بقلم: د. عدنان بوزان
لسنا هنا أمام سؤالٍ بسيط يتعلق بمكانة شخصٍ متعلم، أو كاتب، أو أكاديمي داخل المجتمع، بل أمام سؤالٍ أعمق يمس طبيعة العلاقة بين المعرفة والمجتمع الكوردي، وبين العقل والبيئة الاجتماعية، وبين الإنسان الذي يفكر بصورة مستقلة والجماعة التي اعتادت، في كثير من الأحيان، أن تنظر إلى الاختلاف بوصفه خروجاً عن المألوف.
لماذا يشعر بعض المثقفين الكورد بأنهم غرباء داخل مجتمعهم؟ ولماذا يتحول الإنسان الذي يمتلك معرفةً ورؤيةً مختلفة، بدلاً من أن يكون مصدراً للقوة والإضافة إلى شخصٍ يجد نفسه مضطراً إلى الدفاع المستمر عن نفسه، وعن أفكاره، وحتى عن سلامة عقله؟
هذه أسئلة لا ينبغي الهروب منها، ولا ينبغي، في الوقت نفسه، تحويلها إلى اتهامٍ للشعب الكوردي كله؛ فالشعب الكوردي ليس كتلةً واحدة، ولا يمكن اختزال ثقافته وتاريخه وتجربته في صورةٍ واحدة. لكن النقد الحقيقي يبدأ عندما نمتلك الشجاعة للنظر إلى عيوبنا كما ننظر إلى عيوب الآخرين.
إن إحدى المشكلات التي تستحق التوقف عندها هي أن المجتمع قد يحتفي أحياناً بالشعارات أكثر مما يحتفي بالمعرفة، وبالصوت المرتفع أكثر مما يحتفي بالفكرة، وبالانتماء الجماعي أكثر مما يحتفي بالاستقلال الفكري.
وقد تجد شخصاً يتحدث كثيراً عن الثقافة والعلم والنهضة، لكنه لا يحتمل رأياً يخالف رأيه؛ يرفع شعار الحرية، لكنه يضيق بالناقد؛ ويتحدث عن مستقبل الشعب، لكنه لا يمنح صاحب الفكر المختلف مساحةً كافيةً للكلام.
وهنا تظهر المفارقة.
كيف يمكن لمجتمعٍ أن يطالب بالحرية السياسية والفكرية، بينما لا يستطيع أفراده تحمل الاختلاف داخل بيئتهم الاجتماعية؟
كيف يمكن أن نطالب الآخرين باحترام هويتنا وثقافتنا، بينما لا نحسن دائماً احترام الإنسان الكوردي المختلف في الرأي والرؤية؟
وكيف يمكن أن نتحدث عن بناء مستقبلٍ جديد، إذا كنا نعيد إنتاج العقلية نفسها التي تجعل السؤال مصدر إزعاج، والنقد إساءةً، والمثقف شخصاً مشكوكاً في أمره؟
إن المشكلة ليست في أن يكون المثقف مختلفاً.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الاختلاف نفسه مشكلة.
فالمثقف لا يعيش من أجل التصفيق، ولا ينبغي له أن يتحول إلى بوقٍ للجماعة، أو تابعٍ للحزب، أو أسيرٍ للمزاج الاجتماعي. وظيفته الأساسية أن يسأل حين يصمت الآخرون، وأن يشكك حين تتحول الأفكار إلى مسلمات، وأن يقول ما يراه صحيحاً، حتى عندما يكون قوله غير مريح.
ولهذا فإن المثقف الكوردي الذي يمارس دوره الحقيقي قد يجد نفسه في مواجهة أكثر من جهة في الوقت نفسه: سلطة السياسة، وضغط الجماعة، وسوء فهم المجتمع، وأحياناً عزلة الوسط الثقافي نفسه.
والأخطر من ذلك أن النقاش حول أفكاره قد يتحول إلى نقاش حول شخصه.
فبدلاً من أن يسأل: ماذا قال؟ وهل فكرته صحيحة أم خاطئة؟ قد يسأل: من هو؟ وإلى أي جهة ينتمي؟ ولماذا يختلف؟ وما مصلحته؟ ولماذا يتحدث بهذه الطريقة؟
وهكذا تنتقل المعركة من الفكرة إلى صاحبها.
وقد تكون هذه أسهل وسيلةٍ لقتل أي فكرة قبل أن تصل إلى المجتمع؛ فبدلاً من تفنيد الحجة، يجري تشويه صاحبها، وبدلاً من مناقشة الرأي، يجري الطعن في صاحبه، وبدلاً من مواجهة السؤال، يجري اتهام من طرحه.
وأحياناً يصل الأمر إلى وصف الإنسان المختلف بأنه مجنون، أو غير متزن، أو منفصل عن الواقع، لمجرد أنه لا يفكر بالطريقة التي اعتادها المحيطون به.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق: لماذا؟
هل لأن الإنسان فقد عقله فعلاً، أم لأن المجتمع لم يتعلم بعد كيف يتعامل مع عقلٍ لا يشبه العقول السائدة؟
ليس كل مختلفٍ مجنوناً، وليس كل ناقدٍ حاقداً، وليس كل من يرفض الانسياق وراء الجماعة متكبراً أو خائناً أو منفصلاً عن الواقع.
أحياناً يكون الإنسان مختلفاً لأنه يرى ما لا يراه الآخرون.
وأحياناً يكون صمته أبلغ من كلامه؛ لأن صمته ناتج عن إدراكه أن المجتمع لا يريد أن يسمع.
