزة، والقانون بالتعليمات، والحقوق بالتقارير الاستخباراتية. وهكذا، أُقصي الكورد مرة أخرى من موقع “الطرف السياسي المحتمل” إلى موقع “الهدف الأمني الدائم”.
إن اتفاقية أضنة لم تُنهِ الحراك الكوردي، لكنها غيرت قواعد الاشتباك معه. فقد أسهمت في تطبيع القمع، وإضفاء شرعية إقليمية على الملاحقات، وتكريس خطاب يجرد الكورد من إنسانيتهم السياسية. وبهذا، لم تكن أضنة اتفاقاً عابراً، بل لبنة أساسية في بناء منظومة إقليمية ترى في الحقوق تهديداً، وفي الأمن بديلاً عن العدالة.
ومنذ أضنة، بات واضحاً أن الأنظمة لم تعد بحاجة حتى إلى تقديم وعود فارغة. يكفي أن ترفع راية “مكافحة الإرهاب” حتى تبرر كل السياسات، ويصادر كل حق، ويسحق أي صوت. وهكذا، تحولت القضية الكوردية من ملف سياسي مؤجل إلى ملف أمني مغلق، يدار بالقوة لا بالحوار، وبالتنسيق القمعي لا بالحلول العادلة.
سابعاً: ما بعد انتفاضة 1991… الحماية المؤجَّلة
مثلت انتفاضة آذار 1991 في كوردستان العراق لحظة تاريخية نادرة، خرج فيها الكورد من منطق الانتظار إلى فعل التمرد المباشر، مستندين إلى وهمٍ كبير: أن هزيمة نظام صدام حسين في حرب الخليج ستفتح الباب أمام لحظة عدالة تاريخية، أو على الأقل ستمنع النظام من الانتقام. غير أن ما تلا الانتفاضة كشف مرة أخرى عن القاعدة الثابتة في التعامل الدولي مع القضية الكوردية: الدعم المتأخر، والحماية المشروطة، والتضحية المؤجلة.
اندلعت الانتفاضة بشكل عفوي، شعبي، واسع، شمل مدن كوردستان الأساسية. سقطت مراكز السلطة بسرعة، وانسحب الجيش العراقي في حالة من التفكك. لكن هذا التقدم لم يكن محمياً بأي غطاء دولي حقيقي. فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي شجعت – ضمناً – على التمرد ضد النظام، لم تكن معنية بانهياره الكامل، بل بإبقائه ضعيفاً، محاصراً، وقابلاً للضبط.
وهنا بدأ المشهد المأساوي.
ترك الكورد وحدهم في مواجهة آلة انتقامية شرسة. عاد النظام بقوته الجوية والبرية، مستخدماً كل أدوات القمع، فحدثت واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. مئات الآلاف تدفقوا نحو الجبال، نحو الحدود التركية والإيرانية، في ظروف إنسانية كارثية. لم يكن ذلك مجرد فشل في الحماية، بل اختباراً قاسياً لقيمة الدم الكوردي في الحسابات الدولية.
الحظر الجوي الذي فرض لاحقاً على شمال العراق لم يكن تعبيراً عن اعتراف بحقوق الكورد، بل إجراءً اضطرارياً لاحتواء أزمة إنسانية كادت أن تتحول إلى فضيحة أخلاقية عالمية. أي أن الحماية لم تأتِ لأن الكورد يستحقونها، بل لأن الصور لم تعد قابلة للإخفاء، ولأن الكارثة تجاوزت حدود الصمت.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى:
الحماية جاءت بعد أن دفع الثمن، والمنطقة الآمنة فرضت بعد أن سفك الدم، والاهتمام الدولي تحرك بعد أن تحول النزوح إلى مأساة إعلامية.
حتى تجربة الإدارة الكوردية الناشئة في التسعينيات لم تكن نتاج دعم سياسي صريح، بل نتيجة فراغ فرضته موازين القوى. ترك الكورد يديرون أنفسهم، لا لأنهم أصبحوا شركاء، بل لأنهم لم يعودوا أولوية. وهكذا تشكل كيان هش، محاصر، محمل بصراعات داخلية، ومحروم من أي اعتراف قانوني حقيقي.
