بين الله والسلطة: تفكيك توظيف المقدّس في إنتاج العنف والهيمنة
- Super User
- البحوث والدراسات
- الزيارات: 1211
بقلم: د. عدنان بوزان
مقدمة:
منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء لأول مرة، لم يكن يبحث فقط عن تفسير للبرق والرعد، ولا عن إجابة لسؤال الموت، بل كان يبحث عن معنى لوجوده في عالمٍ يتأرجح بين الفوضى والمعنى، بين الخوف والرجاء، بين هشاشة الجسد وحنين الروح إلى الخلود. في تلك اللحظة الوجودية الأولى، ولد الدين بوصفه محاولة إنسانية عميقة لتجاوز محدودية الواقع، ولصياغة علاقة بين الإنسان والمطلق، بين الفاني والأبدي. لم يكن الدين، في بداياته، مشروع سلطة، ولا أداة سيطرة، بل كان وعداً بالخلاص من عبثية الألم، وجسراً بين الإنسان وكرامته الداخلية، وبين ضعفه الأرضي وتطلعه إلى العدالة الكونية.
لكن مع تحول التجمعات البشرية إلى مجتمعات منظمة، ومع نشوء الدولة بوصفها كياناً يسعى إلى الاستقرار والهيمنة، بدأ الدين يخرج تدريجياً من مجاله الروحي الفردي، ليدخل مجال التنظيم الاجتماعي والسياسي. لم يعد فقط تجربة داخلية يعيشها الإنسان في صمته، بل أصبح أيضاً خطاباً عاماً، ومصدراً للشرعية، وأداة لتشكيل الطاعة الجماعية. وهنا، بدأت واحدة من أخطر التحولات في تاريخ الوعي الإنساني: تحول الدين من كونه سؤالاً وجودياً مفتوحاً، إلى كونه جواباً سياسياً مغلقاً.
لقد اكتشفت السلطة، في لحظة تاريخية مفصلية، أن أقوى أشكال الشرعية ليست تلك التي تفرض بالقوة وحدها، بل تلك التي تقدم بوصفها إرادة إلهية. فالسلطة التي تتحدث باسم نفسها يمكن تحديها، أما السلطة التي تتحدث باسم الله، فإنها تضع نفسها خارج نطاق المساءلة. وهكذا، لم يعد الدين مجرد إيمان، بل أصبح أيضاً نظاماً للضبط، ولغة للسيطرة، وإطاراً يمنح القوة طابعاً مقدساً، ويحول الطاعة من خيار سياسي إلى واجب روحي.
ومن هنا، نشأت المفارقة الكبرى التي ما زالت تلاحق التاريخ حتى اليوم: المفارقة بين الدين بوصفه وعداً بتحرير الإنسان، والدين بوصفه أداة لإخضاعه. بين الدين كبحث عن العدالة، والدين كوسيلة لتبرير الظلم. بين الدين كنداء للرحمة، والدين كخطاب يستخدم لتبرير القسوة.
إن المشكلة، في جوهرها، لا تكمن في وجود الدين، بل في تلك اللحظة التي ينتزع فيها من سياقه الروحي، ويعاد توظيفه داخل بنية القوة. في تلك اللحظة التي لا يعود فيها الله فكرة تتجاوز الإنسان، بل يصبح خطاباً يستخدم للسيطرة عليه. وفي تلك اللحظة التي لا يعود فيها الإيمان تجربة حرة، بل يتحول إلى أداة تستخدم لتبرير أفعال بشرية تقدم بوصفها أوامر مطلقة.
لقد شهد التاريخ، عبر عصوره المختلفة، أشكالاً متعددة من هذا الاستخدام السياسي للمقدس. لم يكن ذلك حكراً على حضارة بعينها، ولا على دين بعينه، بل كان نمطاً متكرراً يكشف عن علاقة معقدة بين المقدس والسلطة، بين الإيمان والقوة، بين السماء والأرض. في كثير من الأحيان، لم يكن الله هو الذي يستدعى ليحرر الإنسان، بل كان يستدعى ليبرر إخضاعه. ولم يكن المقدس دائماً ملاذاً للضعفاء، بل أصبح، في بعض السياقات، لغة تستخدم لتبرير إخضاعهم.
وهنا، يصبح السؤال الحقيقي أكثر عمقاً وخطورة: هل العنف نابع من الدين ذاته، أم من الطريقة التي يستخدم بها الدين داخل بنية السلطة؟ هل المشكلة في الإيمان، أم في احتكار تفسير الإيمان؟ هل الله، بوصفه فكرة مطلقة، هو مصدر العنف، أم أن الإنسان، حين يتحدث باسم الله، يعكس إرادته هو، لا إرادة المطلق؟
إن هذا السؤال لا يهدف إلى نفي الدين، ولا إلى مهاجمته بوصفه تجربة روحية، بل يهدف إلى تفكيك العلاقة بين المقدّس والقوة، بين الإيمان والسلطة، بين النص وتأويله السياسي. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يؤمن الإنسان بالله، بل أن يحتكر إنسان آخر حق التحدث باسمه. وليس أن يبحث الإنسان عن معنى، بل أن يفرض عليه معنى واحد بوصفه الحقيقة المطلقة.
