بقلم: د. عدنان بوزان
القضية الكوردية في سوريا لا يمكن قراءتها خارج ميزان القوى الإقليمي، كما لا يمكن اختزالها في سؤال واحد من نوع: هل يحق للكورد المطالبة بإقليم أم لا؟ فهذا السؤال، على أهميته، يختزل قضية تاريخية وسياسية ودستورية معقدة في شكل واحد من أشكال الحكم، بينما جوهر القضية أعمق من التسمية؛ فالشعب الكوردي في سوريا من حقه أن يحصل على حقوقه القومية والسياسية والثقافية واللغوية كاملة، وأن تثبت هذه الحقوق في الدستور بصورة صريحة تمنع أي سلطة مستقبلية من إنكارها أو الانتقاص منها، لكن الاعتراف بالحق شيء، واختيار الشكل السياسي والتوقيت القادرين على تحويله إلى واقع مستقر شيء آخر. ومن هنا فإن القول إن إعلان إقليم كوردستان سوريا ليس بالضرورة الخيار السياسي الأنسب في هذه المرحلة لا يعني التخلي عن القضية الكوردية، ولا القبول بحقوق منقوصة، ولا الدفاع عن السلطة السورية، وإنما يعني التمييز بين مشروعية الحق وإمكان تحقيقه وتثبيته في ظرف تاريخي محدد.
سوريا اليوم ليست دولة مستقرة ومتماسكة خرجت من تحول سياسي طبيعي، بل دولة خارجة من حرب طويلة، ومؤسساتها ما تزال في طور إعادة البناء، وموازين القوى فيها لم تستقر بصورة نهائية، وتتداخل في مستقبلها مصالح إقليمية ودولية متعددة. ولذلك فإن طرح إقامة إقليم قومي كوردي في هذه اللحظة يحتاج إلى قراءة سياسية دقيقة، لا لأن الحق في مناقشة هذه الصيغة غير موجود، وإنما لأن تحويلها فوراً إلى معركة مركزية قد يضع القضية الكوردية أمام مجموعة من القوى الرافضة لها قبل أن تكون سوريا نفسها قد بنت إطاراً دستورياً قادراً على استيعابها. وفي مثل هذا الظرف، قد يكون تثبيت الحقوق الكوردية كاملة في الدستور، والانتقال إلى نظام سياسي لا مركزي يمنح المناطق الكوردية صلاحيات حقيقية في الإدارة والتعليم والثقافة والاقتصاد والتمثيل السياسي، أكثر قابلية للتحقق والتثبيت من تحويل اسم «الإقليم» إلى شرط مسبق لأي تسوية.
وهنا لا بد من قول الحقيقة السياسية بوضوح: ليس كل ما هو حق يجب أن يتحول بالضرورة إلى معركة في اللحظة نفسها، وليس تأجيل شكل من أشكال المطالبة تنازلاً عن أصل الحق. فالسياسة ليست مجرد إعلان الأهداف، وإنما معرفة كيف تتحول الأهداف إلى مؤسسات وقوانين وضمانات، وكيف تنتزع الحقوق من دون أن تتحول طريقة المطالبة بها إلى عامل يؤدي إلى إجهاضها. وإذا كان مضمون الإقليم يعني إدارة ديمقراطية حقيقية، وصلاحيات تشريعية وإدارية واسعة، وحماية اللغة والثقافة، وانتخاب المؤسسات المحلية، وتوزيعاً عادلاً للموارد، وضمانات دستورية للعلاقة بين المركز والمناطق، فإن السؤال السياسي يصبح: هل يمكن تحقيق هذه المضامين الآن ضمن صيغة لامركزية دستورية متقدمة، مع إبقاء الخيارات الأخرى، ومنها الفيدرالية أو الإقليم، ضمن تطور العملية الدستورية والسياسية؟ وهنا يصبح مضمون السلطة أهم من الاسم الذي تحمله.