إن ما بعد انتفاضة 1991 يختصر منطقاً متكرراً في التاريخ الكوردي الحديث:
لا حماية استباقية، لا ضمانات دائمة، ولا التزام أخلاقي ثابت. كل ما يمنح للكورد يمنح متأخراً، ومؤقتاً، ومشروطاً، وقابلاً للسحب عند أول تغير في التوازنات.
لقد تعلم الكورد من تلك المرحلة درساً بالغ القسوة:
أن المجتمع الدولي لا يتحرك لحماية الشعوب، بل لإدارة الأزمات. وأن العدالة، حين تأتي، تأتي دائماً بعد فوات الأوان.
ثامناً: استفتاء 2017… الصمت بعد التشجيع
جاء استفتاء إقليم كوردستان في أيلول 2017 بوصفه ذروة تراكم طويل من الأوهام السياسية، لا لأنه عبر عن لحظة ضعف كوردية، بل لأنه كشف بوضوح غير مسبوق حدود المسموح دولياً للحلم الكوردي. لم يكن الاستفتاء حدثاً معزولاً، بل نتيجة مسار ممتد منذ 1991، حيث نشأ كيان شبه مستقل، بحدود واقعية، ومؤسسات، وبرلمان، وقوات عسكرية قاتلت نيابة عن العالم ضد “داعش”. كل ذلك خلق انطباعاً خاطئاً بأن الزمن قد نضج، وأن الاستقلال لم يعد محرماً.
قبل الاستفتاء، لم يكن الرفض الدولي حازماً. بل على العكس، ساد نوع من التشجيع غير المباشر: صمت محسوب، رسائل مزدوجة، وتطمينات غامضة حول “تفهم التطلعات الكوردية”. لم تطلق القوى الكبرى تحذيراً صارماً، ولم تفعل أدوات الردع السياسي مبكراً. وكأن هناك من أراد دفع القيادة الكوردية إلى اختبار الخط الأحمر، لا لتجاوزه، بل لمعرفة كلفة تجاوزه.
لكن ما إن وضع صندوق الاقتراع، حتى تغير المشهد.
فور إعلان النتائج، انقلب الخطاب الدولي من التفهم إلى التجاهل، ومن الغموض إلى البرود. لم يناقش مضمون الحق في تقرير المصير، بل جرى اختزال المسألة في “توقيت غير مناسب” و”خطوة أحادية”. وعندما تحرك الجيش العراقي مدعوماً بقوى إقليمية، واجتاح كركوك والمناطق المتنازع عليها، ساد صمت دولي مريب، صمت لا يمكن تفسيره إلا بوصفه موافقة ضمنية.
كركوك لم تكن مجرد مدينة، بل رمزاً لتاريخ من الإقصاء والصراع والوعود المؤجلة. ومع ذلك، سقطت خلال ساعات، لا بسبب ضعف عسكري بقدر ما سقطت بسبب انكشاف سياسي كامل. لم تتحرك واشنطن، لم تتدخل أوروبا، ولم تفعّل أي آلية حماية، رغم أن الإقليم كان حليفاً مباشراً في الحرب على الإرهاب. هنا تكرس الدرس القديم بصيغة جديدة:
من يستخدم كحليف مؤقت، يتخلى عنه عندما يصبح عبئاً.
الأخطر من الحدث ذاته، كان ما كشفه من منطق إدارة الملف الكوردي دولياً. فالدعم لم يكن يوماً استراتيجياً، بل تكتيكياً مرتبطاً بوظيفة محددة: محاربة داعش، ضبط الجغرافيا، تحقيق توازن مؤقت. أما حين تحول الحليف إلى صاحب مشروع سياسي مستقل، فقد خرج عن الدور المرسوم له.