من هنا، فإن القضية التي يجب أن تطرح اليوم ليست مجرد سؤال نظري، بل هي سؤال وجودي وأخلاقي وسياسي في آن واحد: كيف تحول الدين، في لحظة تاريخية معينة، من تجربة روحية فردية تسعى إلى تحرير الإنسان من الخوف، إلى خطاب سياسي يُستخدم أحياناً لتبرير العنف باسم المطلق؟ وكيف أصبح المقدّس، الذي وجد ليمنح الإنسان كرامته، أداة يمكن أن تستخدم، في بعض السياقات، لسلبه هذه الكرامة نفسها؟
إن محاولة الإجابة على هذا السؤال ليست مجرد تمرين فكري، بل هي ضرورة لفهم أحد أعمق التناقضات التي تشكل عالمنا المعاصر: التناقض بين الله بوصفه فكرة للعدالة المطلقة، واستخدام اسمه داخل عالم تحكمه القوة، والمصالح، وصراعات الهيمنة.
أولاً: عندما يتحول النص المقدس إلى أداة سياسية
في أصل تكوينه، لم يكن النص المقدّس نصاً سياسياً، ولم يكن مشروع حكم أو دستور سلطة، بل كان خطاباً موجهاً إلى أعماق الإنسان، إلى ضميره، إلى قلقه الوجودي، وإلى أسئلته الكبرى حول الحياة والموت، الخير والشر، العدالة والمعنى. كان النص، في جوهره الأول، دعوة إلى اليقظة، لا إلى الطاعة العمياء؛ دعوة إلى التأمل، لا إلى الامتثال القسري؛ دعوة إلى تحرير الإنسان من عبودية الخوف، لا إلى إدخاله في عبودية جديدة باسم المطلق. لقد كان النص، قبل أن تلمسه يد السلطة، فضاءً مفتوحاً للتفكير، ومجالاً حراً للتأويل، وتجربة شخصية يعيشها الإنسان في علاقته الفردية مع المعنى.
غير أن هذا النص نفسه، الذي ولد في أفق الحرية، بدأ، عبر مسار تاريخي طويل ومعقد، يتحول تدريجياً إلى أداة تستخدم داخل بنية القوة. لم يعد النص يقرأ بوصفه خطاباً أخلاقياً قابلاً للتأمل والتفسير، بل أصبح، في كثير من السياقات، يقدم بوصفه أمراً نهائياً مغلقاً، حقيقة مكتملة لا تقبل السؤال، ولا تحتمل النقاش. وهنا، لم يعد النص مجرد نص، بل أصبح سلطة. ولم يعد تفسيره فعلاً فكرياً، بل أصبح امتيازاً سياسياً تحتكره مؤسسات أو قوى تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
حين يقال: "هكذا قال الله"، أو "هكذا قال الرسول"، فإن هذه العبارة، في كثير من الأحيان، لا تستخدم بوصفها بداية لحوار، بل نهاية له. لا تطرح كدعوة للتفكير، بل كأداة لإيقاف التفكير. إنها تتحول من جملة ذات معنى روحي إلى أداة ذات وظيفة سياسية: وظيفة إغلاق باب الشك، وإلغاء إمكانية النقد، وتحويل النقاش من فضاء العقل إلى مجال الطاعة. وهكذا، يصبح النص، الذي كان من المفترض أن يفتح أمام الإنسان أفقاً أوسع للفهم، أداة تستخدم لتضييق هذا الأفق، وتحويله إلى إطار مغلق لا يسمح بالخروج منه.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، ليس في النص ذاته، بل في الطريقة التي يستخدم بها. فالنص، في حد ذاته، صامت؛ إنه لا يتكلم إلا عبر الإنسان. لكن عندما يحتكر الإنسان تفسير النص، ويقدم هذا التفسير بوصفه الحقيقة الإلهية المطلقة، فإنه لا ينقل إرادة الله، بل ينقل فهمه الخاص، ومصالحه الخاصة، ورؤيته الخاصة، لكنه يمنحها غطاءً مطلقاً يحميها من النقد والمساءلة.
في هذه اللحظة تحديداً، يحدث تحول خطير في بنية الوعي: يتحول النص من كونه موضوعاً للفهم، إلى كونه أداة للهيمنة. ويتحول الإيمان من كونه تجربة داخلية حرة، إلى كونه نظاماً خارجياً يفرض بالقوة الرمزية. ويتحول الإنسان من كائن يفكر ويختار ويتحمل مسؤولية أفعاله، إلى كائن ينفذ ما يعتقد أنه أوامر مطلقة، دون أن يسأل عن معناها، أو عن نتائجها، أو عن مسؤولياتها الأخلاقية.
