بقلم: د. عدنان بوزان
نحن شعبٌ لا يهزم؛ ليس لأننا لم نهزم في لحظاتٍ من التاريخ، بل لأننا لم نقبل الهزيمة قدراً نهائياً، ولم نسمح لها أن تتحول إلى هويةٍ ثابتة تعرفنا. فالهزيمة، في معناها العميق، ليست حدثاً عسكرياً أو سياسياً عابراً، بل هي لحظة استسلامٍ داخلي، لحظة قبولٍ بالانمحاء، ولحظة اعترافٍ ضمني بأننا لم نعد نستحق أن نكون. وهذه اللحظة تحديداً لم تحدث في الوعي الكوردي، رغم كل ما تعرض له من كوارث تاريخية متراكمة.
إن خصوصية التجربة الكوردية لا تكمن فقط في حجم المظلومية، بل في القدرة على تحويل هذه المظلومية إلى وعيٍ تاريخي مستمر. نحن أبناء الألم الذي لم يكسرنا، بل أعاد تشكيلنا، وأبناء الجغرافيا التي حاولت أن تبتلعنا فحولناها إلى معنى، إلى هوية، إلى انتماءٍ لا يختزل في حدودٍ سياسيةٍ مصطنعة. كل جرحٍ فينا لم يبقَ جرحاً، بل تحول إلى ذاكرة، وكل ذاكرةٍ غدت شكلاً من أشكال المقاومة، وكل مقاومةٍ أصبحت فعلاً وجودياً يؤكد أننا ما زلنا هنا.
نحن الكورد لسنا طارئين على هذه الأرض، ولسنا عابرين في صفحات التاريخ كما حاولت بعض السرديات القومية أن تصورنا. نحن جزءٌ أصيل من بنية هذه المنطقة، من تاريخها العميق، ومن تفاعلاتها الحضارية. جذورنا أعمق من الخرائط التي رسمت بعد الحروب، وأبقى من الحدود التي فرضت بقوة الاتفاقيات الدولية، وأصدق من الروايات التي كتبت عنا دون أن نكون شركاء في صياغتها. إن تاريخنا ليس مجرد سردٍ للأحداث، بل هو صراعٌ مستمر من أجل الاعتراف، ومن أجل الوجود، ومن أجل أن نكون فاعلين لا مجرد موضوعٍ للسياسات.
حين يقال لنا: "اسلكوا الطريق الصحيح"، فإن هذا القول لا يحمل في جوهره نصيحةً بريئة، بل يفترض ضمناً وجود جهةٍ تحتكر الحقيقة، وتمنح نفسها حق تحديد المسار، وتضع ذاتها في موقع الوصاية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يملك تعريف "الطريق الصحيح"؟ وهل يمكن لطريقٍ يبنى على إنكار الهوية، أو تهميش اللغة، أو طمس التاريخ، أن يكون طريقاً صحيحاً؟
إن الطريق الذي لا يحفظ كرامتنا ليس طريقاً، بل متاهةٌ سياسية وأخلاقية. والطريق الذي يطلب منا أن نسلكه على حساب وجودنا ليس خياراً، بل هو شكلٌ من أشكال الإلغاء الناعم. لذلك، فإن رفض الوصاية ليس موقفاً عاطفياً، بل هو موقفٌ سياسي وفلسفي في آنٍ معاً، يقوم على مبدأ أن الشعوب التي تعرف نفسها لا تقاد، بل تختار مساراتها وفق وعيها وتجربتها وتاريخها.
لقد جرب الكورد، خلال قرنٍ كامل، مختلف أشكال الوصاية: القومية، والدينية، والدولية. وفي كل مرة، كانت النتيجة واحدة: مزيدٌ من التهميش، ومزيدٌ من التمزق، ومزيدٌ من تأجيل الحل. وهذا ما يفسر تحول الوعي الكوردي من البحث عن "حامٍ خارجي" إلى بناء قناعةٍ راسخة بأن الحل لا يمكن أن ينبع إلا من داخل الإرادة الذاتية، ومن خلال مشروعٍ سياسي يعترف بالتعددية ويؤسس لشراكةٍ حقيقية، لا تقوم على الإقصاء.
تكشف التجربة الكوردية مفارقةً لافتة: فالشعب الذي تعرض لكل هذا القمع لم يتحول إلى شعبٍ مكسور، بل إلى شعبٍ أكثر وعياً بوجوده، وأكثر إصراراً على حقه. وهذا الوعي لا يقاس بعدد الانتصارات العسكرية، بل بقدرة المجتمع على الحفاظ على لغته وثقافته وذاكرته، رغم كل محاولات الطمس. نحن لا نقيس الزمن بعدد السنوات، بل بعمق التجربة، ولا نقيس القوة بعدد الجيوش، بل بقدرة الإنسان على أن يقول "لا" حين يطلب منه أن يتخلى عن ذاته.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على أن الكورد ليسوا بنادق للإيجار، ولا ورقةً في لعبة الأمم، كما حاولت بعض القوى الإقليمية والدولية أن تختزلهم. إن اختزال شعبٍ كامل في وظيفةٍ سياسية مؤقتة هو شكلٌ من أشكال العنف الرمزي، لأنه ينفي عنه صفته كشعبٍ يمتلك قضيةً وحقاً ووجوداً مستقلاً. نحن لسنا أداة، بل فاعل؛ ولسنا هامشاً، بل مركزاً في قضيتنا.
قد يخسر شعبٌ معركة، وقد يهزم في جولة، لكن الشعوب التي تمتلك ذاكرةً حية لا تهزم. والذاكرة الكوردية ليست مجرد أرشيفٍ للألم، بل هي طاقةٌ كامنة تعيد إنتاج نفسها في كل جيل، وتمنح المعنى للاستمرار. إنها ذاكرةٌ كتبت بالدمع والدم، لكنها لم تتحول إلى يأس، بل إلى إصرارٍ على الحياة.
إن السؤال الكوردي، في جوهره، ليس أزمةً تبحث عن حلٍ تقني، بل هو تعبيرٌ عن خللٍ بنيوي في النظام الإقليمي الذي قام على إنكار التعددية وفرض نموذجٍ أحادي للهوية. ولذلك، فإن أي حلٍ حقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إعادة تعريف الدولة والهوية والمواطنة على أسسٍ ديمقراطية تعددية تعترف بالجميع.
نحن الكورد لسنا عائقاً أمام أحد، بل نحن ضحايا عوائق فرضت علينا. ومع ذلك، لم نفقد قدرتنا على الحلم، لأن الحلم، في سياق الشعوب المقهورة، ليس ترفاً، بل ضرورةٌ وجودية. إنه الشكل الأكثر نقاءً للمقاومة، لأنه يرفض القبول بالواقع كما هو، ويصر على تخيل ما يجب أن يكون.
وفي الختام، لسنا نقول إننا لا نهزم لأننا أقوى من الجميع، بل لأننا أكثر صدقاً مع ذواتنا، وأكثر تمسكاً بحقنا في أن نكون. فنحن، ببساطة، لم نتخل، حتى في أحلك الظروف، عن هذا الحق. ومن لا يتخلى عن ذاته، لا يهزم… مهما طال الزمن، ومهما اشتد الظلم، ومهما تعاقبت الخيبات.