لم يكن الاستفتاء خطيئة بحد ذاته، بل كانت الخطيئة في الاعتقاد أن النظام الدولي يكافئ الوفاء، أو أن تضحيات البيشمركة يمكن أن تترجم إلى اعتراف سياسي. ما حدث بعد 2017 أثبت أن سقف الحقوق الكوردية، في نظر القوى الكبرى، لا يتجاوز الحكم الذاتي المقيد، وأن أي محاولة للانتقال من “شريك أمني” إلى “شعب صاحب سيادة” تقابل بالعقاب أو الإهمال.
هكذا، تحول الاستفتاء من لحظة أمل إلى لحظة تعرية. تعرية لخطاب الدعم الدولي، وتعرية لفكرة الشراكة، وتعرية لوهم أن التاريخ يكتب بالاستحقاق وحده.
في 2017، لم يهزم الكورد عسكرياً فقط، بل اصطدموا مجدداً بحقيقة مرة:
أن الصمت الدولي ليس حياداً، بل موقف.
تاسعاً: تفاهمات ما بعد 2016… الجغرافيا مقابل الصفقات
مع التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا عام 2015، ثم تكريس مسار أستانة بعد 2016، دخلت القضية الكوردية في سوريا مرحلة جديدة من الإقصاء المنهجي، لا تقوم على الإنكار الخطابي فقط، بل على إعادة هندسة الجغرافيا عبر الصفقات. لم تعد المسألة مرتبطة بخطابات السيادة أو وحدة الأراضي، بل بتحويل الأرض نفسها إلى عملة تفاوض بين القوى الإقليمية والدولية.
في هذا السياق، تشكلت تفاهمات تركية–روسية–إيرانية غير مكتوبة، لكنها شديدة الوضوح في نتائجها:
أي نفوذ كوردي مستقل أو شبه مستقل في شمال سوريا يعد تهديداً يجب تحجيمه، لا لأنه خطر فعلي، بل لأنه يخل بالتوازنات التي رسمتها هذه القوى لنفوذها المتبادل.
رغم أن الكورد، ممثلين بقوات سوريا الديمقراطية، كانوا القوة البرية الأكثر فاعلية في هزيمة تنظيم داعش، ورغم أنهم دفعوا أثماناً بشرية هائلة دفاعاً عن العالم بأسره، إلا أنهم وجدوا أنفسهم، مرة أخرى، خارج غرفة القرار. لم يدعَوا إلى أستانة، لم يمثّلوا في سوتشي، ولم يعترف بهم طرفاً سياسياً، بل جرى التعامل معهم كـ “تفصيل ميداني” يمكن إعادة ضبطه عند الحاجة.
عفرين (2018) كانت اللحظة الأولى الفاضحة لهذا المنطق. سحبت المظلة السياسية، وأُعيد ترتيب خطوط التماس، ففتحت الأجواء أمام الطيران التركي بضوء أخضر روسي مقابل تفاهمات أوسع تتعلق بإدلب ودمشق. لم تكن عفرين عبئاً عسكرياً على أحد، لكنها كانت ورقة تفاوض. والنتيجة: احتلال، تغيير ديمغرافي، تهجير عشرات الآلاف، وصمت دولي يكاد يكون مطلقاً.
ثم تكرر المشهد بصورة أكثر فجاجة في سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض) عام 2019. هنا، لم يعد الأمر مجرد تفاهم روسي–تركي، بل انخراط أمريكي غير مباشر في منطق الصفقات. انسحبت القوات الأمريكية فجأة، لا لأن الخطر زال، بل لأن الأولويات تغيرت. تركت المناطق الكوردية مكشوفة أمام الاجتياح، ثم أُعيد ملؤها بقوات أخرى ضمن ترتيبات أمنية جديدة، لا مكان فيها للحقوق السياسية أو الاعتراف الذاتي.
المفارقة القاسية أن هذه المناطق لم تكن ساحات حرب ضد الدولة السورية، بل كانت مناطق مستقرة نسبياً، تدار بنموذج حكم محلي تعددي، وتضم مكونات عربية وكوردية وسريانية. لكن هذا النموذج ذاته كان غير مرغوب فيه، لأنه يقدم بديلاً سياسياً خارج معادلة الاستبداد أو الهيمنة القومية. لذلك، لم يحارب لأنه فشل، بل لأنه نجح بما يكفي ليكون خطراً رمزياً.