وهكذا، يصبح النص، في بعض السياقات، بديلاً عن الضمير، لا مرشداً له. يصبح بديلاً عن التفكير، لا محفزاً له. يصبح بديلاً عن المسؤولية، لا أساساً لها. لأن الإنسان، حين يعتقد أنه ينفذ إرادة إلهية، قد يشعر أنه معفى من المسؤولية الأخلاقية عن أفعاله، حتى لو كانت هذه الأفعال تؤدي إلى العنف أو الظلم. فهو لا يرى نفسه فاعلاً، بل منفذاً؛ لا يرى نفسه مسؤولاً، بل أداة.
لكن المفارقة العميقة تكمن في أن هذه "الإرادة الإلهية" التي يعتقد الإنسان أنه ينفذها، ليست في الواقع سوى تفسير بشري للنص. تفسير يتشكل داخل سياق تاريخي معين، ويتأثر بظروف سياسية معينة، ويستخدم أحياناً لخدمة مصالح محددة. وهكذا، لا يعود الإنسان خاضعاً لله، بل يصبح خاضعاً لتفسير إنسان آخر يدعي أنه يتحدث باسم الله.
إن أخطر ما في هذه العملية ليس فقط أنها تلغي العقل، بل أنها تلغي المسافة الضرورية بين الإنسان والمطلق. إنها تخلق وهماً خطيراً: وهم أن الإنسان قادر على امتلاك الحقيقة المطلقة، وعلى التحدث باسمها، وعلى فرضها على الآخرين. وفي هذه اللحظة، لا يعود النص وسيلة لتحرير الإنسان من العنف، بل قد يتحول، في بعض السياقات، إلى أداة تستخدم لتبريره.
ومن هنا، يبرز السؤال الأخلاقي الأكثر جوهرية، والأكثر إلحاحاً:
هل يمكن لأي إله، إذا كان إلهاً للعدل والرحمة، أن يطلب قتل الأبرياء؟ هل يمكن للمطلق، إذا كان مصدراً للعدالة، أن يكون مصدراً للظلم؟ أم أن المشكلة، في حقيقتها، لا تكمن في الإله، بل في الإنسان الذي يتحدث باسمه، والذي يحول النص من فضاء للمعنى إلى أداة للسلطة، ومن دعوة للتحرر إلى وسيلة للهيمنة؟
إن هذا السؤال لا يستهدف الإيمان بوصفه تجربة روحية، بل يستهدف تلك اللحظة التي يختطف فيها الإيمان من مجاله الإنساني الحر، ويعاد توظيفه داخل بنية القوة، حيث لا يعود النص صوتاً للحقيقة، بل يصبح أداة في يد من يملك القدرة على تفسيره، وفرض هذا التفسير بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة.
ثانياً: العنف ليس ديناً، بل أداة سلطة
إذا كان الدين، في جوهره الأول، محاولة لإضفاء المعنى على الوجود الإنساني، فإن العنف، في جوهره السياسي، هو محاولة للسيطرة على هذا الوجود. ومن هنا، فإن العلاقة التي نشأت بين الدين والعنف لم تكن علاقة جوهرية نابعة من طبيعة الإيمان ذاته، بل علاقة وظيفية تشكلت داخل بنية السلطة، حين أدركت القوى الحاكمة أن أعمق أشكال السيطرة ليست تلك التي تفرض على الجسد وحده، بل تلك التي تفرض على الوعي، وعلى الضمير، وعلى الإحساس بالشرعية.
إن التاريخ، حين يقرأ بعيداً عن الروايات التبريرية التي تنتجها القوى المنتصرة، يكشف حقيقة واضحة: العنف لم يكن حكراً على دين معين، ولا على ثقافة معينة، ولا حتى على مرحلة تاريخية معينة. لقد كان العنف، عبر العصور، اللغة الخفية للسلطة، والأداة التي تلجأ إليها حين تعجز عن فرض إرادتها عبر الإقناع. لكنه لم يكن يمارس بوصفه عنفاً مجرداً، بل كان دائماً يغلف بخطاب يمنحه معنى، ويمنحه شرعية، ويخفي طبيعته الحقيقية بوصفه تعبيراً عن إرادة السيطرة.
في أوروبا، لم تكن الحروب التي خاضتها الكنيسة مجرد صراعات عقائدية، بل كانت أيضاً صراعات على النفوذ، وعلى الأرض، وعلى تشكيل النظام السياسي. لم يكن اسم المسيح مجرد مرجع روحي، بل أصبح، في بعض اللحظات التاريخية، راية ترفع لمنح الحرب طابعاً مقدساً، ولتحويل العنف من فعل بشري إلى ما يبدو وكأنه تنفيذ لإرادة إلهية. وفي الوقت نفسه، حين خرجت الإمبراطوريات الأوروبية إلى العالم، لم تقدم نفسها بوصفها قوى غازية، بل بوصفها قوى "متحضرة"، تحمل رسالة "تمدين" الشعوب الأخرى. وهكذا، لم يعد العنف يقدم بوصفه عنفاً، بل بوصفه مهمة أخلاقية، وواجباً تاريخياً.
