بقلم: د. عدنان بوزان
للحياة وجوه لا ترى إلا حين نمتلك شجاعة الخروج من القطيع، وحين نرفض أن نكون صدىً لما قيل، أو ظلاً لما فرض. نحن أبناء لحظةٍ لا تحتمل التكرار، لحظةٍ تطالبنا بأن نقول كلمتنا لا بوصفها انفعالاً عابراً، بل موقفاً واعياً، ومسؤوليةً أخلاقية، وخياراً تاريخياً.
لسنا دعاة فوضى، ولا أنبياء حروب، بل أبناء ضميرٍ حين يستيقظ يصبح أشدَّ من السلاح، وأصدقَ من الشعارات. فالمعارك الحقيقية لا تبدأ في الشوارع، بل في العقول؛ ولا تحسم بالضجيج، بل بالبصيرة. وحين تتقد الضمائر، تنهض الحقيقة من تحت الركام، وتستعيد الكلمة معناها، ويغدو الصمت خيانةً لا حياداً.
نعم، الفساد حقيقة، والإرهاب واقع، وهما ليسا أوهاماً لغوية ولا فزاعات سياسية. لكن الأخطر منهما هو تحويلهما إلى سلعة سياسية، وإلى ذريعة لتصفية الحسابات، أو جسراً يعبر عليه الطامحون إلى سلطتهم الخاصة. ليست الحكمة في التهويل الذي يصنع الهلع، ولا في التهوين الذي يقتل الوعي، بل في مقاربةٍ عقلانية ترى الخلل بوضوح، وتواجهه بلا استثمار رخيص ولا إنكار مريب.
لسنا بحاجة إلى مزيد من اللاعبين على مسرح الوطن، ولا إلى استعراضات قوة حزبية تتصارع فوق أنقاض المجتمع. ما نحتاجه هو عملٌ هادئ، شجاع، ونظيف، يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها عقداً أخلاقياً جامعاً، لا غنيمةً تتقاسمها القوى والنفوذ.
ولنكن صادقين مع أنفسنا: الوطن ليس استثناءً في عالمٍ تمزقه الحروب والأزمات والفساد. غير أن الفارق تصنعه الإرادة السياسية والوعي المجتمعي. فإما أن نتعامل مع أوجاعنا بوصفها قدراً أبدياً، أو نحولها إلى وعيٍ منتج، وإصلاحٍ حقيقي، ونهضةٍ لا تقوم على الإنكار ولا على التبرير، بل على الاعتراف والمساءلة والبناء.
هذه ليست لحظة انبهار بالمأساة، بل لحظة اختبار للمعنى. فإما أن نكون شهوداً صامتين على تآكل الوطن، أو شركاء واعين في إنقاذه. هنا فقط، يكون لنا رأي … وتستعيد الكلمة وزنها، ويغدو للمستقبل ملامح ممكنة.