في هذه التفاهمات، تحولت الجغرافيا الكوردية إلى مساحة مباحة للتقاسم:
تركيا تحصل على شريط أمني، روسيا توسع نفوذها كضامن، إيران ترسخ حضورها في العمق السوري، والنظام يستعيد شرعية اسمية. أما الكورد، فكان نصيبهم الخسارة الصافية.
الأخطر من الاحتلال ذاته، هو تطبيع الاحتلال ضمن خطاب دولي يتحدث عن “هواجس أمنية” و”ضرورات الاستقرار”، وكأن أمن دولة قومية يبنى على اقتلاع شعب من أرضه. لم تطرح قضية عفرين أو سري كانيه أو كري سبي في المحافل الدولية بوصفها انتهاكات مستمرة، بل كأحداث منتهية، تم استيعابها في خرائط النفوذ الجديدة.
هكذا، أعادت تفاهمات ما بعد 2016 إنتاج القاعدة التاريخية ذاتها:
عندما تتعارض الحقوق الكوردية مع الصفقات الكبرى، تمحى الحقوق، وتمرر الصفقات.
لم يكن تغييب الكورد عن الطاولة تفصيلاً إجرائياً، بل تعبيراً دقيقاً عن موقعهم في النظام الإقليمي: فاعل ميداني بلا حق سياسي، وشريك حرب بلا صوت في السلام. وفي هذا التناقض، تتجدد المأساة الكوردية بصيغ حديثة، لكن بجوهر قديم:
أن الجغرافيا تقرر من فوق، والكورد يطلب منهم دائماً أن يدفعوا الثمن.
عاشراً: اتفاقية 10 آذار بين قسد وسلطة دمشق المؤقتة… خديعة التسويات وإعادة إنتاج الإقصاء
تأتي اتفاقية 10 آذار بين قوات سوريا الديمقراطية وسلطة دمشق المؤقتة بوصفها حلقة جديدة في السلسلة الطويلة من الاتفاقات التي لم تصمم يوماً لإنصاف الكورد، بل لإدارة وجودهم، وضبط دورهم، ثم تحجيم حقوقهم عندما تحين لحظة المقايضة. فعلى الرغم من الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافق الإعلان عنها، سرعان ما تبين أن الاتفاقية لم تنفذ فعلياً على الأرض، ولم تترجم إلى أي مسار دستوري أو سياسي واضح يضمن الحقوق القومية الكوردية في سوريا.
في جوهرها، لم تكن هذه الاتفاقية تعبيراً عن اعتراف حقيقي بالإدارة الذاتية أو بحقوق الكورد السياسية، بل جاءت كـ مناورة تكتيكية متعددة الأطراف، اشتركت فيها تركيا والولايات المتحدة وسلطة دمشق المؤقتة، كل لأسبابه، لكن على حساب طرف واحد: الكورد.
من الزاوية التركية، لم تكن الاتفاقية سوى أداة لإعادة إنتاج خطاب “وحدة الدولة السورية” كغطاء سياسي لضرب أي مشروع كوردي ديمقراطي مستقل. فتركيا، التي فشلت عسكرياً في القضاء على تجربة الإدارة الذاتية، انتقلت إلى مرحلة تفريغها سياسياً عبر دفعها إلى تفاهمات غامضة مع دمشق، تبقي الكورد داخل الإطار المركزي نفسه الذي أنكر وجودهم لعقود.
أما الولايات المتحدة، فتعاملت مع الاتفاقية بوصفها ورقة تهدئة مؤقتة، لا التزاماً استراتيجياً. شجعت الحوار لا بدافع إحقاق الحقوق، بل لتخفيف التوتر مع تركيا، حليف الناتو، ولإدارة وجودها العسكري بأقل كلفة سياسية. وهكذا، تكرر النموذج ذاته: تشجيع غير مباشر، ثم انسحاب إلى الخلف عند أول اختبار جدي.