وفي العالم الإسلامي، لم تكن الصراعات التي رفعت فيها الشعارات الدينية دائماً صراعات دينية خالصة، بل كانت، في كثير من الأحيان، صراعات سياسية على الحكم، وعلى الشرعية، وعلى السيطرة. لقد استخدم الدين، في تلك السياقات، بوصفه لغة تمنح الصراع طابعاً مطلقاً، وتحوله من نزاع بين قوى بشرية إلى ما يبدو وكأنه صراع بين الحق والباطل. لكن ما إن تغيرت البنى السياسية، حتى ظهرت لغة جديدة، لا تتحدث باسم الله، بل باسم "الوطن"، أو "الأمة"، أو "القومية". وهكذا، لم يتغير العنف ذاته، بل تغيرت اللغة التي تبرره.
إن هذا التحول يكشف حقيقة عميقة: العنف لا يحتاج إلى الدين كي يوجد، بل يحتاج إلى شرعية كي يستمر. وحين لا تكون الشرعية الدينية متاحة، فإن السلطة تنتج شرعية أخرى، قومية أو أمنية أو أيديولوجية. فالدولة القومية الحديثة، رغم ادعائها الانفصال عن الدين، لم تتخل عن الحاجة إلى خطاب مطلق يبرر أفعالها. لقد استبدلت المقدّس الديني بالمقدّس السياسي، واستبدلت اسم الله باسم الأمة، لكنها حافظت على نفس البنية: بنية تبرير العنف باسم قيمة يفترض أنها أعلى من الإنسان الفرد.
في العصر الحديث، لم تعد القنابل تلقى باسم الله، بل باسم "الأمن القومي". ولم تعد الحروب تعلن دائماً بوصفها حروباً مقدسة، بل بوصفها حروباً من أجل "الديمقراطية"، أو "الاستقرار"، أو "مكافحة الإرهاب". لكن، في جوهرها، بقيت هذه الحروب تعبيراً عن نفس البنية: بنية القوة التي تسعى إلى فرض إرادتها، وتحتاج إلى خطاب يمنح هذه الإرادة مظهراً أخلاقياً.
إن هذا يكشف أن المشكلة ليست في الدين وحده، بل في بنية القوة ذاتها. فالقوة، بطبيعتها، لا تكتفي بأن تكون قوية، بل تسعى دائماً إلى أن تبدو شرعية. لأنها تدرك أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر إخضاع الجسد، بل عبر إقناع العقل، وإعادة تشكيل الوعي، وجعل الخاضعين لها يؤمنون بأن هذه السيطرة مبررة، بل ضرورية.
ولهذا السبب، تبحث القوة دائماً عن لغة تتجاوز الإنسان الفرد، لغة تبدو مطلقة، وغير قابلة للنقاش. مرة تجد هذه اللغة في الدين، فتتحدث باسم الله. ومرة تجدها في القومية، فتتحدث باسم الأمة. ومرة تجدها في الأمن، فتتحدث باسم الاستقرار. ومرة تجدها في الأخلاق، فتتحدث باسم الخير العام. لكن، رغم اختلاف الأسماء، يبقى الجوهر واحداً: تحويل العنف من فعل يمكن مساءلته، إلى ضرورة لا يمكن الاعتراض عليها.
وهنا، يصبح الدين واحداً من عدة أشكال يمكن أن تتخذها هذه الشرعية، لكنه ليس الشكل الوحيد. لأن المشكلة الأعمق لا تكمن في الإيمان ذاته، بل في تلك اللحظة التي تتحول فيها أي فكرة مطلقة—سواء كانت دينية أو قومية أو أيديولوجية—إلى أداة تستخدم لتبرير السيطرة.
إن العنف، في هذا المعنى، ليس ديناً، ولا عقيدة، ولا حتى أيديولوجيا. إنه، قبل كل شيء، تعبير عن إرادة القوة. وما يتغير عبر التاريخ ليس وجوده، بل اللغة التي تستخدم لتبريره. مرة يقدم بوصفه إرادة الله، ومرة بوصفه إرادة الأمة، ومرة بوصفه ضرورة الأمن. لكن، خلف كل هذه الأسماء، يبقى العنف هو نفسه: أداة تستخدمها السلطة حين تسعى إلى فرض نفسها بوصفها الحقيقة الوحيدة الممكنة.
ثالثاً: عندما يصبح الله أداة بشرية
إن أخطر لحظة في تاريخ الوعي الإنساني ليست تلك التي يمارس فيها الإنسان العنف باسم مصالحه المباشرة، ولا حتى تلك التي يبرره باسم الضرورة أو البقاء، بل تلك اللحظة التي ينزع فيها الفعل من سياقه البشري، ويعاد تقديمه بوصفه تعبيراً عن إرادة إلهية. لأن الإنسان، حين يقتل باسم نفسه، يبقى داخل حدود المسؤولية، ويمكن مساءلته، ومحاسبته، ورفض أفعاله بوصفها أفعالاً بشرية قابلة للخطأ. أما حين يقتل باسم الله، فإنه لا يرى نفسه فاعلاً، بل منفذاً؛ لا يرى نفسه مسؤولاً، بل أداة؛ لا يرى نفسه صاحب قرار، بل مجرد وسيط بين الأرض والسماء.
