ما كشفته وكالة رويترز لا يمكن التعامل معه بوصفه خبراً عابراً أو مجرد تسريب صحفي، بل يجب قراءته في سياق أعمق، بوصفه جزءاً من آلية اشتغال السياسة الدولية حين تقرر القوى الكبرى إعادة ترتيب الجغرافيا على حساب الشعوب الضعيفة. نحن أمام مشهد لا تدار فيه الأحداث وفق منطق التحالفات المعلنة، بل وفق موازين مصالح متحركة، تستبدل فيها الأدوات عند أول منعطف، ويُتخلى عن الحلفاء بلا أي حرج أخلاقي أو سياسي.
اللافت في ما ورد ليس مضمون الاجتماعات فحسب، بل طريقة إدارتها: تعدد العواصم، تداخل الأدوار، وتوزيع المسؤوليات على نحوٍ يضمن ألا يتحمل أحد عبء القرار النهائي. باريس، بغداد، دمشق… جميعها محطات في مسار واحد، هدفه إدارة الزمن ضد مناطق روج آفا، ودفع الكورد إلى حالة انتظار وارتهان سياسي، تمهيداً للحظة كسر التوازن وفرض الوقائع بالقوة.
الحديث عن تشجيع الكورد على تأخير الاتفاق مع دمشق يكشف بوضوح أن المسألة لم تكن بحثاً عن حل، بل عن تعطيل متعمد لأي حل محتمل. فالتأخير هنا لم يكن تكتيكاً تفاوضياً، بل أداة إنهاك سياسي، استخدمت لإفراغ الموقف الكوردي من أي هامش مناورة، وتركه مكشوفاً أمام الضغوط العسكرية والسياسية في آنٍ واحد. حين يدار الوقت من الخارج، يتحول القرار المحلي إلى تفصيل ثانوي لا وزن له.
الموقف الأمريكي، كما نقلته رويترز، يعد الأكثر فجاجة في هذا السياق. فحين يقال لقائد قوة حليفة إن مصلحة واشنطن لم تعد معه، فإن ذلك يعني عملياً نهاية مرحلة وبداية أخرى، بلا اعتذار وبلا بدائل. الأخطر أن هذا التحول لم يطرح بوصفه نقاشاً سياسياً، بل فُرض كأمر واقع، ترافق مع إشارات واضحة بضرورة الانسحاب وسحب القوات، وكأن الوجود الكوردي بات عبئاً يجب التخلص منه، لا شريكًا ساهم في صناعة الوقائع الميدانية خلال سنوات طويلة.
أما تركيا، فقد أدت دور المنفذ الواثق من الغطاء الدولي. لم تنتظر إعلاناً رسمياً، ولم تطلب ضمانات مكتوبة؛ كان يكفي أن تنقل إليها إشارة الضوء الأخضر، حتى تبدأ بترجمتها ميدانياً. أما شرط “حماية المدنيين” في هذا السياق، فلا يتجاوز كونه عبارة تجميلية تستخدم لتخفيف الكلفة الإعلامية، لا لمنع الجريمة السياسية والعسكرية ذاتها.
في المقابل، لا يغير النفي الإسرائيلي من جوهر الصورة شيئاً. فالمشاركة في الاجتماعات الحساسة، وعدم الاعتراض على الطرح، يضعان إسرائيل في موقع الشريك الصامت لا الطرف المحايد. وفي منطق السياسة، الصمت في لحظة القرار لا يعني الحياد، بل يعد شكلاً من أشكال الموافقة المؤجلة الصياغة.
ما يجري في روج آفا لا يمكن اختزاله في استهداف قوة عسكرية، بقدر ما هو استهداف مباشر لتجربة سياسية حاولت الخروج عن النموذج القومي الصلب، وقدمت شكلاً مختلفاً للإدارة والتمثيل والشراكة بين المكونات. وهذا بالضبط ما جعلها تجربة غير مرغوب بها إقليمياً ودولياً، لأنها لا تدار بسهولة، ولا تختزل في كونها ورقة مؤقتة قابلة للاستخدام ثم الرمي.
الخطير في هذا المشهد أن الكورد، مرة أخرى، وضعوا خارج معادلة القرار النهائي. يطلب منهم الصبر حيناً، والتنازل حيناً آخر، والانسحاب تحت عنوان الواقعية السياسية، بينما تحسم مصائرهم في غرف مغلقة، وبخطاب مزدوج لا يقول ما يفعل، ولا يفعل ما يعلن.
ما وراء هذا الخبر ليس مجرد اتفاق محتمل أو هجوم عابر، بل رسالة سياسية قاسية مفادها أن السياسة الدولية لا تعترف بالضحايا، ولا تمنح ضمانات لمن لا يمتلك عناصر قوة مستقلة. إنها لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لروج آفا، بل لكل من لا يزال يعتقد أن التحالفات الكبرى تبنى على الأخلاق لا على المصالح.