وهنا تكمن مأساة المثقف الكوردي: أن يعيش في مجتمعٍ ينتمي إليه وجدانياً وتاريخياً، لكنه قد يشعر بالغربة داخله فكرياً.
إنه يعرف لغته، وتاريخه، وقضيته، وأوجاع شعبه، لكنه قد لا يجد دائماً البيئة التي تسمح له بأن يكون نفسه.
وقد يكون أكثر ما يؤلم المثقف ليس أن يرفض، وإنما أن يساء فهمه.
فالمثقف لا يريد امتيازاً خاصاً، ولا يريد أن يكون فوق المجتمع، ولا يريد أن يعامل بوصفه إنساناً أفضل من الآخرين. كل ما يريده هو أن تناقش أفكاره كما هي، وأن يسمح له بأن يخطئ ويصيب، وأن يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى محاكمة اجتماعية.
إن المجتمع الذي يحترم المثقف لا يعني أنه يوافقه دائماً. على العكس، قد يختلف المجتمع الواعي مع المثقف بشدة، لكنه يختلف معه بالحجة لا بالإهانة، وبالنقاش لا بالتشويه، وبالنقد لا بالإقصاء.
وهنا نصل إلى نقطة أكثر أهمية: المثقف نفسه ليس بريئاً دائماً.
فكما أن المجتمع مطالب بمراجعة علاقته بالمثقف، فإن المثقف الكوردي مطالب أيضاً بمراجعة نفسه. فليس كل من يحمل شهادةً مثقفاً، وليس كل من يكتب مقالاً صاحب مشروعٍ فكري، وليس كل من يرفع صوته ناقداً للآخرين قادراً على ممارسة النقد الذاتي.
المثقف الحقيقي لا يكتفي بانتقاد المجتمع؛ بل ينتقد نفسه، وينتقد النخبة، وينتقد الأحزاب، وينتقد الثقافة السائدة، وينتقد حتى الأفكار التي ينتمي إليها عندما يرى أنها أصبحت عائقاً أمام الحقيقة.
ومن هنا تبدأ الثقافة الحقيقية.
إننا لا نحتاج إلى مثقفٍ يصفق له الجميع، كما لا نحتاج إلى مجتمعٍ يرفض كل مثقفٍ مختلف. ما نحتاجه هو مجتمعٌ يستطيع أن يحتمل المثقف، ومثقفٌ يستطيع أن يحتمل النقد.
نحتاج إلى ثقافةٍ لا تسأل أولاً: «مع من أنت؟»، وإنما تسأل: «ماذا تقول؟».
نحتاج إلى مجتمعٍ لا يحاكم الإنسان من خلال انتمائه، بل يناقش فكرته.
نحتاج إلى ثقافةٍ يصبح فيها الاختلاف مصدراً للثراء، لا سبباً للعداء.
فالشعب الذي يريد أن يبني مستقبله لا يستطيع أن يعيش بعقليةٍ تخاف من السؤال.
والشعب الذي يريد أن يحافظ على هويته لا ينبغي أن يخاف من النقد؛ لأن الهوية التي لا تحتمل النقد تتحول إلى قفص، والثقافة التي لا تقبل المراجعة تتحول إلى عادة، والقضية التي لا تسمح بالسؤال تتحول إلى شعار.
إن مستقبل الشعب الكوردي لا يحتاج إلى مزيدٍ من الأصوات المتشابهة بقدر ما يحتاج إلى عقولٍ مختلفة.
يحتاج إلى المؤرخ الذي يراجع التاريخ، والمفكر الذي يسأل، والكاتب الذي ينتقد، والأكاديمي الذي يبحث، والشاعر الذي يعبر، والإنسان العادي الذي يمتلك الشجاعة ليقول: «أنا لا أتفق».
هذه ليست مشكلة؛ هذه هي الحياة.
المشكلة الحقيقية أن يصبح الجميع متفقين لأنهم يخافون من الاختلاف.
وحين يصبح المثقف غريباً في مجتمعه، فهذه ليست خسارة المثقف وحده؛ إنها خسارة المجتمع نفسه؛ لأن المجتمع الذي يدفع أبناءه الأكثر وعياً إلى العزلة، أو إلى الصمت، أو إلى الهجرة، أو إلى الانسحاب من الشأن العام، يخسر جزءاً من قدرته على التفكير في مستقبله.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يختلف المثقف الكوردي عن مجتمعه؟
بل ربما ينبغي أن نسأل:
لماذا لا يستطيع المجتمع الكوردي دائماً أن يستفيد من أبنائه الذين يختلفون معه؟
إنها مسألة تستحق أن نناقشها بلا خوف، وبلا مجاملة، وبلا اتهامات جاهزة.
فلا يمكن بناء مجتمعٍ حر بعقولٍ خائفة، ولا يمكن بناء نهضةٍ ثقافية إذا كان المثقف يدفع ثمناً اجتماعياً لمجرد أنه يفكر، ولا يمكن بناء مستقبلٍ مختلف إذا كنا نطلب من الإنسان أن يتنازل عن اختلافه حتى يحصل على القبول.
إن أردت أن يعيش الإنسان الكوردي حراً، فعليه ألا يخضع لسطوة الجهل، وألا يساوم على عقله أو كرامته.
فالجهل لا يبني وطناً، ولا يصون كرامةً، ولا يصنع مستقبلاً.
ولنا في هذه المسألة رأي آخر.