لكن أي تحليل للقضية الكوردية السورية يتجاهل تركيا سيكون ناقصاً. فتركيا ليست مجرد دولة مجاورة، بل قوة إقليمية ذات حدود طويلة مع سوريا، ومصالح أمنية وسياسية وعسكرية مباشرة، وقد لعب موقفها من القوى الكوردية السورية دوراً أساسياً في تشكيل جزء من البيئة التي تتحرك فيها القضية الكوردية. ويمكن للكورد أن يرفضوا الدور التركي في سوريا، وأن يعارضوا سياساتها تجاه القضية الكوردية، وأن يطالبوا بخروج أي نفوذ عسكري أجنبي من الأراضي السورية، لكن رفض السياسة التركية لا يعني تجاهل قدرتها على التأثير في الواقع السوري. وفي المقابل، فإن الاعتراف بهذا التأثير لا يعني منح أنقرة حق الفيتو على حقوق الشعب الكوردي؛ فالواقعية السياسية تعني معرفة موازين القوة لا الخضوع لها، والذكاء السياسي لا يكمن في استفزاز قوة إقليمية بلا حساب، كما لا يكمن في الاستسلام لها، وإنما في بناء صيغة تجعل الحقوق الكوردية جزءاً من الحل السوري بحيث يصعب إسقاطها أو تحويلها إلى ذريعة لصراع إقليمي جديد.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من الحسابات التي تواجه دمشق. وليس من المنهجي افتراض أن أحمد الشرع يريد حرمان الكورد من حقوقهم، كما ليس من المنهجي افتراض أنه مستعد تلقائياً لمنحهم كامل مطالبهم؛ فالمواقف السياسية لا تقاس بالنوايا المفترضة، وإنما بما يرد في الدستور والاتفاقات والسياسات وآليات التنفيذ. لكن من الممكن سياسياً أن تكون لدى دمشق مخاوف حقيقية من رد الفعل التركي إذا اتجهت المطالب الكوردية في هذه المرحلة إلى صيغة إقليم قومي، ولا سيما في ظل هشاشة الدولة السورية وحساسيات المرحلة الانتقالية. وهذا لا يعفي دمشق من مسؤوليتها، ولا يعطيها مبرراً لرفض الحقوق الكوردية، بل يضعها أمام اختبار حقيقي: إذا كانت تريد الحفاظ على وحدة سوريا، فعليها أن تقدم للكورد ضمانات دستورية ومؤسساتية تجعل الوحدة قائمة على الشراكة لا على المركزية والإنكار.
وفي المقابل، ينبغي أن تطرح الحركة السياسية الكوردية على نفسها سؤالاً أكثر صعوبة: هل من الحكمة السياسية أن يصبح إعلان إقليم كوردستان سوريا هو المعركة الأساسية الآن، في حين أن أكثر من أربعين مليون كوردي في تركيا، وفق التقديرات المتداولة، ما زالوا يواجهون تعقيدات كبيرة في الوصول إلى حل سياسي شامل لقضيتهم، وفي حين يعيش الكورد في إيران أيضاً أوضاعاً سياسية وحقوقية معقدة؟ إن طرح هذا السؤال لا يعني إطلاقاً أن حقوق كورد سوريا مشروطة بحصول كورد تركيا أو إيران على حقوقهم أولاً؛ فالحقوق لا تتجزأ من حيث المبدأ، ولكل جزء من كوردستان ظروفه الخاصة، ولا يجوز مطالبة كورد سوريا بالانتظار حتى تحل قضايا الآخرين. لكن القضية الكوردية في عمقها قضية إقليمية، وموازين القوة في جزء منها تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الأجزاء الأخرى، ولذلك فإن المشروع الكوردي السوري لا ينبغي أن يعيش منفصلاً عن الواقع الكوردي والإقليمي الأوسع.
المطلوب إذن ليس أن يقول كورد سوريا: سننتظر حتى يحصل كورد تركيا وإيران على حقوقهم، فهذا يعني تعليق قضيتهم إلى أجل غير معلوم، وإنما أن يتحركوا في الاتجاهين معاً: الدفاع عن حقوقهم الدستورية والسياسية الآن، والعمل على دعم تحول القضية الكوردية في المنطقة من قضية أمنية إلى قضية حقوق وحريات واعتراف سياسي، بحيث تتغير البيئة الإقليمية تدريجياً. فكل تقدم في الحقوق والحريات الكوردية في تركيا وإيران يغير جزءاً من البيئة التي تتحرك فيها القضية الكوردية السورية، كما أن نجاح الكورد في سوريا في تثبيت حقوقهم دستورياً يمكن أن يشكل بدوره سابقة سياسية مهمة، من دون أن يعني ذلك أن تجارب الأجزاء الأربعة قابلة للنسخ أو أن لها المسار نفسه.
ولهذا فإن المطلوب من كورد سوريا في هذه المرحلة ليس خفض سقف حقوقهم، وإنما إعادة ترتيب أولوياتهم السياسية. الأولوية ينبغي أن تكون لاعتراف دستوري صريح بالشعب الكوردي، وضمان حقوقه القومية واللغوية والثقافية والسياسية، وإنهاء آثار سياسات الإنكار والتعريب والتغيير الديموغرافي، وضمان تمثيل سياسي عادل، وبناء إدارة محلية ديمقراطية ذات صلاحيات حقيقية، وضمان توزيع عادل للموارد، ومنع أي سلطة مستقبلية من العودة إلى السياسات التي أنتجت المشكلة تاريخياً. فإذا تحقق ذلك ضمن دولة سورية لا مركزية وديمقراطية، فإن جوهر جزء كبير من المطالب الكوردية يكون قد تحول من شعار سياسي إلى حق دستوري ومؤسسة قائمة.