وفي هذه اللحظة تحديداً، يحدث أخطر أشكال التحول: لا يعود الله فكرة مطلقة تتجاوز الإنسان، بل يتحول إلى أداة داخل عالم الإنسان. لا يعود المطلق معياراً يقاس به الفعل البشري، بل يصبح الفعل البشري هو الذي يلبس ثوب المطلق ليحتمي به. وهكذا، لا يعود الإنسان خاضعاً لله، بل يصبح الله، في الخطاب، خاضعاً لتفسير الإنسان، ولمصالحه، ولمخاوفه، ولرغبته في السيطرة.
إن المفارقة العميقة تكمن في أن الله، بوصفه فكرة مطلقة، يفترض أن يكون خارج كل توظيف، خارج كل احتكار، خارج كل استغلال. لكن حين يختزل في تفسير واحد، وفي خطاب واحد، وفي صوت واحد يدعي احتكار الحديث باسمه، فإنه يفقد طابعه المطلق، ويتحول إلى أداة رمزية داخل بنية القوة. وهنا، لا يعود المقدّس فضاءً للتحرر، بل يصبح وسيلة للضبط. ولا يعود الإيمان علاقة حرة بين الإنسان والمطلق، بل يتحول إلى علاقة سلطة بين إنسان وإنسان آخر، أحدهما يدعي امتلاك الحقيقة، والآخر يطلب منه الامتثال لها.
بدلاً من أن يكون الله مصدراً للأخلاق، يصبح اسمه، في بعض السياقات، غطاءً لانعدام الأخلاق. لأن الفعل، حين يقدم بوصفه إرادة إلهية، يرفع فوق مستوى النقد الأخلاقي. لا يسأل: هل هو عادل؟ هل هو إنساني؟ هل هو مبرر؟ بل يسأل فقط: هل هو "مأمور به"؟ وهكذا، تستبدل المعايير الأخلاقية بمعيار واحد مطلق: معيار الطاعة. وفي هذه اللحظة، لا يعود الضمير الفردي مرجعاً للفعل، بل يصبح مجرد تابع لسلطة خارجية تدعي أنها تمثل المطلق.
وبدلاً من أن يكون الدين طريقاً لتحرير الإنسان من الخوف، ومنحه معنى يتجاوز ضعفه، يتحول، في بعض السياقات، إلى أداة لإعادة إنتاج الخوف نفسه. خوف من الشك، خوف من السؤال، خوف من التفكير خارج الإطار المحدد. لأن السؤال، في هذه البنية، لا ينظر إليه بوصفه بحثاً عن الحقيقة، بل بوصفه تهديداً للنظام القائم. وهكذا، لا يعود الإيمان فضاءً للطمأنينة، بل يصبح إطاراً للضبط، يستخدم لتحديد ما يمكن التفكير فيه، وما لا يمكن التفكير فيه.
إن أخطر ما في هذه العملية ليس فقط أنها تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالله، بل أنها تعيد تشكيل علاقة الإنسان بنفسه. لأنها تنزع منه مسؤوليته الأخلاقية، وتمنحه شعوراً زائفاً بالبراءة. فهو لا يرى نفسه مسؤولاً عن أفعاله، لأنه يعتقد أنه ينفذ إرادة أعلى. لكنه، في الواقع، لا ينفذ إلا تفسيراً بشرياً، تشكل داخل سياق تاريخي معين، وتحت تأثير ظروف سياسية واجتماعية محددة.
وهنا، تصبح المشكلة أكثر وضوحاً: المشكلة ليست في الإيمان ذاته، ولا في فكرة الله بوصفها فكرة روحية، بل في احتكار تفسير هذه الفكرة. في تلك اللحظة التي يدعي فيها إنسان، أو مؤسسة، أو سلطة، أنها تمتلك الفهم النهائي للمطلق، وأن تفسيرها ليس مجرد تفسير، بل الحقيقة نفسها. لأن احتكار التفسير هو، في جوهره، احتكار للسلطة. ومن يحتكر تفسير الله، يحتكر القدرة على تحديد ما هو حق وما هو باطل، ما هو مشروع وما هو محظور، ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي.
إن الله، بوصفه فكرة مطلقة، لا يمكن أن يكون أداة. لكن حين يختزل في خطاب بشري، ويستخدم داخل صراعات بشرية، فإنه يتحول، في الوعي الجمعي، من كونه مصدراً للحقيقة، إلى كونه أداة لتبريرها. ومن هنا، لا يعود السؤال الحقيقي: ماذا يقول الله؟ بل: من هو الذي يتحدث باسمه؟ ولماذا؟ ولأي غاية؟
لأن أخطر أشكال السلطة ليست تلك التي تفرض بالقوة وحدها، بل تلك التي تنجح في إقناع الإنسان بأن الخضوع لها ليس خضوعاً لإنسان آخر، بل خضوع لإرادة الله نفسه.