في المقابل، رأت سلطة دمشق المؤقتة في الاتفاق فرصة لإعادة بسط نفوذ رمزي دون تقديم أي تنازل جوهري. لم يطرح الاعتراف الدستوري بالكورد، ولا اللامركزية السياسية، ولا الشراكة الحقيقية في السلطة. كان المطلوب واضحاً: عودة السيادة دون تغيير بنية الدولة، أي استعادة السيطرة مع الإبقاء على منطق الإنكار نفسه، ولكن بلغة أكثر مرونة.
ثم جاءت اتفاقية 18 كانون الثاني 2026 بوصفها استكمالاً لهذه الخديعة المركبة. لم تكن قطيعة مع اتفاق 10 آذار، بل تعميقاً لمساره: تثبيت تفاهمات أمنية، وتدوير الزوايا السياسية، وإعادة ترتيب الأدوار بما يضمن مصالح تركيا وأمريكا ودمشق، بينما يترك الكورد مرة أخرى خارج معادلة القرار. هنا، انكشف المشهد بوضوح أكبر: الحليف الأمريكي الذي قاتل معه الكورد داعش، وراكم معهم شراكة ميدانية، لم يتردد في بيع هذا الحليف عندما تعارضت المصالح.
لكن، وعلى خلاف ما تريده هذه الاتفاقات، فإن فشلها ليس احتمالاً، بل مساراً مرجحاً، مهما طال الزمن. ذلك أن أي اتفاق يبنى على إنكار الحقوق، لا يمكن أن يستقر. وأي تسوية تتجاهل حقيقة أن الكورد باتوا قوة سياسية واجتماعية وجغرافية لا يمكن شطبها، ستبقى هشة، قابلة للانفجار عند أول تحول في موازين القوى.
إن خطأ هذه الاتفاقات لا يكمن فقط في خديعتها السياسية، بل في قراءتها القاصرة للواقع. فهي تفترض أن الكورد يمكن إعادتهم إلى ما قبل 2011، أو اختزالهم في دور أمني أو إداري محدود، متجاهلة أن التجربة الكوردية في سوريا أنتجت وعياً سياسياً جديداً، ومؤسسات، وشبكات اجتماعية، وتضحيات لا يمكن محوها بتفاهمات فوقية.
وهنا تتكرس القاعدة التاريخية ذاتها، ولكن بوجوه جديدة:
- كل اتفاق لا يتأسس على اعتراف دستوري صريح بالحقوق القومية الكوردية.
- كل تفاهم لا يضمن شراكة سياسية حقيقية.
- كل تسوية تدار بمنطق الأمن لا بمنطق العدالة. هي اتفاقية مؤجَّلة الفشل.
قد تنجح هذه الاتفاقات في كسب الوقت، وتهدئة الجبهات، وإرضاء العواصم، لكنها عاجزة عن إنتاج حل. فالقضية الكوردية في سوريا لم تعد ملفاً يمكن إغلاقه ببيان، ولا مشكلة أمنية يمكن احتواؤها بتنسيق. إنها مسألة حقوق، والحقوق، مهما طال الالتفاف عليها، تعود دائماً إلى الواجهة.
وهكذا، كما سقطت سايكس–بيكو أخلاقياً، وفشلت سيفر سياسياً، وتحولت لوزان إلى لعنة تاريخية، فإن اتفاقيتي 10 آذار و18 كانون الثاني مرشحتان لأن تضافا إلى أرشيف الاتفاقات المفخخة، التي كتبت لإدارة الإنكار، لا لإنهائه.