أما الفيدرالية أو الإقليم، فلا ينبغي إلغاؤهما من النقاش، كما لا ينبغي تحويلهما إلى عقيدة سياسية مغلقة لا تقبل أي صيغة أخرى. فقد تتغير سوريا، وتتغير موازين القوى، وتتغير البيئة الإقليمية، وقد يصبح شكل معين من أشكال الحكم أكثر قابلية للتحقق في مرحلة لاحقة. ولذلك فإن الموقف السياسي الأكثر نضجاً ليس التخلي عن الخيارات المستقبلية، وإنما عدم جعل أحدها شرطاً وحيداً لتحقيق أصل الحقوق في المرحلة الراهنة.
وهنا أيضاً يجب أن تكون دمشق واضحة: لا يمكن أن تطلب من الكورد التخلي عن فكرة الإقليم أو الفيدرالية ثم تقدم لهم في المقابل مركزية الدولة القديمة. لا يمكن أن تكون وحدة سوريا ذريعة لإنكار التنوع القومي، كما لا يمكن أن تكون المطالبة بالحقوق الكوردية ذريعة لتفكيك الدولة. المعادلة التي تحتاجها سوريا هي دولة موحدة في سيادتها وحدودها، ومتعددة في هوياتها، ولا مركزية في إدارتها، وديمقراطية في مؤسساتها، ودستورية في ضمان حقوق شعبها ومكوناتها. وفي مثل هذه الصيغة لا تصبح اللامركزية تهديداً لوحدة الدولة، بل إحدى وسائل إعادة بنائها على أساس الثقة والشراكة.
إن القضية الكوردية لا تحتاج اليوم إلى صراع بين الحق والواقعية، بل إلى واقعية تحمي الحق. فالخطأ ليس في المطالبة بالحقوق، وإنما في الاعتقاد أن رفع سقف المطالب وحده يكفي لتحقيقها. كما أن الخطأ المقابل هو الاعتقاد أن صعوبة اللحظة تعني التخلي عن الحقوق. بين الطرفين توجد السياسة: أن تعرف الحركة السياسية ماذا تريد، وما الذي يمكن تثبيته، وكيف تنتقل من المطالبة إلى التفاوض، ومن التفاوض إلى الدستور، ومن الدستور إلى المؤسسات، ومن المؤسسات إلى واقع سياسي لا يستطيع تغييره أي نظام بمجرد تغير السلطة.
لذلك فإن القضية الكوردية في سوريا تحتاج إلى مشروع يتجاوز سؤال «الإقليم الآن» إلى سؤال أعمق: كيف نبني وضعاً دستورياً وسياسياً يجعل حقوق الشعب الكوردي غير قابلة للإنكار، ويمنحه قدرة حقيقية على إدارة شؤونه، ويحافظ في الوقت نفسه على إمكانية تطوير شكل الدولة السورية مستقبلاً وفق تغير الظروف؟ هذا ليس تراجعاً عن المشروع القومي، بل نقل له من مستوى الشعار إلى مستوى الدولة. وليس دفاعاً عن دمشق، ولا استسلاماً لأنقرة، بل محاولة لبناء معادلة سياسية تمنع الطرفين معاً من تحويل الكورد إلى ورقة في صراعاتهما.
وفي النتيجة، لا ينبغي لكورد سوريا أن يتخلوا عن حقهم في تقرير شكل مستقبلهم السياسي، لكن عليهم أن يدركوا أن الحق لا يحمي نفسه، وأن الشرعية وحدها لا تصنع القوة، وأن القوة وحدها لا تصنع الدولة. ما يحمي القضية هو تحويلها إلى مشروع دستوري ومؤسسي وإقليمي متدرج، يعرف أن سوريا ليست تركيا، وأن تركيا ليست إيران، وأن العراق ليس سوريا، وأن لكل جزء من كوردستان شروطه الخاصة، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن مصائر هذه الأجزاء ليست منفصلة تماماً. ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست على اسم الإقليم بقدر ما هي على مضمون السلطة، وليست على رفع سقف المطالب بقدر ما هي على القدرة على تثبيتها، وليست بين القضية الكوردية ووحدة سوريا، بل بين نموذج دولة تنكر تعددها ونموذج دولة تعترف به وتبني وحدتها على أساسه. فالواقعية السياسية، حين تكون في خدمة الحق، ليست تراجعاً عن القضية؛ بل قد تكون الطريق الأكثر قدرة على تحويل الحق الكوردي من مطلب قابل للمساومة إلى حقيقة دستورية وسياسية راسخة.