رابعاً: الغرب، الشرق، والازدواجية الأخلاقية
إن أحد أكثر التناقضات وضوحاً في النظام العالمي المعاصر هو هذه الفجوة العميقة بين اللغة التي تستخدمها القوى السياسية لتقديم نفسها، والواقع الذي تمارسه على الأرض. فالدول، سواء كانت تقدم نفسها بوصفها حارسة للقيم الدينية، أو بوصفها ممثلة للعقلانية والعلمانية الحديثة، لا تتحرك دائماً وفق المبادئ التي تعلنها، بل وفق منطق أعمق وأكثر برودة: منطق المصالح، والنفوذ، والحفاظ على القوة.
ليس من الصدفة أن تصبح الأخلاق جزءاً أساسياً من الخطاب السياسي، لأن السلطة، بطبيعتها، تحتاج إلى ما هو أكثر من القوة كي تستمر. إنها تحتاج إلى شرعية، تحتاج إلى قصة ترويها عن نفسها، تحتاج إلى لغة تجعل أفعالها تبدو ضرورية، بل أخلاقية. وهكذا، يصبح خطاب القيم—سواء كانت هذه القيم دينية أو إنسانية أو قومية—وسيلة لتقديم القوة في صورة مقبولة، بل مشروعة.
في العالم الغربي، الذي يقدم نفسه بوصفه حاملاً لمشعل الحداثة وحقوق الإنسان، تستخدم مفاهيم مثل الحرية، والديمقراطية، وكرامة الإنسان بوصفها مرتكزات أخلاقية للنظام السياسي. غير أن هذا الخطاب، في كثير من الأحيان، يتعايش مع واقع أكثر تعقيداً، حيث يمكن لنفس هذه القوى أن تدعم حروباً، أو تدخلات عسكرية، أو سياسات اقتصادية تؤدي إلى معاناة شعوب بأكملها. وهنا، يظهر التناقض بوضوح: كيف يمكن للغة حقوق الإنسان أن تترافق مع ممارسات تؤدي إلى انتهاك هذه الحقوق؟ كيف يمكن للقيم أن تتحول إلى أداة داخل لعبة المصالح؟
وفي المقابل، في أجزاء أخرى من العالم، حيث تلعب الهوية الدينية دوراً مركزياً في تشكيل الشرعية السياسية، يستخدم الدين بوصفه مصدراً للسلطة، ولغة تمنح النظام السياسي طابعاً مقدساً. لكن هذا الاستخدام، في بعض السياقات، لا يكون تعبيراً عن جوهر الإيمان، بل عن الحاجة إلى شرعية تتجاوز الإنسان. وهكذا، يمكن أن يقدم القمع بوصفه دفاعاً عن العقيدة، ويمكن أن تبرر السيطرة بوصفها حماية للمقدس، ويمكن أن يطلب من الإنسان أن يقبل الظلم بوصفه جزءاً من نظام إلهي.
إن هذا التشابه بين الشرق والغرب، رغم اختلاف لغاتهما الظاهرة، يكشف حقيقة أعمق: أن المشكلة لا تكمن في نوع الخطاب—سواء كان دينياً أو علمانياً—بل في الوظيفة التي يؤديها هذا الخطاب داخل بنية القوة. لأن السلطة، سواء تحدثت باسم الله أو باسم الإنسان، تسعى دائماً إلى تقديم نفسها بوصفها ضرورة، لا خياراً؛ بوصفها حامية للنظام، لا طرفاً فيه.
وهكذا، يصبح الدين، في بعض السياقات، لغة تستخدم لتبرير السلطة، تماماً كما تستخدم مفاهيم مثل الديمقراطية، أو الأمن، أو الاستقرار في سياقات أخرى لنفس الغاية. لا يعود الخطاب، في هذه الحالة، انعكاساً للحقيقة، بل أداة لإنتاجها. لا يعود وسيلة لفهم الواقع، بل وسيلة لإعادة تشكيله بما يخدم مصالح محددة.
لكن من الضروري التمييز هنا بين الإيمان بوصفه تجربة فردية، والدين بوصفه مؤسسة اجتماعية، والدين بوصفه أداة سياسية. فليس كل مؤمن عنيفاً، وليس كل متدين يسعى إلى السيطرة، تماماً كما ليس كل نظام علماني عادلاً، ولا كل خطاب حقوقي صادقاً. إن الخلط بين هذه المستويات المختلفة يؤدي إلى تبسيط مخل، ويخفي الحقيقة الأعمق: أن الإيمان، في جوهره، يمكن أن يكون تجربة أخلاقية تحرر الإنسان من الخوف، لكن حين يدخل في بنية السلطة، يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج هذا الخوف.
إن هذه الازدواجية الأخلاقية—حيث تستخدم القيم لتبرير أفعال تناقضها—تكشف أن الخطاب، مهما كان نبيلاً في ظاهره، لا يمكن أن يكون معياراً للحقيقة في حد ذاته. لأن الحقيقة لا تكمن فيما تقوله السلطة عن نفسها، بل فيما تفعله. لا تكمن في الشعارات التي ترفعها، بل في النتائج التي تنتجها.
