بقلم: د. عدنان بوزان
لم تعد القضية الكوردية في سوريا قضيةً هامشية يمكن تأجيلها أو الالتفاف عليها بوعودٍ فضفاضة أو نصوصٍ إنشائية تصاغ في أروقة السياسة ثم تترك على رفوف النسيان. فبعد أكثر من عقدٍ من الحرب والتحولات الكبرى التي عصفت بالدولة السورية، بات واضحاً أن البلاد لم تعد تحتمل العودة إلى الصيغ التقليدية التي قامت على احتكار السلطة، وإنكار التعددية، وإخضاع المكونات المختلفة لمنطق الدولة الأحادية التي تسعى إلى صهر الجميع في هوية سياسية واحدة.
إن سوريا الجديدة، إذا أُريد لها أن تكون دولةً مستقرة وقادرة على الاستمرار، لا يمكن أن تبنى على قاعدة الغالب والمغلوب، ولا على منطق الأكثرية والأقلية، بل على مبدأ المواطنة المتساوية، والشراكة الوطنية الحقيقية بين جميع مكوناتها القومية والدينية والثقافية. وهذا المبدأ لا يمثل امتيازاً لفئةٍ دون أخرى، بل يشكل أحد الشروط الأساسية لبناء دولة حديثة ومستقرة وقادرة على احتضان جميع مواطنيها.
لقد أثبت التاريخ السوري، كما أثبتت تجارب الشرق الأوسط بأسره، أن الدول التي ترفض الاعتراف بتعددها الداخلي لا تصنع الاستقرار، بل تؤجل الأزمات وتراكم أسبابها. فالاستقرار لا يفرض بالقوة وحدها، ولا يتحقق بفرض سردية وطنية أحادية على مجتمع متعدد، وإنما يقوم على عقدٍ اجتماعي يشعر في ظله جميع المواطنين بأنهم شركاء متساوون في الوطن، لا مجرد تابعين أو ضيوف فيه.
ومن هذا المنطلق، فإن الكورد في سوريا لا يطالبون بالهيمنة على الدولة، ولا باحتكار السلطة، وإنما يطالبون بما ينبغي أن يكون حقاً مشروعاً في أي نظام ديمقراطي معاصر: الاعتراف الدستوري بهويتهم القومية، وضمان حقوقهم السياسية والثقافية والإدارية، ومشاركتهم الفعلية والمتكافئة في إدارة الشأن العام وصناعة القرار الوطني. وهذه المطالب لا تضعف الدولة، بل تعزز تماسكها، لأن الدولة التي تعترف بجميع مواطنيها وتكفل حقوقهم تصبح أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار من الدولة التي تدفع جزءاً من شعبها إلى الشعور بالتهميش أو الإقصاء.
إن الخطأ الأكبر الذي قد تقع فيه أي سلطة جديدة يتمثل في الاعتقاد بإمكانية تجاوز الإرادة المجتمعية من خلال التعويل على أفراد أو شخصيات لا تعكس بالضرورة المواقف العامة لمجتمعاتها. فالشعوب لا تقاس بمواقف الأفراد، ولا تختزل في شخصيات قد تتبدل مواقفها تبعاً للظروف أو الحسابات السياسية. أما الحقوق الجماعية، فلا تمنح على أساس الولاءات الشخصية، وإنما تكرس من خلال اعترافٍ دستوري وسياسي ثابت، يظل قائماً بصرف النظر عن تغير الحكومات أو موازين القوى.
كما أن الرهان على الانقسامات الداخلية داخل أي مكون اجتماعي يظل رهاناً قصير الأمد ومحدود الأثر. فقد يحقق مكاسب سياسية أو إعلامية مؤقتة، لكنه لا ينتج حلولاً مستدامة، لأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على التحالف مع أفراد، بل على بناء توافقات مجتمعية واسعة تستند إلى الاعتراف المتبادل واحترام الإرادة الجماعية.
ولذلك، فإن مستقبل سوريا لن يتحدد بعدد الاتفاقيات الموقعة، ولا بكم التصريحات السياسية، وإنما بمدى قدرة الدولة على تحويل مبدأ الشراكة الوطنية إلى مؤسسات دستورية وقانونية تضمن المساواة الكاملة بين جميع المواطنين، دون أي تمييز على أساس القومية أو الدين أو المذهب أو الانتماء الثقافي.
إن أخطر ما قد تواجهه سوريا في المرحلة المقبلة ليس استمرار الخلافات السياسية في حد ذاتها، بل العودة إلى الذهنية التي تنظر إلى الاعتراف بالحقوق بوصفه تنازلاً، وإلى المساواة باعتبارها تهديداً، وإلى التعددية على أنها مصدر ضعف. فقد أثبتت التجربة السورية أن هذه المقاربة كانت من بين الأسباب الرئيسة التي أسهمت في تعميق الأزمات الوطنية، وأن إعادة إنتاجها لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراعات بأشكال جديدة.
إن قوة الدول لا تقاس باتساع حدودها الجغرافية، بل بعمق التوافق الوطني داخلها. فقد تبدو الدولة قوية بما تمتلكه من أدوات السلطة، لكنها تظل هشة إذا كانت شرائح واسعة من مجتمعها تشعر بأنها غير ممثلة أو غير معترف بها على قدم المساواة. أما الدولة التي يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبلها، فهي الأقدر على الصمود في مواجهة الأزمات الداخلية والمتغيرات الإقليمية والدولية.
واليوم تقف سوريا أمام مفترقٍ تاريخي حاسم. فإما أن تتجه نحو بناء دولة ديمقراطية تعددية تعترف بجميع مكوناتها، وتؤسس لعقدٍ اجتماعي جديد يقوم على المساواة وسيادة القانون واحترام التنوع، وإما أن تعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي أثبت فشله على مدى عقود. وليس المقصود بذلك التلويح بالتقسيم أو الدعوة إليه، وإنما التأكيد على حقيقة سياسية مفادها أن الدول التي تعجز عن استيعاب تنوعها الداخلي تصبح أكثر عرضة للهشاشة والانقسام، في حين أن الدول التي تبني وحدتها على العدالة والمواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل تمتلك فرصاً أكبر للاستقرار والاستمرار.
إن جوهر القضية لا يتمثل في صراع بين العرب والكورد، ولا في تنافس بين هويتين قوميتين، بل في طبيعة الدولة التي يراد بناؤها: هل ستكون دولةً لجميع مواطنيها على قدم المساواة، أم دولةً يبقى فيها بعض المواطنين مطالبين، في كل مرحلة، بإثبات حقهم في الانتماء إليها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم ملامح سوريا لعقودٍ مقبلة، لأن العدالة ليست قيمةً أخلاقية فحسب، بل هي أيضاً الركيزة السياسية الأكثر صلابةً لبناء دولة مستقرة، وصون وحدتها، وترسيخ السلم الأهلي فيها.