أوجلان وتحولات الخطاب: من مشروع التحرير إلى إعادة تعريف القضية
- Super User
- مقالات سياسية
- الزيارات: 1080
بقلم: د. عدنان بوزان
لم يعد خطاب عبد الله أوجلان مجرد تحولٍ فكري عابر، بل بات – في نظر كثيرين – يمثل انقلاباً كاملاً على الأسس التي قامت عليها الحركة الكوردية المسلحة منذ عقود. فالرجل الذي قاد حزب العمال الكردستاني تحت شعار التحرير القومي، يعود اليوم ليعلن، من داخل سجنه في تركيا، أن المشكلة مع الدولة التركية ليست وجودية، وأن زمن الكفاح المسلح قد انقضى.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بحدة:
إذا لم تكن هناك مشكلة جوهرية مع الدولة، فلماذا خيضت حرب امتدت لعقود؟
وإذا لم يكن الهدف تحرير كوردستان، فما الذي ساق آلاف الضحايا إلى هذا المصير؟
إن هذا التحول لا يمكن قراءته بوصفه “نضجاً سياسياً” فحسب، بل ينبغي فهمه أيضاً بوصفه إعادة صياغة للقضية الكوردية بما يتلاءم مع سقف الدولة التركية وحدودها الصلبة. فبدلاً من المطالبة بحق تقرير المصير، يجري استبدال ذلك بمفاهيم فضفاضة مثل “الأمة الديمقراطية” و“العيش المشترك”، وهي مفاهيم – على الرغم من بريقها النظري – تفتقر إلى ضمانات سياسية ملموسة تكفل الحقوق القومية للشعب الكوردي.
والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب الجديد ينطوي على نزعٍ تدريجي للطابع القومي للقضية الكوردية. فعندما يقال إن المشكلة ليست مع الدولة، وإن الحل يكمن داخل بنيتها، فإن ذلك يعني عملياً القبول بقواعد اللعبة التي فرضتها الدولة القومية منذ نشأتها؛ أي القبول بالاندماج المشروط بديلاً عن الاعتراف المتكافئ.
هنا يتحول المشروع من “تحرير” إلى “إدارة ذاتية محدودة”، ومن “قضية شعب” إلى “مسألة حقوق ثقافية”، ومن صراع سياسي مفتوح إلى عملية احتواء ناعمة تفرغ القضية من مضمونها التاريخي.
ولا يمكن إغفال أن هذا التحول جاء في سياق اعتقالٍ طويلٍ ومعزول، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مدى استقلالية هذا الخطاب. فهل ما يطرح اليوم تعبير حر عن مراجعة فكرية، أم أنه نتاج واقع قسري فرض إعادة تموضع شاملة؟
ثم ماذا عن الكلفة التاريخية؟
عشرات الآلاف من الضحايا، قرى مدمرة، وأجيال نشأت في ظل الحرب. هل يمكن ببساطة إعلان نهاية الصراع دون مراجعة نقدية جذرية تعترف بأن المسار ذاته ربما كان خاطئاً، أو – في الحد الأدنى – بالغ الكلفة إلى درجة التناقض مع أهدافه المعلنة؟
إن النقد هنا لا يستهدف شخص عبد الله أوجلان بقدر ما يستهدف التحول البنيوي في الخطاب السياسي، الذي انتقل من المواجهة إلى التكيف، ومن الطموح القومي إلى القبول بسقف الدولة.
وفي هذا السياق، يبدو أن أخطر ما في هذا المسار ليس التخلي عن السلاح، بل التخلي التدريجي عن تعريف القضية نفسها. فالقضايا لا تموت حين تهزم عسكرياً، بل تموت حين يعاد تعريفها بطريقة تفرغها من جوهرها.
خلاصة القول، إن خطاب أوجلان الجديد، بدلاً من أن يكون مدخلاً للحل، قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة بصيغة أكثر هدوءاً، لكنها أشد عمقاً وخطورة. فهو لا ينهي الصراع، بل يعيد صياغته داخل حدود ضيقة، قد تبدو سلمية، لكنها في جوهرها تعني تقليص سقف الطموح الكوردي إلى الحد الأدنى الممكن.
في المحصلة، يبدو أن خطاب أوجلان، سواء أتى عن قصدٍ أم تحت ضغط الواقع، قد انتهى عملياً إلى تفريغ القضية الكوردية من مضمونها السياسي والتاريخي. فبدلاً من ترسيخ حق تقرير المصير، جرى استبداله بخطابٍ فضفاض ينسجم مع حدود الدولة القائمة، وعلى رأسها تركيا، من دون أي ضماناتٍ حقيقية.
وبهذا المعنى، فإن التحول من مشروع التحرير إلى خطاب “التكيف” لا يمكن قراءته إلا بوصفه تنازلاً مجانياً عن جوهر القضية، حيث جرى الانتقال من السعي لانتزاع الحقوق إلى الاكتفاء بطلب الاعتراف المشروط. إن أخطر ما في هذا المسار لا يكمن فقط في إنهاء الكفاح المسلح، بل في إعادة تعريف القضية الكوردية بطريقة تسقط مطالبها الأساسية وتخفض سقفها إلى أدنى حد ممكن.
وعليه، يمكن القول إن هذا الخطاب – بصرف النظر عن نواياه – قد أسهم في بيع القضية سياسياً بثمنٍ رمزي، إن لم يكن مجاناً، من خلال تحويلها من قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره، إلى مسألة قابلة للاحتواء داخل منظومةٍ لم تعترف به أصلاً شريكاً متكافئاً.