الخلاصة الفكرية والسياسية:
لا يمكن قراءة المسار التاريخي للقضية الكوردية بوصفه سلسلة إخفاقات ذاتية أو أخطاء سياسية محلية، بل بوصفه انعكاساً مباشراً لاختلال عميق في بنية النظام الدولي ذاته. فالمشكلة، في جوهرها، ليست في قلة تضحيات الكورد، ولا في ضعف حضورهم الاجتماعي أو السياسي، بل في نظام عالمي لا يحمي الضعفاء، ولا يعترف بالحقوق إلا حين تتقاطع مع مصالح الأقوياء. ضمن هذا النظام، لا تقاس عدالة القضايا بميزان الحق، بل بميزان القوة، وتدار مصائر الشعوب وفق منطق الصفقات لا المبادئ.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن كل اتفاق لم يستند إلى اعتراف دستوري صريح بالحقوق القومية الكوردية، ولم يدعم بضمانات دولية ملزمة، تحول بالضرورة إلى أداة غدر مؤجل. فالاتفاقات التي وقعت باسم التهدئة أو الاستقرار أو الوحدة الوطنية، لم تكن سوى آليات لإعادة ضبط السيطرة، وكسب الوقت، وتفكيك الحركات الكوردية من الداخل، قبل الانقضاض عليها عسكرياً أو سياسياً عند تغير موازين القوى. لم تكن المشكلة في نصوص الاتفاقات وحدها، بل في السياق الذي أُنتجت فيه: سياق يقصي الكورد عن الشراكة، ويبقيهم خارج معادلة القرار.
التاريخ، في هذا المعنى، لا يقدم مجرد سرد للمظلومية، بل يقدم نمطاً متكرراً من السلوك الدولي: استخدام الكورد كورقة تفاوض عند الحاجة، ثم التخلي عنهم فور انتهاء دورهم الوظيفي. من سايكس–بيكو إلى لوزان، ومن الجزائر إلى عفرين وكركوك، تتكرر القاعدة نفسها بصور مختلفة: يستدعى الكورد إلى ساحات الحرب، ويستبعدون من طاولات السلام. يطلب منهم أن يكونوا حلفاء أو أدوات، لكن لا يسمح لهم بأن يكونوا شركاء.
إن الوضع الكوردي الراهن، في سوريا وتركيا والعراق وإيران، ليس نتيجة حدث واحد أو اتفاق بعينه، بل هو محصلة تراكمية لاتفاقات لم يكن الكورد طرفاً فاعلاً في صياغتها، بل موضوعاً للتفاوض حولهم. جرى التعامل مع وجودهم بوصفه مشكلة يجب احتواؤها، لا حقيقة سياسية يجب الاعتراف بها، ومع حقوقهم بوصفها هامشاً قابلاً للإلغاء، لا أساساً لبناء الاستقرار.
ومن هنا، فإن أي مشروع سياسي مستقبلي يتجاهل هذه الحقيقة، أو يعيد إنتاج منطق التسويات الفوقية والضمانات الشفهية، محكوم عليه بتكرار المأساة نفسها، حتى لو حمل أسماء جديدة وشعارات مختلفة. فالحل لا يكمن في اتفاقات جديدة بقدر ما يكمن في كسر النمط التاريخي نفسه: الانتقال من سياسة إدارة القضية الكوردية إلى سياسة حلها، ومن منطق الأمن إلى منطق الحقوق، ومن التعامل مع الكورد كأدوات إلى الاعتراف بهم كشعبٍ كامل الحقوق.
إن الخلاصة النهائية التي يفرضها هذا التاريخ ليست دعوة إلى اليأس، بل إلى الوعي. وعيٌ بأن العدالة لا تمنح، بل تنتزع ضمن مشروع سياسي مستقل، وبأن أي سلام لا يقوم على الاعتراف الحقيقي والمشاركة المتكافئة، ليس سلاماً، بل هدنة مؤقتة في انتظار جولة جديدة من الإقصاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- McDowall, David. A Modern History of the Kurds. London: I.B. Tauris, 2004.
- Jwaideh, Wadie. The Kurdish National Movement: Its Origins and Development. Syracuse: Syracuse University Press, 2006.
- van Bruinessen, Martin. Agha, Shaikh and State: The Social and Political Structures of Kurdistan. London: Zed Books, 1992.
- Gunter, Michael M. The Kurds and the Future of Turkey. New York: St. Martin’s Press, 1997.
- Fromkin, David. A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East. New York: Henry Holt and Company, 1989.
- Hurewitz, J. C. The Middle East and North Africa in World Politics: A Documentary Record. New Haven: Yale University Press, 1979.