ومن هنا، يصبح من الواضح أن الدين، في ذاته، ليس هو المشكلة، كما أن العلمانية، في ذاتها، ليست ضماناً للعدالة. لأن كليهما يمكن أن يتحول إلى أداة داخل بنية القوة. وما يحدد طبيعة هذه الأداة ليس النص، ولا الشعار، بل الإنسان الذي يستخدمها، والغاية التي يسعى إليها.
وهكذا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل هذه السلطة دينية أم علمانية؟ شرقية أم غربية؟ بل: هل تستخدم خطابها لتحرير الإنسان، أم للسيطرة عليه؟ لأن الفرق بين التحرير والسيطرة لا يكمن في اللغة المستخدمة، بل في البنية التي تقف خلف هذه اللغة.
خامساً: الإنسان بين الإيمان والحرية
في جوهره العميق، لا يولد الإيمان من الخوف، بل من الحرية. إنه ليس أمراً يفرض من الخارج، ولا قانوناً يكتب في مؤسسات السلطة، بل تجربة داخلية تنشأ في أعماق الوعي الإنساني، في تلك المساحة الصامتة التي يواجه فيها الإنسان نفسه، ويطرح أسئلته الكبرى حول المعنى، والوجود، والمصير. الإيمان، بهذا المعنى، ليس طاعة، بل اختيار؛ ليس امتثالاً، بل اقتناع؛ ليس استجابة لقوة خارجية، بل تعبير عن حاجة داخلية إلى المعنى.
إن العلاقة بين الإنسان والإيمان، في أصلها، علاقة حرة. لأنها لا تقوم على الإكراه، بل على القناعة؛ لا تقوم على الخوف، بل على الفهم. وحين يكون الإيمان حقيقياً، فإنه لا يحتاج إلى سلطة تحميه، ولا إلى عنف يفرضه، ولا إلى قوانين تجبر الآخرين عليه. لأن ما يولد في الحرية، لا يحتاج إلى القسر كي يستمر. وما ينبع من القناعة، لا يحتاج إلى السيف كي يثبت وجوده.
لكن هذه العلاقة، التي تبدأ بوصفها تجربة فردية حرة، يمكن أن تتحول إلى شيء مختلف تماماً حين تدخل في بنية السلطة. حين لا يعود الإيمان تجربة شخصية، بل يصبح نظاماً سياسياً؛ حين لا يعود خياراً، بل يتحول إلى واجب مفروض؛ حين لا يعود تعبيراً عن الحرية، بل يصبح أداة لضبطها. في هذه اللحظة، يفقد الإيمان طبيعته الأصلية، ويتحول من تجربة روحية إلى نظام اجتماعي، ومن علاقة داخلية إلى بنية خارجية.
إن الإنسان الحر لا يحتاج إلى قتل الآخر كي يؤكد إيمانه، لأن الإيمان، في جوهره، لا يحتاج إلى إثبات خارجي. إنه ليس حقيقة تفرض بالقوة، بل حقيقة تعاش في الداخل. ومن يحتاج إلى العنف كي يحمي إيمانه، لا يحمي الإيمان، بل يحمي خوفه من الشك. لأن الإيمان الذي يعتمد على القوة ليس إيماناً، بل يقين هش يخشى أن ينهار أمام السؤال.
إن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى سيف، لأنه لا يسعى إلى السيطرة، بل إلى الفهم. لا يسعى إلى إخضاع الآخر، بل إلى التعايش معه. إنه لا يرى في الاختلاف تهديداً، بل جزءاً من الطبيعة الإنسانية. لأنه يدرك أن الإيمان، إذا كان حقيقياً، لا يمكن أن يكون نتيجة للإكراه، بل نتيجة للحرية.
ومن هنا، تصبح المشكلة أعمق من مجرد وجود الدين أو غيابه. لأن التاريخ يبيّن أن العنف يمكن أن يوجد باسم الدين، كما يمكن أن يوجد باسم القومية، أو الأيديولوجيا، أو حتى باسم العقل نفسه. المشكلة الحقيقية لا تكمن في الإيمان، بل في غياب الحرية. لأن الحرية وحدها هي التي تسمح للإنسان أن يكون مسؤولاً عن أفعاله، وأن يختار، وأن يفكر، وأن يخطئ، وأن يتعلم.
الحرية لا تعني فقط القدرة على الإيمان، بل أيضاً القدرة على السؤال. لا تعني فقط الحق في الاعتقاد، بل الحق في التفكير. لأنها تعيد الإيمان إلى مكانه الطبيعي: بوصفه خياراً، لا فرضاً؛ بوصفه علاقة، لا نظاماً؛ بوصفه تجربة، لا أداة.
لكن حين يلغى التفكير باسم الإيمان، وحين يطلب من الإنسان أن يطيع دون أن يفهم، وأن ينفذ دون أن يسأل، فإنه لا يفقد حريته فقط، بل يفقد جزءاً من إنسانيته. لأنه يتحول من كائن واعٍ مسؤول، إلى كائن منفذ. ومن ذات حرة، إلى أداة داخل نظام أكبر منه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفقد إيمانه، بل أن يفقد حريته باسم الإيمان. لأن الإنسان، حين يفقد حريته، يفقد القدرة على التمييز بين ما يؤمن به حقاً، وما فرض عليه أن يؤمن به. يفقد القدرة على أن يكون نفسه، ويصبح انعكاساً لإرادة أخرى.
وهكذا، لا يعود السؤال الحقيقي: هل يؤمن الإنسان أم لا؟ بل: هل هو حر في إيمانه؟ لأن الإيمان، حين يولد في الحرية، يمكن أن يكون مصدراً للأخلاق، وللمعنى، وللكرامة. أما حين يولد في الخوف، فإنه يمكن أن يتحول إلى أداة لإلغاء كل ذلك.
إن الإنسان لا يصبح إنساناً لأنه يؤمن، بل لأنه يختار. والحرية، في نهاية المطاف، ليست نقيض الإيمان، بل شرطه الأساسي. لأن الإيمان الذي لا يمر عبر الحرية، لا يكون إيماناً، بل يكون شكلاً آخر من أشكال الطاعة.
في الختام: نحو تحرير المقدّس من قبضة السلطة
ربما لم يكن السؤال الحقيقي، عبر التاريخ، هو: لماذا يستخدم الله لتبرير العنف؟ بل السؤال الأعمق، والأكثر إلحاحاً، هو: كيف أصبح المطلق، الذي يفترض أن يكون خارج كل توظيف بشري، أداة داخل أكثر الصراعات البشرية ضيقاً؟ كيف تحولت فكرة يفترض أنها تمنح الإنسان معنى يتجاوز ضعفه، إلى لغة تستخدم لتكريس هذا الضعف، وإعادة إنتاج الخوف، وإضفاء الشرعية على السيطرة؟
إن تحرير فكرة الله لا يعني نفيها، ولا مهاجمتها، ولا إنكار بعدها الروحي، بل يعني إعادة فصلها عن تلك البنية التي حولتها إلى أداة سلطة. لأن الله، بوصفه فكرة مطلقة، لا يمكن أن يكون ملكاً لمؤسسة، ولا حكراً على سلطة، ولا صوتاً يتحدث بلسان نظام سياسي. إن اللحظة التي تدعي فيها أي سلطة أنها تمثل الله، أو تتحدث باسمه، أو تنفذ إرادته، هي اللحظة التي يتحول فيها المطلق إلى أداة، ويتحول المقدس إلى جزء من نظام القوة.
إن إعادة الدين إلى مكانه الطبيعي تعني إعادة الاعتراف به بوصفه تجربة فردية، لا نظاماً مفروضاً؛ بوصفه علاقة داخلية بين الإنسان والمعنى، لا علاقة خارجية بين الإنسان والسلطة. لأن الدين، في جوهره، لم يولد ليكون أداة للسيطرة، بل محاولة لفهم الوجود. لم يولد ليغلق باب السؤال، بل لفتحه. لم يولد ليمنح الإنسان يقيناً قسرياً، بل ليمنحه أفقاً للتأمل.
إن التاريخ، حين يقرأ بعمق، لا يكشف عن صراع بين الإيمان والإلحاد، بقدر ما يكشف عن صراع بين الحرية والسلطة. لأن المشكلة لم تكن يوماً في الله، بل في الإنسان الذي يدعي احتكار صوته. لم تكن في الإيمان، بل في تلك اللحظة التي يتحول فيها الإيمان إلى أيديولوجيا مغلقة، تستخدم لتحديد ما يجب أن يفكر فيه، وما يجب أن يرفض. لم تكن في النص، بل في تحويل النص من مجال للفهم إلى أداة لإلغاء الفهم.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمقدس ليس أن يرفض، بل أن يستخدم. لأن الرفض يبقيه فكرة خارج السلطة، أما الاستخدام فيدخله داخلها، ويحوله من أفق للمعنى إلى أداة للضبط. ومن هنا، فإن تحرير الإنسان لا يمر عبر تدمير فكرة الله، بل عبر تحريرها من أولئك الذين يستخدمونها لتبرير السيطرة.
وفي النهاية، لا يبقى أمام الإنسان إلا مواجهة هذا السؤال المفتوح، الذي لم يحسم بعد، والذي سيظل يتردد ما دامت العلاقة بين الإيمان والسلطة قائمة: هل سيبقى الله أداة في يد القوة، اسماً يستخدم لتبرير ما لا يمكن تبريره؟ أم سيعود، كما كان في لحظته الأولى داخل الوعي الإنساني، فكرة تمنح الإنسان القدرة على تجاوز خوفه، لا أداة لإنتاج هذا الخوف؟
إن الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في النصوص، ولا في المؤسسات، بل في الإنسان نفسه. في قدرته على أن يميز بين الإيمان بوصفه تجربة تحرر، والإيمان بوصفه أداة سيطرة. في قدرته على أن يدرك أن المقدس، حين يتحول إلى أداة في يد السلطة، يفقد طبيعته، لكنه، حين يعود إلى فضائه الحر، يمكن أن يصبح مرة أخرى ما كانه في الأصل: أفقاً مفتوحاً للمعنى، لا قيداً على الحرية.